تتكون من بعض محاضرات الأخ القائد معمر القذافي وإسهامات بعض الكتاب والمفكرين


تتكون من بعض محاضرات الأخ القائد معمر القذافي وإسهامات بعض الكتاب والمفكرين
” المجلد الأول ” العالم يتقلب ولم يتغير شروح الكتاب الأخضر

العالم لم يتغير:

لقد تحققت جملة معطيات في المجتمعين النموذجيين القائمين الآن. المجتمع الرأسمالي والمجتمع الماركسي، وتطابقت تقريبا كل شروط هذه المعطيات شكليا وجوهريا.كما أن هناك تشابكاً كبيراً بين المجتمعين النموذجين. ومن خلال تتبعنا لتطور المجتمعات.. نجد أن هذه المعطيات مازالت باقية بكل اشتراطاتها الشكلية والجوهرية، الأمر الذي يؤكد لنا أن العالم يتقلب فعلا ولم يتغير. إن جملة معطيات سياسية واقتصادية واجتماعية تكون- تركيبة المجتمع.. وهى موجودة بداية في المجتمع الرأسمالي باعتباره النموذج الأول.. ثم حصل انقلاب عليه بقيام الماركسية. ولدى تتبعا تطور المجتمع الماركسي.. نتتبع أيضاً تركيبته، هل هي نفس تركيبة المجتمع الرأسمالي؟ هل المعطيات التي كانت موجودة في المجتمع الأول، موجودة في المجتمع الثاني؟ فإذا فقدت وحلت محلها معطيات جديدة، فقد تغير المجتمع. أما إذا وجدنا نفس المعطيات موجودة في المجتمع الثاني، أي إن أساسيات المجتمع الرأسمالي(النموذج الأول) موجودة في المجتمع الماركسي(النموذج الثاني) ولو بشكل مختلف، فإن معنى ذلك هو عدم حصول تغيير في العالم. فإذا حللنا البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنموذج الأول- وهى بنية متداخلة تداخلا شديداً، بحيث يصعب فصلها وتجزئتها. نرى أنه حدث انقلاب اقتصادي من قبل الماركسية فبتحليلنا للنموذج الثاني وجدنا بنيته الاقتصادية امتداداً للبنية الاقتصادية للنموذج الأول. وهو يعنى عدم حدوث تغيير، لأن البنية الأولى لم تنته ولم تختف. وكذلك الحال بالنسبة للبنية الاجتماعية التي يجب أن نحللها إلى أساساتها الأولية التي تشكل أساس المجتمع وهي تشمل النقاط الآتية-

1 – طبيعة النشاط الاقتصادي.

2 – العلاقات التي تحكم أطراف قوى الانتاج.

3 – الإدارة الاقتصادية.

من يدير القرى الاقتصادية في هذا المجتمع أو ذاك؟ ما دوره؟ وما حقوقه؟ .. إذ من المعلوم. أن الاقتصاد لا يدور تلقائيا بل يدار بواسطة ادارة، فما الفرق بين المجتمعين النموذجيين اللذين ندرسهما الرأسمالية والماركسية في موضوع الادارة؟ هل انعدمت الادارة في أحدهما؟ أم اختلفت.. أم أنها نفس الادارة؟ الانتاج لمن يعود؟ من يستهلكه، من صاحب الحق فيه؟ فإذا أخذنا الأرض مثلا- كمعطية من معطيات النشاط الاقتصادي- فمن يملكها؟ وكيف تستغل؟ ومن يستغلها؟ وأين يذهب ناتج استغلالها؟. حدث انقلاب على الرأسمالية بقيام المجتمع الماركسي ولكن هل تخلصت الانسانية من المشكلات التي كانت تواجهها في المجتمع الرأسمالي، أم أنها ما زالت تواجه نفس المشكلات بحظوظ مختلفة؟ لنجيب عن هذا السؤال حللنا المجتمع الجديد النموذج الثاني لنعرف تركيبته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ومن خلال قياسنا له بالمجتمع القديم النموذج الأول، اكتشفنا أنه الوجه الثاني لنفس التركيبة الاجتماعية.. إن الرأسمالية والماركسية وجهان لعملة واحدة، يمكننا الوصول إلى أحدهما بقلب الوضع نفسه دون الانتقال إلى وضع جديد.. دون البحث عن وضعية أخرى ذات قيمة مختلفة وشكل مختلف.. فحين نطلع على الرأسمالية ليس علينا لنطلع على الماركسية إلا أن نقلب ما في أيدينا مباشرة لنصل إلى الماركسية.. حتى إذا أردنا مقارنتها بالرأسمالية قلبنا العملة على الوجه الثاني فتبرز الرأسمالية دون عناء انهما وجهان لعملة واحدة. هكذا العالم اليوم، له وجهان وجه رأسمالي ووجه ماركسي لكنه لم يتغير. فالنشاط الاقتصادي في المجتمعين متماثل تماما، إن ذات قوى الانتاج الرأسمالي تكرر نفسها في الانتاج الماركسي فحين تكون أطراف قوى الانتاج في النموذج الرأسمالي عبارة عن أجراء وأرباب عمل، فان ذلك نفسه يتكرر في المجتمع الماركسي بغض النظر عن الاختلاف الشكلي في مسألة رب العمل من حيث أنه رب عمل واحد أو أرباب عمل متعددون. ولكن جوهرياً لم يتغير شيء، فالأجراء هم الأجراء في النموذجين معاً.. هم الشغيلة نقلوا من الرأسمالية إلى الماركسية بأجرتهم دون تغيير. غير أنه حصل انقلاب في مسألة رب العمل، فأرباب العمل الرأسماليون الاستغلاليون في النموذج الرأسمالي تمت الاطاحة بهم في ثورة بروليتارية، وحل محلهم رب عمل جديد هو الدولة الماركسية. وهذا معناه أن الطبقة الرأسمالية التي كانت تؤجر العمال أطيح بها لتحل محلها الدولة الرأسمالية أو نظام رأسمالية الدولة الذي يرسخه النموذج الماركسي. كذلك فإن الادارة في النموذج الرأسمالي هي ادارة خاصة استغلالية يمارسها مالكو الشركات والمؤسسات الاقتصادية باعتبارهم أرباب عمل لهم حق اداره العاملين معهم. وهى في النموذج الماركسي ادارة أيضا وبنفس مواصفات الادارة الرأسمالية والفرق الوحيد بينهما أن الادارة الماركسية ادارة حكومية تمارسها الحكومة كرب عمل على العاملين. أقصد أن الشغيلة في النموذجين معا لا تزال تدار بواسطة غيرها، وليست هي التي تدير، فهي في النموذج الرأسمالي تدار بواسطة صاحب رأس المال الاستغلالي الخاص كصاحب الشركة والمصنع وغير ذلك.. وهى في النموذج الماركسي تدار بواسطة رب العمل الجديد الذي هو الدولة الماركسية. والجهد الانتاجي الذي تبذله الشغيلة يعود في النموذج الأول إلى رب العمل الفرد أو الشركة. ويعود في النموذج الثاني إلى رب العمل الجديد الذي هو الدولة الماركسية. فهل حدث تغيير في توزيع الانتاج بالنسبة للشغيلة؟ لم يحدث أي تغيير فالانتاج الذي تنتجه الشغيلة يؤخذ اما لصالح الطبقة الرأسمالية أو لصالح الدولة الرأسمالية. ويستثمر لصالح أرباب العمل الرأسماليين ملاك الشركات والمصانع كما يستثمر لصالح الدولة الرأسمالية في النموذج الماركسي رغم انه لا يستثمر لصالح فرد يستغله في مشروعاته الخاصة ويحقق عن طريقه مصالحه الخاصة إلا أن التعديل الذي حدث في الماركسية طفيف وغير جذري، حيث أصبح الانتاج يستثمر من قبل الحكومة وتحت سيطرتها المباشرة. والأرض في النموذج الرأسمالي يملكها الاقطاعيون ويعمل بها الأجراء كالمصانع التي يملكها الرأسماليون ويعمل بها الأجراء تحت هيمنة الرأسماليين. أما في النموذج الماركسي فالأرض تملكها الدولة سواء أكانت مزارع جماعية أو مزارع تعاونية وإذا كان هناك مزارع خاصة في عدد منها فتعتبر ملكية الأفراد لها مؤقتة في طريقها إلى الانتهاء.. ويعمل في الأرض أجراء للحكومة. والتجارة في النموذج الرأسمالي هي متاجر خاصة وتجارة خاصة غايتها الربح على حساب المستهلك، وتتجمع الأرباح في جيب صاحب المتاجر الخاصة. فالغيت التجارة الخاصة في النموذج الماركسي وحلت محلها التجارة العامة، فحلت الحكومة الماركسية محل التجار الرأسماليين وأصبحت المتاجر تدار عن طريق موظفين لهم نسبة في الأرباح تضاف إلى مرتباتهم. ما هو الشيء الجديد الذي أحدثته الثورة الماركسية؟ لقد حولت الأجراء من أجراء لرب العمل الخاص إلى أجراء الدولة، ونفت أن يكون ذلك ظلما أو غبنا. فالأجراء بدل أن يكونوا تحت هيمنة واستغلاليين الرأسماليين الاستغلاليين يجب أن يخضعوا لدولتهم.. والانتاج يجب أن يعود إلى المجتمع إلى( الدولة الماركسية ) بعد أن كان حكرا مستغلا لمصلحة الاقطاعيين والرأسماليين والأرض تملكها الدولة بدل أن يملكها الاقطاعيون.. وهكذا حدث انقلاب على الرأسمالية ولكنه ليس تغييرا اطلاقا. ما هي فوائد هذا الانقلاب بالنسبة للعمال؟

– لم يتغير شيء بالنسبة للعمال فما زالوا يعملون ساعات معدودة ويستقطع قدر كبير من هذه الساعات منهم، بغض النظر عن الجهة المستفيدة من هذا الاستقطاع، وكيف يستثمر بعد ذلك. ولكن العامل ما زال أجيرا يعمل عددا من الساعات وتعود له ساعات أقل من التي اشتغلها، وهو لا يزال يدار بواسطة غيره. إن الشعب في ظل النموذج الماركسي لا يستطيع التصرف في الأرض ولكن الحكومة هي التي وضعت يدها على الأرض وتحل مشكلتها بالطريقة التي تراها، فتستطيع إلغاء المزارع الخاصة وتحولها إلى تعاونيات أو إلى مزارع جماعية أو تحولها إلى مزارع تابعة للدولة.. وتستطيع ابقاءها على حالها. ووسائل الانتاج جميعا تكون مملوكة للدولة الرأسمالية بدل الطبقة الرأسمالية، وبتعبير أدق فإن جميع ما كانت تقوم به الطبقة الرأسمالية في النموذج الرأسمالي صارت تقوم به الدولة الماركسية. كذلك فإنه سيكون للدولة الماركسية نفس مصير الطبقة الرأسمالية.. لماذا؟ لأن الدولة الماركسية ورثت الطبقة الرأسمالية في جميع صفاتها وواجباتها ونفس تصرفاتها.. وتحس الدولة الماركسية بأنها وريث الطبقة الرأسمالية فحاكتها حتى ماثلتها تماما فوصلت إلى ما وصلت إليه في بولندا وتشيكوسلوفاكيا وفي عدد من المواقع في الاتحاد السوفيتي. إن نفس المواجهة الشعبية(أو ثورة الشغيلة)-التي قام بها العمال الطرف الأساسي في قوى الانتاج-وواجهوا بها الطبقة الرأسمالية بدأوا الآن يواجهون بها الدولة الرأسمالية في النموذج الماركسي. إن أطراف قوى الانتاج في النموذج الأول موجودة في النموذج الثاني لم تلغ، وما زالت كما هي أطراف متعددة متضافرة ضمن علاقة انتاجية غير سليمة، يزج أطراف ليست قوى انتاجية أصلا. كارباب العمل والادارة الحكومية. في الوقت الذي تدار فيه قوة الانتاج الأساسية بواسطة غيرهما. لم يتغير شيء بين النموذجين، ورغم ذلك لا يعتبر الذين صنعوا الانقلاب الماركسي أنفسهم تكرارا للرأسمالية بوجه آخر من وجوهها،ولا يعتبرون انقلابهم خطوة إلى الوراء بل يصرون على اعتباره عملا تقدميا وحركة إلى الأمام إذ يتصورون أنهم وجهوا ضربات نهائية ضد القوى الاستغلالية لصالح الدولة الاشتراكية، ودمروا المصالح الذاتية الأنانية المتحققة من خلال النشاط الاقتصادي الرأسمالي لفئة محددة على حساب المجتمع. وأرسوا برنامجا تربويا يضحى بالمصالح الأنانية ويقتل بواعث المصلحة الذاتية الفردية النفعية في الانسان، ظنا منهم إن ذلك سيتوج الانقلاب الماركسي بالنصر وتحل مصلحة الدولة محل المصالح الذاتية للأفراد، ولكن الأفراد يتشبثون بمصالحهم الذاتية بكل القوة، إذن يجب محاربة الجانب الغريزي في الانسان، والعمل على انضاب التراث من ينابيعه- كما يقولون في الصين- حتى تنقطع كل الجذور التربوية والنفسية لدى الانسان فينفصل عنها ويتقبل الوضع الجديد- الذي برسخ الدولة الماركسية. وهم يعتقدون ان هذا الاجتثاث من الجذور يجعل تطويع الانسان سهلا للتكيف مع النموذج الماركسي. فالإنسان الذي يحب الملكية ويرغب تحقيق مصالحه الذاتية يتصادم حتما مع الدولة إلى تريد كل شيء لمصلحتها، أما إذا قتل هذا الجانب في الانسان فسيخلق انسان آلي تماما. وبوضع الاصبع على زر بعينه يتحرك البشر الآليون ليجمعوا الانتاج ويكدسوه في المكان المحدد بالضبط مثل النمل! انسان آلي لا ياكل ولا يشرب ولا يحب؟ ولا يحلم ولا يتمنى ولا يرتاح.. لا يتفوق ولا يتألق. والنتيجة هي إن هذا الحل الجدي واجه صعوبات جمة منذ قيامه، وكان الفضل في بقائه راجعا إلى العنف غير المتناهي. وهو ما أثبت أن الحل الماركسي يترتب عليه ضرورة وجود قبضة حديدية فوق رؤوس الناس في المجتمع يستمر تأمين هذا الحل. ولو أحس الناس بأن هذه القبضة قد رفعت عنهم لعادوا إلى تحقيق مصالحهم الخاصة. وهكذا فان الاتجاه في المجتمع الماركسي يؤدى إلى قيام دولة قوية تملك السلطة والثروة والسلاح،حكومة قوية بيدها السلطة والثروة والسلاح حتى تتمكن من اجبار الناس كلهم على التنازل عن مصالحهم الذاتية والعمل من أجل الشيوعية. وقد أدى هذا الوضع في الجانب السياسي إلى قيام أداة حاكمة واحدة هي الحزب الشيوعى، حتى تضمن ان تقبض على المجتمع بقوة، وتسيره في الاتجاه الجديد نحو الشيوعية. فأخطر شيء على المجتمع الماركسي هو الحرية السياسية لأنها تؤدى إلى أن تنتزع الناس القوة وتمسك بالزمام فتدمر بذلك سيطرة الحكومة الماركسية.. ومن هنا جرى العمل على خلق أحزاب شيوعية قوية ليضمنوا السيطرة على المجتمع واعتبروا أي منافسة للحزب الشيوعي في أي دولة ماركسية ردة وعمالة للامبريالية. بل إنهم حاربوا تلك البلدان الماركسية التي اعترضت على هذا الأمر واعتبروها مدخلا معاديا للمجتمع الماركسي تستغله الامبريالية ضد القوى التقدمية. فيوغسلافيا تعرضت للنبذ لأنها رفضت هذا الحل الجدي.. والصين تعتبر الآن مرتدة بالكامل في نظر الماركسيين.. وفي بولندا تعتبر الأحداث العمالية هناك غاية في الخطورة فاستقلال نقابات العمال واتجاهها لخلق كيان عمالي رافض لهيمنة الحزب الشيوعي البولندي يعد مأزقا حقيقيا للماركسية كلها؟. وهى أحداث يمكن تفجرها أيضا في رومانيا وهنغاريا بل وفي الاتحاد السوفيتي نفسه. هكذا فان الدولة-الحكومة- تحل محل الطبقة الرأسمالية في السيطرة على الاقتصاد وتسخير النشاط الاقتصادي لمصلحتها..

– إن الدولة الرأسمالية تسخر كل شيء لمصلحتها وتتصرف كما لو كانت هي نفسها الطبقة الرأسمالية.

فالحكومة في ظل الطبقة الرأسمالية تقوم بمهام حماية الرأسمالية والحفاظ على أمنها ووجودها وهى لذلك لاتسمح بقيام مجتمع ماركسي في أمريكا أو بريطانيا. فالحكومة في ظل مجتمع الرأسمالية تحتفظ بالسلطة السياسية والاقتصادية لخدمة النظام الرأسمالي ولا يمكنها أن تكون محايدة بينه وبين أي نظام يمكن أن ينشأ على أنقاضه فهي تلتزم بالحفاظ على التركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مجتمع الطبقة الرأسمالية بما يضمن استمرار المصالح الاقتصادية واستثمار النشاط الاقتصادي لمصلحة الرأسمالية.

وهو ذات الدور المنوط بالحكومة الماركسية، فمهمتها هي الحيلولة دون قيام نظام بديل عن الماركسية، ومحاربة القوى المضادة لها بالاضافة إلى قيامها بتثبيت رأسمالية الدولة وحمايتها، مما يجعل خلق أداة سياسية لتحقيق ذلك ضروريا. وهنا نشأت ديكتاتورية الحزب الشيوعي على المجتمع. والنتيجة إنه ليس هناك اعتبار للديمقراطية في النظامين كليهما. بل إن الاعتبار كله ينصب على تأكيد المصالح الاقتصادية للطرف السائد، وهو الطبقة الرأسمالية في المجتمع الرأسمالي والحكومة الرأسمالية في المجتمع الماركسي وإذا تفحصنا الجانب السياسي في النموذجين نجد أنهما يتماثلان كلياً إذا استثنينا بعض الفروقات الشكلية فمثلا نجد في النموذج الأول شعبا وحكومة كذلك نجد في النموذج الثاني شعبا وحكومة كما نجد تماثلا شديدا فيما يخص الشرطة والجيش وغبر ذلك من الادارات الحكومية.. وحتى إذا كانت الحكومة في النموذج- الأول تصنعها الطبقة الرأسمالية لخدمة مصالحها والمحافظة على استثماراتها. فإن الحكومة في النموذج الثاني هي أيضا لا يخلقها الشعب بل هي حكومة الحزب الماركسي.. وحتى لو صدقنا بأنها حكومة عمالية، قام العمال بصنعها، فإن وجود حكومة يجعل تركيبة المجتمع تماثل المجتمع الرأسمالي بوجود حكومة وشعب، إن الرأسماليين أنفسهم يتحدثون عن خدمة الشعب ومصالحه والدفاع عنه، ولكن ذلك لا يعنى إلا الرأسماليين الذين يستغلون الطبقة العاملة لخدمة مصالحهم. موكلين مهمة حماية هذا النظام إلى مؤسسات الجيش والشرطة التي خلقوها لضمان استمرار النظام الرأسمالي. أما في المجتمع الماركسي فإن الحكومة الرأسمالية تسيطر على رأس المال بعد أن انتزعته من الطبقة الرأسمالية بالثورة مدعية أنها تقوم بذلك لمصلحة الشعب، الذي يعنى هنا أولئك الكادحين الذين خلقت منهم جيشا عقائديا موالياً لها وحامياً لوجودها بحجة إنها لمصلحتهم، وحتى إذا صدقنا ذلك فإن دور هؤلاء الكادحين لا يتعدى دور الجيش الذي يدين بالولاء للحكومة الرأسمالية ويخوض الحروب من أجل تحقيق مصالح الرأسمالية إذن فان الأوضاع لم تتغير في النموذجين الرأسمالي والماركسي، ففي كلا المجتمعين ظل هناك شعب وحكومة وجيش وادارة عامة وخاصة.. وغيرها على الصعيد السياسي، أما على الصعيد الاقتصادي فقل ظل الأجراء وأرباب العمل، والطبقة الرأسمالية والحكومة الرأسمالية، أما العمال فينتجون في كلا المجتمعين ويذهب جزء من انتاجهم لمصلحة الرأسمالي الفرد أو لمصلحة الحكومة الرأسمالية. إنه لو كانت هناك مفاضلة بين النموذجين اللذين ندرسهما ولا يوجد لهما بديل ثالث فإن النموذج الماركسي يكون أفضل من النموذج الرأسمالي، لأنه يحقق مصالح للدولة كلها رغم ما يقدمه جميع أفراد المجتمع من تضحية كبيرة لصالح الدولة.

فرص العمل:

أما فيما يخص البطالة وفرص العمل في النموذجين

– مجال دراستنا- فنستطيع توضيح الفرق بينهما إذا مثلنا فـرص العمل في النـموذج الأول -المجتمع الرأسمالي- بخط بياني متموج يبدأ من الصفر أحياناً ويصعد عنه بعض الأحيان، فيتوزع فوقه العاملون عشوائياً فلا يتحصل كل أولئك الذين وقع ترتيبهم على الصفر وعلى الأرقام القريبة منه على أي فرصة لايجاد عمل، في الوقت الذي يتحصل فيه غيرهم على فرصة أو أكثر.. وهو ما نلاحظه حين يتجمع هؤلاء الذين فقدوا فرصهم في العمل في شوارع المدن الرأسمالية ويقومون بالمظاهرات ضد النظام الرأسمالي الظالم الذي حرمهم حقهم في الحصول على فرصة عمل، تكافيء ما تحصل عليه غيرهم. إننا يمكننا أن ندرك مدى الظلم الذي لحق بهؤلاء، إذا قدمنا مثالا لذلك الذي تحصل على أكثر من فرصة حارماً غيره من أي فرصة بالرأسمالي صاحب العمارة المحتوية على ثلاثين شقة.. في نفس اللحظة التي يوجد فيها ثلاثون أسرة من مواطنيه بلا أي مأوى. إن حصتهم من ثروة المجتمع قد نهبها مواطنهم صاحب العمارة بفعل احتكاره للفرص الخاصة بهم.

ومثال آخر:- لنفرض أن الأرض الصالحة للزراعة يمكن تقسيمها بالنسبة إلى عدد الفلاحين بحيث تكون مساحة كل مزرعة هكتاراً واحداً مثلا. فإذا استولى أحدهم على مزرعة مساحتها عشرة هكتارات، فإن هذا يعنى حرمان تسعة مزارعين من مواطنيه حقهم في تملك مزارع، وبالتالي حرمانهم من مصدر رزقهم ومكابدتهم للبطالة، فإذا ما كرر أفراد آخرون نفس فعله فإن كثيرين من المزارعين لن يتمكنوا من الحصول على مزارع يعملون فيها لأنفسهم. وكثيراً ما يقوم الذين احتكروا فرص الآخرين في العمل ونهبوا حقوقهم بتأجيرهم للعمل في نفس المواقع التي انتزعوها منهم وهؤلاء يقبلون ذلك مضطرين بدافع الفقر والحاجة خالقين بهذا طبقة رأسمالية وأخرى مستعبدة لها.الخط البياني لفرص العمل في النظام الرأسمالي:-

قمة الفرص – قمة قمة قمة لا فرص – صفر صفر صفر صفر

(حضيض الفرص)

كما أننا نمثل لفرص العمل في النموذج الثاني- المجتمع الماركسي- بخط مستقيم، أي بمد الخط البياني المتموج المرسوم اعلاه أفقيا، فتتساوى الفرص جميعها، وقد تنعدم البطالة.. فإما أن تكون جميع الفرص صفرا أو تكون رقما آخر متساويا بالنسبة لجميع العاملين.إن مد هذا الخط البياني أفقيا على استقامته يهبط بأولئك الذين في قمة الفرص وينهض بالذين في الحضيض، فيتساوون جميعا في فرص العمل ولكنهم يعيشون على الحد الأدنى حتى يوفروا فرصة عمل لكل قادر عليها. هذا هو الانقلاب الذي أحدثته الماركسية في هذا المجال فقد تركز على مساواة العمل الذهني بالعمل العضلي فلا فرق بين الطبيب والمهندس والعامل اليدوي.. وغيرهم.. فهم جميعا يتحصلون على فرص عمل متساوية.

مثال للتوضيح:

إذا أردنا أن نقسم مائة دينار على عشرة اشخاص فإننا نعطى كل شخص عشر دينارات، وهذه قسمة عادلة، فلو تمثلنا المجتمع الرأسمالي فإن هذه المائة دينار، يتم توزيعها على شكل غير عادل فسنجد بان واحداً من العشرة قد تحصل على خمسين دينارا وواحداً على عشرين وثلاثة كل تحصل على عشرة.. والباقون نالوا صفراً.. لماذا تحصل هؤلاء على صفر ولم ينالوا شيئا من ثروة المجتمع؟ لأن حصصهم أخذها آخرون.. فبدلا من أن ينال كل حصته استولى احدهم على خمسين والآخر على عشرين.. إن ذلك يعني مباشرة الاستيلاء على نصيب الآخرين في الثروة.. فتحصل أحدهم على عشرين يعني تحصل آخر على صفر.. إن الذي تحصل على خمسين أو ثلاثين أو عشرين يعد غنيا في النظام الرأسمالي ولكنه غنى على حساب عشرات الفقراء غيره ممن استولى على حصتهم في فرص العمل وثروة المجتمع.

– ويتباهى اصحاب النظام الرأسمالي بأنه قد وجد لديهم عامل غنى لكنهم يتجاهلون الذين اصبحوا فقراء بسبب غنى هذا العامل الذي استولى على نصيبهم من فرص العمل وثروة المجتمع.

– ويتباهى الماركسيون بأنهم قد قضوا على البطالة ووفروا فرص عمل لكل القادرين عليها.. وهم يتجاهلون في هذا عجزهم عن تحقيق رفاه العاملين واشباع حاجاتهم مكتفين بتوفير فرصة عمل لكل منهم، مضطرين ليحققوا هذه الغاية إلى حرمان كل منتج جزءاً من انتاجه يقتطع منه لصالح الدولة الماركسية.. إنهم يحددون القدر الذي يجب على كل فرد استهلاكه ويقتطعون قدراً من انتاج الكادحين ملزمينهم العيش على الحد الأدنى من المعيشة مع الاستمرار في العمل.. فالغاية في هذه المرحلة من الماركسية ليس تحقيق الرخاء وإنما الغاية من الكدح هو الانتقال إلى الشيوعية.. ولذلك.. فإن القتل الجماعي مباح للذين يتقاعسون عن الانتاج.. وسلب الملكية.. وقتل الغرائز.. والعيش على الكفاف، وعدم التفكير بالضروريات المعيشية وتحريم التفكير بالكماليات.. كلها أمور مباحة في مرحلة الانتقال إلى الشيوعية.. بل يجب أن تعمل اقصى ما تستطيعه وأكبر عدد من الساعات مع اقتطاع جزء كبير من انتاجك لصالح قيام الدولة الشيوعية.. ولكن لماذا؟ لتصل الدولة الماركسية إلى تحقيق شعار من كل حسب جهده ولكل حسب حاجته. ولكن متى؟.. عندما يحقق الانتاج الوفرة، فيتكدس صانعاً فردوساً أرضيا حقيقيا.! فهل يتكدس الانتاج حقاً؟ لن يتكدس شيء من الانتاج وهو يستهلك في حينه، ولم تستطع أية دولة أن تستبقى لديها أي محزون لصالح الشيوعية، بعد عشرات السنين من تطبيق الماركسية. فكان أن ساد اتجاه جديد هو التفكير في توفير الضروريات للناس وحتى توفير الكماليات لهم بعد أن اتضح استحالة وجود بشر ينتجون عشرات السنين ويرضون بالحد الأدنى من انتاجهم ليعيشوا به على الحد الأدنى من المعيشة مقابل تنازلهم عن جزء كبير من انتاجهم لصالح الشيوعية وتنازلهم عن حريتهم كلها لصالح الحزب الشيوعي! إن هذا التوجه الجديد هو الذي خلق المقاومة للثورة الصينية مما دفع ماو بعد ذلك إلى إعلان ما عرف بالثورة الثقافية. ودفع جميع الدول الماركسية إلى الأخذ بمفهوم الحوافز الذي جعلهم يتوجهون لدراسة المؤسسات الرأسمالية في أمريكا وأوربا الغربية محاولين بذلك إدخال نظام مشابه منقول عن المؤسسات الرأسمالية وتطبيقه في المؤسسات الماركسية. فإذا تحقق ذلك فإن أخر خيط من خيوط الأمل في الماركسية يعتبر قد انقطع نهائيا وإلى الأبد. وتنتهي إلى مجرد انقلاب عادى يحدث داخل لدولة رأسمالية، تكون نتيجته استيلاء حزب واحد قوى على السلطة في ذات الدولة الرأسمالية، ذلكم هو الحزب الشيوعي، الذي عليه أن يلغي الملكية الخاصة، ويستخدم الناس أجراء لدى الحكومة إلى يصنعها.. وتقوم هذه الحكومة نفسها بتقسيم الانتاج، وتحديد القدر الذي تريد ادخاره منه فهي مضطرة بعد كل شيء إلى توفر جزء من جهد الشغيلة بالقدر الذي يفي بمصاريف الدولة العصرية ورفع قدرتها الدفاعية في مواجهة النقيض.. الذي هو الرأسمالية.. وهكذا وصلوا إلى طريق مسدود لا سبيل إلى الخروج عنه الا بابتداع حذلقة فلسفية فحواها استحالة الشيوعية واستحالة تحقق طموحاتها( العظيمة ) ما لم يقض على النظام الرأسمالي كله، فظهر اتجاه فكرى وعملي في الاتحاد السوفياتي،وبعد ذلك في بقية المنظمات الماركسية يعد العدة للقضاء على النظام الرأسمالي والامبريالية في العالم، ويرى اصحاب هذا الاتجاه إن وجود نصف الأرض تحت هيمنة القوة الامبريالية لن يجعل النصف الآخر يصل الشيوعية اطلاقا، بسبب اضطراره للدخول في صراع محاكاة ومزاحمة لا ينتهي أبداً. وقد سيطرت هذه الفكرة في الاتحاد السوفياتى حتى عهد خروتشرف وسيطرت في الصين خلال حياة ماو وشواين لاى وبروز جماعة نينغ بونغ، وقد كانت العقيدة السائدة آنئذ هي أن الحرب حتمية بين الرأسمالية والماركسية، تصل إلى مستوى الحرب الذرية، وكانوا يعملون على هذا الأساس لاعداد أنفسهم لحرب حتمية لا محيد عنها، بل إنهم اعتبروا أية دولة لا تعد نفسها لهذه الحرب خلال عشرين سنة دولة خائنة لقضية الماركسية اللينينية. أما في بداية الثمانينات فقد قدم الصينيون تحليلا جديداً كان له الأثر الكبير في العالم كله.. فقد أعلنوا أن الصين تبشر العالم بفساد المقولة التي تجعل الحرب حتمية بين الرأسمالية والماركسية، وإن هذه المقولة قد ثبت خطأها وبطلانها، وصار من حق العالم أن يعيش في وئام. وقد كان خروتشوف يرى ضرورة أن تكون روسيا دولة قوية في مواجهة امريكا الدولة القوية الأخرى، ويعتقد بأن على روسيا التي تخلفت أن تحاكى امريكا وتنفتح عليها وتتعامل معها. وقد حدث انفتاح كبير حينذاك خشى الماركسيون أن تعقبه ردة عن الماركسية وعقائدها، فقاموا باسقاط خروتشوف، ولكن المحاكاة للنظام الرأسمالي الأمريكي استمرت سرية واستمرت معها نفس السياسة التي تعتمد التعايش مع النظام الرأسمالي العالمي مع التحفظ- طبعاً- على المبررات التي أدت إلى سقوط خروتشوف.. فاتفاقات الحد من الأسلحة الاستراتيجية كاتفاقية سولت ا وسولت 2 واجتماعات هلسنكى المتكررة واللقاءات التي تتحاور فيها الدولتان الأعظم بشان توزيع الأسلحة أو الحد من سباق التسلح، أو تلك التي عرفت في فترات متأخرة بالوفاق الدولي والانفراج ليست سوى استمرار لسياسة التعايش تلك التي تنسف المعتقد الماركسي التقليدي من أساسه، فارضة نفسها رغم كل الآراء النظرية التي صيغت في فترات سابقة. وصارت تلك الآراء النظرية الماركسية أشبه بمن يحرث البحر! أو يخط باصبعه على الرمال! لماذا؟ لأن هناك نظاماً رأسمالياً يفرض تحدياً على الماركسية. كان الماركسيون يعتقدون بأنه سيسقط حتف انفه منذ زمن بعيد.. ولكنه لم يسقط، واستمروا في صراعهم ضده، وظلوا يأخذون من الشغيلة أكبر قدر من جهدها لمواجهة برامج مفروضة عليهم. وهكذا تلاشى الأمل في تحقيق الشيوعية، ولم يبق شيء يمكن توفيره لصالحها بعد أن استهلك كل شيء في بناء الدولة العصرية التي تستطيع مواجهة الدولة الرأسمالية العصرية القوية. ولو شئنا أن نضرب مثلا بدولة كالمانيا الشرقية مثلا ، فهي لا تستطيع تكديس انتاجها لصالح الشيوعية مادامت المانيا الغربية موجودة إلى جانبها تزداد قوة كل يوم وتحتل المرتبة الرابعة بين الدول الصناعية في العالم كله. مما يضطر المانيا الشرقية إلى إنفاق مجهود جبار في بناء دولة عصرية صناعية قادرة على الثبات في مواجهة المانيا الغربية، وتصبح مضطرة حتى إلى محاكاتها في أشياء تعتبر برجوازية بالمنطق الماركسي كإقامة إذاعة مرئية ملونة وحدائق ترفيه وغير ذلك، علاوة على مشاريع التسليح والانفاق على الدفاع ومشاريع التصنيع، فقد فرض المسلك البرجوازي نفسه وحتم أن تقوم الحكومة الماركسية بانفاق ما تأخذه من الشغيلة على المجالات العسكرية وبرامج الفضاء وخطط الدعاية الاعلامية وللإنفاق الإداري. ولبناء دولة عصرية قوية. لقد تلاشى الأمل حقاً في تحقيق الشيوعية باستحالة تكدس الإنتاج، ولكنهم شاءوا أن يجدوا مخرجاً من هذه الدوامة برفعهم لشعار( تدمير الرأسمالية أولا، ثم نستطيع بعد ذلك تكديس الانتاج ). ولكن هل هناك حقا اتجاه نحو الحرب مع الرأسمالية؟ إن الاتجاه إلى تدمير الرأسمالية يتناقض مع اتفاقيات الحد من الاسلحة الاستراتيجية ( سولت واحد ) و( سولت اثنان ) ومع ميثاق هلسنكى.

بل إن أكبر ما يخشاه المجتمع الماركسي هو الحرب، فروسيا لا تقبل ابداً الحرب مع امريكا ولا يمكن أن تبادر بها تحت أي ظرف ولا استجابة لأي اعتبار، فقد كان الرأي الرسمي للاتحاد السوفياتى دائما هو أن الحرب يجب استبعادها بين دولتين تملك كل واحدة منهما ما يكفى لتدمير الأرض عشر مرات. وينصحون الدول الصغيرة بمراعاة هذه الحقيقة، وهى إنهم لا يرغبون الحرب بل يخافونها.. وهكذا لا سبيل إلى تدمير الرأسمالية وينقطع الأمل في الطريق الثاني أيضاً.. ذلك الذي رفعوه شعاراً لتحقيق الشيوعية، ولا يكون ثمة طريق سوى التعايش بين الرأسمالية والمـاركسية. غير أن المـاركسيين قـادرون على الخروج ( كماركسيين ) من كل أزمة فكرية وعلمية قاتلة يقعون فيها نتيجة المعطيات الجديدة أو التحليلات العلمية السليمة كهذه التي قدمناها هنا. ورغم أن ما قدمناه يعد كافياً لنسف الاطروحات الماركسية إلا أن الماركسيين سيبقون ماركسيين دائماً.. ! لماذا؟

اولاً:- لأن الماركسية هي أساس وجودهم مهما كانت فلا يستطيعون اعلان فشلها، فقد عملوا ما عملوا لأنهم ماركسيون وشيوعيون.

ثانياً:- تعود الشيوعي في كل مرة يصاب فيها بخيبة أمل حقيقية كافية لنسف معتقداته أن يأتي بتبريرات تبقيه على قيد الحياة( كشيوعي ).. وهكذا يقدمون تخريجاتهم باستمرار عند كل موقف لا يمكن لمعتقداتهم تجاوزه. وقد أصبحت الماركسية مثل الرأسمالية في كل شيء، فكلما كذبها الواقع ودحضها التحليل وجه الماركسيون التهمة باتجاه التطبيق يتهمونه بعدم فهم الماركسية، وعدم تمثل قوانينها التي لا تخطيء أبداً ! وهو ما لجأوا إليه عندما فسروا حركة العمال في بولندا، حين قالوا.. إنهم اخطأوا في فهم الماركسية ودعهم يدفعون الثمن.. ويجب أن يدفعوا ثمن عدم تقيدهم بالقوانين الماركسية. وهم يشيرون بذلك إلى أن المسئول عن تلك الاضطرابات التي انتهت ببولندا إلى بروز حكومة عسكرية هو العناصر الماركسية التي لم تتقيد بالماركسية! ولـكن لماذا لم يعـلنوا ذلك منذ البدايـة؟ لقد كان( جيريك )- في نظرهم- افضل المناضلين الشيوعيين الذين يقال عنهم بأنهم يسيرون حسب الماركسية اللينينية. ولم يوجه له أي نقد في أي مؤتمر حزبي بما في ذلك المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي البولندي المنعقد قبيل تفجر الموقف مع العمال. ولكنهم سرعان ما وصموه بمخالفة الماركسية اللينينية بمجرد انفجار الموقف واختفائه عن المسرح السياسي. وبهذه الطريقة الجدلية المستندة إلى المنطق الصوري يستطيع الماركسيون المحافظة على بقائهم واستمرار حركتهم. وهكذا تستمر الماركسية أيضاً باستخدامها لوسائل مختلفة وتستمر إلى جانبها الرأسمالية التي لا أمل في القضاء عليها فكان التعايش حتميا بين النموذجين. وكان لابد للماركسية من محاكاة الرأسمالية حتى أن المحللين لا يجزمون عادة ما إذا كانوا في روسيا أو في الولايات المتحدة أو في المانيا الشرقية أو الغربية لأن كافة مظاهر الحياة متطابقة مشابهة. ويصعب التمييز بين المؤسسة الماركسيةمثلها الأعلى المؤسسة الرأسمالية. فستجد عمالا مضربين هنا وعمالا مضربين هناك يطالبون جميعا بزيادة اجورهم و بثورة ضد الادارة المتحكمة في رقابهم في النموذجين معا. ففي بريطانيا وفي تشيكوسلوفاكيا تجد المنشقين المطالبين بالحرية. وحين يكون أمامنا هذين النموذجين اللذين قمنا بدراستهما هنا. كيف يتسنى لنا القول بأن العالم قد تغير! وقد تكررت كل المظاهر التي وجدنا، في النموذج الأول لنجدها هي ذاتها أو مع تعديل طفيف في الشكل في النموذج الثاني أيضاً. وعلينا أن نقرر اخيرا بأن ما حدث كان مجرد انقلاب شكلي فقط .

ماهية التغيير:-

يجب أن نقول بأن نضال الانسان من أجل الحرية والتقدم لم يتوقف عند النموذجين المشار إليهما، بل اصبح في ايدينا وضع ثالث فرض نفسه كحقيقة ماثلة على حياة عالمنا المعاصر ويتوجب علينا أن ندرس هذا الوضع الثالث ونحلل بنيته، لنقرر في نهابة المطاف ما إذا كان الانسان قد تمكن أخيراً من الوصول إلى غايته بعد نضال عميق، خاضه لتحقيق حريته وسعادته، ونعنى بذلك إنه قد أمكن أخيراً إحداث التغيير المطلوب في المجتمع البشرى وأمكن أن تنتزع التغيرات الجديدة هذه، رضى الإنسان عنها ورغبته في تحقيقها واقعاً يعيشه، مسجلا بذلك انتصاره النهائي على عوامل القهر كلها دفعة واحدة. فإذا ما تناولنا بالدراسة النشاط الاقتصادي في النظرية العالمية الثالثة أو في ظل، هذا الوضع الثالث الذي انبثق اخيراً على انقاض النموذجين السابقين، ووجدنا العلاقات التي تحكم أطراف قوى الانتاج قد تحطمت تماما. في نظام اقتصادي جديد اختفت فيه تلك الأطراف ذاتها، ولم يبق سوى المنتجين متحولين بفعل ثورة المنتجين. إلى شركاء في الانتاج يملك كل منهم انتاجه الخاص ملكية مقدسة. وقد فرغوا لتوهم من القضاء على أرباب العمل مسيطرين عن طريق مؤتمراتهم الانتاجية على إدارة منشآتهم الانتاجية أيضاً خالقين لجاناً شعبية تنفذ قراراتهم التي صنعوها في مؤتمراتهم الانتاجية.

إذا وجدنا ذلك فإننا سنعلم يقيناً بأن ما حدث هو تغيير حقيقي وليس انقلاباً.. حيث إن الإدارة قد اختفت، واختفى أرباب العمل نهائياً. واختفت العلاقات المتحكمة بقوى الانتاج المختلفة مع صالعيها أولئك الذين خلقوا هذه العلاقات ليسرقوا إنتاج المنتجين لمصلحتهم الخاصة أو لمصلحة حزبهم. إن علاقة العمل بين الدولة وبين الشغيلة التي وجدناها في المجتمع الماركسي حيث تتحكم الدولة بالشغيلة فتحدد لهم ساعات العمل. وحصصهم في الارباح، ومشاركتهم في الادارة. هذه العلاقة تحطمت في ثورة العمال وبتحولهم إلى شركاء.. وماتت العلاقة التحكمية والاستغلالية بين العمال وبين أي طرف آخر، واصبحوا في غنى عن جميع الأطراف.. وانتهت نهائيا علاقات الانتاج بين أطراف قوى الانتاج. أما فيما يخص قضية الادارة فقد انتهت من أساسها باستيلاء العمال عليها في جميع المنشآت الانتاجية سواء ذات الادارة الحكومية أو تلك التي يديرها القطاع الخاص. وصارت الادارة عمالية وشكل العمال في كل منشاة انتاجية مؤتمراً إنتاجاً، يملك سلطة القرار الإنتاجي، واختاروا لجنة عمالية إدارية تقوم بالأعمال التنفيذية.. ويقوم المنتجون في المصانع بتطبيق نظام المشاركة حيث يأخذ حصتهم ويقدمون للمجتمع حصته.

وليس هناك أي طرف آخر في المصنع. كرب العمل. أو الادارة أو علاقة الانتاج. وبذلك انتهى الصراع داخل المصنع لأن العمال قد زحفوا على المصنع وسيطروا عليه بالكامل وأقاموا مؤتمرهم الشعبي الانتاجي فيه وشكلوا لجنة شعبية لإدارية. تخلصوا من الأجرة واصبحوا شركاء في الإنتاج. وهكذا نجد أن وضعاً جديداً قد نشأ وإن جميع ملامح الوضع القديم قد اختفت نهائياً. أما بالنسبة لقضية استثمار الانتاج فهي لم تعد مشكلة على الاطلاق مادام كل منتج يأخذ انتاجه الخاص.. أي ينال حصته الخاصة في إنتاج المنشأة الانتاجية التي يعمل بها، وهو حر بعد ذلك في استثمارها. ومشكلة ملكية الارض التي كانت تتقلب بين يدي الاقطاع تارة وبين يدي جبروت الدولة الرأسمالية تارة أخرى فقد حلت هذه المشكلة بأن أصبحت الارض ملكا للجميع وليست ملكاً لأحد. لأن الملكية الحقيقية للأرض هي ملكية الانتفاع بها. أي أن كل فرد في المجتمع له حق استغلالها بجهده الخاص لإشباع حاجاته. فغاب بذلك الاقطاع وغاب سيد الارض الذي كان يقسمها إلى مزارع جماعية أو إلى تعاونيات خاصة وانتهت جميع أساليب احتكار الأرض. وظهرت كيفية جديدة سليمة تحددها. مقولة ” الأرض ملك للجميع “. أما عن غاية النشاط الاقتصادي فلم تعد مثلما كانت في النموذجين السابقين( زيادة رأسمال الجهة المتحكمة في المجتمع )، وإنما اصبحت غاية النشاط الاقتصادي هي اشباع حاجات الافراد، فلم يعد هناك من يملك وسائل الانتاج التي اصبح انتاجها مقسوماً حسب عناصره الحقيقية وهى المنتجون.. وأدوات الانتاج والمواد الخام المستخدمة في عملية الانتاج. وهكذا يملك المنتج ما ينتجه بجهده. وتعود حصة الآلات( أدوات الانتاج ) وحصة المواد الخام إلى المجتمع. وليس هناك من يملك حق توزيع فرص العمل في المجتمع الجديد أو من يملك حق توزيع الانتاج، فالناس في المجتمع الجديد أحرار يسعى كل منهم إلى إشباع حاجاته، دون أن يسخر الغير في ذلك ودون أن يسخره الغير. وهكذا يعمل الناس أعمالا انتاجية، يحترفونها بحرية تامة دون ضغط من أية جهة خارجة عنهم.

ولكن من يحمى النظام الجماهيري:

لقد رأينا إنه عندما كانت الطبقة الرأسمالية هي سيدة الموقف، وهى التي تقوم بتسخير اقتصاد المجتمع لزيادة رأسمالها كيف قامت بصنع أداة سياسية لحماية نظامها الرأسمالي. كما رأينا عند قيام الدولة الرأسمالية في المجتمعات الماركسية وقد ملكت الثروة بعد أن انتزعتها من الطبقة الرأسمالية فكان عليها أن تصنع أداتها السياسية لحماية نظامها الذي يعتمد رأسمالية الدولة. أما في المجتمع الجديد-المجتمع الجماهيري- فحيث لم تعد جهة واحدة من المجتمع سيدة للموقف وحدها، بل أقيم نظام ديمقراطي حقيقي، يملك فيه المجتمع نفسه ثروته، صار لازماً أن يكون المجتمع نفسه هو الأداة السياسية المسيطرة على السلطة أيضا.. وهكذا يتمكن الشعب كله إذا سيطر على الثروة فعلا من السيطرة على السلطة التي يتمكن من تسخيرها بعد ذلك لخدمته الخاصة إنه لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية في مجتمع لا تقسم الثروة فيه على الشعب بالتساوي، فإذا تحكمت جهة من المجتمع في الثروة تمكنت هذه الجهة ذاتها من خلق نظام سياسي موظف للحفاظ على مصالحها، مرسخاً تحكمها بالشعب، وبالتالي إقامة نظام ديكتاتوري، مهما وصف بعد ذلك بأوصاف زائفة مخالفة للحقيقة. ولو نظرنا إلى أي دولة في العالم المعاصر- الذي تسهل علينا دراسته- لوجدنا أن أي جهة قوية في المجتمع لا يمكن أن تسمح بإقامة نظام سياسي لا يخدم مصالحها، فالتجار مثلا والاقطاعيون والمقاولون والسماسرة لا يسمحون أبداً بقيام نظام لا يخدمهم إلا رغم أنفهم، وقد وجدنا أنه حتى تلك الحكومات التي تقوم بتشكيلها مجموعات من الثوار مثل حركة الضباط الأحرار يشكلون حكومات أغلبية أعضاء البرلمان فيها من التجار والإقطاعيين والرأسماليين والسماسرة. ثم تقفز هذه الطبقات إلى الحكومة وما تلبث أن تبتلع الثورة ذاتها. ولو أخذنا البلاد العربية كنموذج دراسة في هذه النقطة بالذات لوجدنا أن ذلك قد حدث كله وبتفاصيله، فانتكست حركات التغيير الثورية والانتفاضات، دون أن تحقق شيئاً من اغراضها. وقد استطعنا في ثورة الفاتح العظيم أن نخرج من هذا المأزق الخطير بصعوبة بالغة، وباصرار شديد على أن يتحكم الناس في مصائرهم. فدفعناهم دفعاً للاستيلاء على السلطة ومنحناهم الثقة في أنفسهم وقمنا بحمايتهم ضد الطبقات الرجعية المعادية للشعب، حتى وثقوا بأنفسهم واكتشفوا قدرتهم على حكم أنفسهم. رأينا في نظام رأسمالية الطبقة كي

كيف يستثمر الإنتاج؟

ف أن المنتجين يستهلكون جزءاً من انتاجهم فقط، أما في نظام الدولة الرأسمالية فإن المنتجين يستهلكون الحد الأدنى من انتاجهم.

ورغم أن الانقلاب الماركسي على الرأسمالية كان يستهدف تخليص المجتمعات البشرية من كابوس الرأسمالية، فقد اتضح أنه لا يفى بذلك، حيث لم تأت الماركسية بحل جديد، وصار هم الماركسيين الدفاع عن انفسهم تحت مظلة الماركسية التي تورطوا فيها، في عالم سيصبح في النهاية برجوازياً، بفعل تسلط الحكومات والأحزاب على الجماهير الشعبية- بالمعنى الجـماهيري-. مما يحتم قيام الثورة الشعبية التي تحطم الحكومات وتفتك السلطة وتنتزعها من الأحزاب، مشكلة مؤتمرات شعبية تقرر ولجاناً شعبية تدير، مدمرة المؤسسات الاقتصادية الرأسمالية، التابعة للدولة الرأسمالية أو التابعة للطبقة الرأسمالية. محققة ملكية المنتجين لإنتاجهم، فيتمكن كل منتج من استهلاك ما ينتج، حيث إن الوضع العادل يشترط أن الذي ينتج هو الذي يستهلك انتاجه. وهكذا يتمكن المنتجون من استثمار انتاجهم لإشباع حاجاتهم، خالقين بذلك عالماً جديداً حراً.

إن نتائج النظام الاقتصادي الرأسمالي( الحر ) هي الاستغلال وظهور الطبقات، وبروز الفوارق الصارخة بينها.. والحروب والاستعمار،

* ففرنسا مثلا تصر على البقاء في افريقيا وخوض حروب متواصلة في كثير من البلاد الافريقية.. لماذا؟.. ذلك أن 75% من موارد فرنسا تنالها من افريقيا، وحين قلنا إن ذلك نهب وسرقة، لم يكن رد فرنسا سوى أن لنا أن نفسر كيف نشاء، وأنهم ليسوا مجانين ليفقدوا 75%. من المواد الخام التي تردهم من افريقيا. بل أنهم حاربوا من أجل ذلك ورتبوا الانقلابات. واجهضوا حركة الثورة والتقدم والتعليم في افريقيا حتى لا يفقدوا هذا المورد.

أما في المجتمع الماركسي فلا يوجد أي اهتمام بمسألة الديمقراطية بل إن الاهتمام كله منصب على حماية سلطة الحزب الشيوعي لضمان بقائها في يده، ويعتبرون أي محاولة لتخفيف الضغط عن الجماهير في الدولة الماركسية خطأ وعملا برجوازيا، واتجاها ليبراليا مضادا للاشتراكية، وهم يصرون أن تشكل المجالس الشعبية( السوفيتات ). من أعضاء الحزب فقط دون غيرهم من أفراد الشعب.

لم نكن لنعطى اهتماماً في حديثنا هذا للرأسمالية باعتبارها نظاما فاسداً متعفناً، ولكننا نهتم بشكل خاص بالماركسية باعتبارها الانقلاب الذي أريد له أن يخلص العالم من شر الرأسمالية غير أنه لم يحقق ذلك كلياً، بل إنه أدى إلى قيام دولة الحزب الواحد التي تعتمد الدكتاتورية أسلوباً وعقيدة. وسجلوها بوضوح كامل في دستور الدولة أيضاً، كنص ثابت لا يقبل التأويل.

ويضيفون بأن تلك الدكتاتورية المعترف بها دستورياً هي ديكتاتورية العمال، ولكن حينما اندلعت مظاهرات العمال في بولندا. اتضح أن الدكتاتورية القائمة هي دكتاتورية الحزب الماركسي وليست دكتاتورية العمال بدليل اصطدام العمال بالحزب الحاكم، إنها دكتاتورية الحزب على العمال، تلك الدكتاتورية التي فرضت على العمال أن ينتجوا أقصى ما يستطيعون متنازلين عن أكبر قادر من هذا الإنتاج لصالحها.

وهكذا فإن الحزب بجيشه وشرطته وحكومته يمارس الدكتاتورية على العمال وليس العكس.

وهم لا يسمحون للعمال بالإضراب ولا بالاعتصام. وقرروا لهم ساعات عمل والزموهم بالعمل خلالها. وحين استطلاع العمال أن يقولوا رأيهم طالبوا بتخفيض أيام العمل إلى خمسة أيام رافضين الأيام المفروضة عليهم من قبل الحكومة الماركسية فاتضح بشكل نهائي أن العمال لم يقرروا شيئاً.. لا أيام العمل ولا ساعات العمل. وأنهم يتنازلون عن انتاجهم غصباً بل إنهم ينتجون غصباً أيضاً.

وهكذا تكون الثورة الشعبية هي الحل الحتمي نتيجة وصول العالم إلى طريق مسدود بفشل الحل الماركسي في تقديم بديل عن الرأسمالية.

إذن فإن ما حدت كان مجرد تقلب عادي..

فالبيت كان لصاحب العقارات الرأسمالية. تحول ليصبح لحكومة الحزب الماركسي ممثلة بالبلدية.

والأرض التي كانت للإقطاعي صارت لحكومة الحزب الماركسي.

والسلطة التي كانت بيد الطبقة الرأسمالية، صارت بيد الحزب الشيوعي.

وحل الجيش الماركسي محل الجيش الرأسمالي، وبقى الإنتاج ملكاً لرب العمل الجديد وهو الدولة الماركسية بدل الطبقة الرأسمالية..

وحلت الإدارة الحكومية محل الادارة الخاصة.

إنه مجرد تقلب عادي من وجه إلى الوجه الآخر.

إن ماركس نفسه أعلن أن الفلاسفة قد حللوا العالم وفسروه ولكنهم لم يغيروه، وكان يعتقد بأنه قادر على تغييره، فاتضح لنا أنه هو أيضاً لم يفعل ذلك.

إن التغيير هو هدف الانسانية لتحقيق حريتها وسعادتها وبناء عالم افضل. ولكن البشر كانوا قد اختلفوا دائماً في تحديد الأفضل بالنسبة لأي منهم.

الصراع الطبقي والطبقة:

الصراع الطبقي مرتبط بنظرية المراحل أما النظرية التي نريد شرحها فهي نظرية حرق المراحل … وهى لا تؤمن بالانتقال المرحلي …؟ لأنه ليس هناك مبرر.. للمرور بمراحل حتمية مثل مراحل الانتقال التي يتبناها التفسير الماركسي في الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، والانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية. أن هذا التفسير للثورة والذي أصبح قاعدة من قواعد الثورة الماركسية بالذات قد جاء من تحليل ماركسي للتاريخ الماضي.. حيث انه قد حدث انتقال من عصر الرقيق..(مجتمع الرقيق) إلى مجتمع الاقطاع ومن الاقطاع إلى الرأسمالية.. ومن الاقطاع إلى البرجوازية فانه قياسا على هذه المراحل التي مر بها التاريخ في الماضي.. تم الاستنتاج لدى الماركسيين، أنه من الرأسمالية.. لابد من المرور بمرحلة انتقالية وصولا إلى الاشتراكية، ومن الاشتراكية لابد من المرور بمرحلة انتقالية وصولا إلى الشيوعية. لكن هذه الحتمية المسلم بها … ليس من الضروري أن تكون صحيحة لأن ارادة الانسان.. هي المعول الكبير، وهى القادرة على صنع كل شيء.. وإلغاء كل شيء. أما الحتمية فهي(أبعد) من الموضوعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ونحن لا نرى ضرورة عملية أبدا للمرور بمراحل للوصول إلى الجماهيرية … في أي بلد، اقطاعي أو برجوازي أو اشتراكي أو ملكي أو جمهوري … أي بلد إذا وقعت فيه ثورة شعبية … بفعل تحريض قوة ثورية.. يمكن انتقاله رأسا إلى الجماهيرية فيقيم الاشتراكية، وتنتهي الحكومة، وتنتهي الطبقات ويتحطم نظام الأجهزة الرسمية بالكامل وتقوم الجماهيرية فورا. لأنه بالامكان عمليا حدوث ذلك وفي امكان أي محلل أن يصل إلى هذه النتيجة. التي هي ان كل مجتمع قادر على الثورة يستطيع أن يدمر المجتمع القديم بالثورة ويبنى المجتمع الجديد فورا.

وليست هناك ضرورة للمرور بأي مرحلة انتقالية اطلاقا. وهذه معضلة كبيرة في قانون الثورة، قد تم حلها، إذا تأكد هدا التحليل خاصة ونحن نعرف بأن الثورة الماركسية تمر الآن بمرحلة انتقالية طويلة هي الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية. وقد لا يتخطون هذه المرحلة ابداً.

فإذا افترضنا أن عام 1917 م هو بداية الثورة الماركسية أي بداية التطبيق العملي لها، هذا يعنى أنه من ذلك الوقت.. من عام 1917 م إلى يومنا هذا وهم في مرحلة الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية، يعنى انه منذ ستين سنة والماركسيون يمرون بمرحلة اسمها مرحلة الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية، هذه المرحلة لها عندهم تفسيرها وشعاراتها، وبعد اجتيازها بنجاح قد يصلون_حسب ادعائهم_ إلى الشيوعية وبعدها سيتحقق وضع آخر له شعاراته وله مقولاته. لكن كل التحليلات تبين أن هذا نوع من الدجل، فليس هناك أي امكانية للانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية. والحقيقة، أن التطورات الأخيرة في العالم دمرت كل التفسيرات الماركسية وسفهت كل ما قيل عن رأس المال ومرحلة الاستعمار والامبريالية.

إن التطورات المذهلة التي حصلت في العالم، لم تكن في الحسبان يوم وضعت النظرية الماركسية ونظرية المراحل.

إن هذه النظرية التي هي مضادة للرأسمالية.. هي نظرية المراحل بعينها، مراحل تاريخية طويلة.. فمنذ ستين سنة وما زلنا في مرحلة واحدة اسمها الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية، وخلال هذه المدة كلها لم تصدق جميع التحليلات الماركسية.. الماركسيون كانوا يعتقدون أن رأس المال سيتكدس بسبب قلة الأجور حتى تصل الرأسمالية بنفسها إلى أزمة حين يصل التناقض إلى ذروته بين الذين يملكون وسائل الانتاج وببن المنتجين..

هذا التحليل يؤدى إلى انهيار الرأسمالية ولذلك فقد اعتقدوا بان المسألة مسألة وقت فقط،أي أن انتاج الرأسماليين سيتكدس، فسينتج العمال كثيرا وينالون أجورا قليلة، وفائض القيمة بين ما ياخذه العامل وبين ما ينتجه يذهب إلى جيب الرأسمالي الذي يضيفه إلى رأس ماله فيكبر ويتراكم.. وهنا تقع الأزمة، لكن الذي يحدث في المجتمع الرأسمالي ليس هذا، حيث مستوى المعيشة ارتفع بصورة عامة، والأجور ارتفعت أيضا.. والانتاج لم ولن يتكدس اطلاقا، ان برامج الدولة العصرية تلتهم كل فائض الانتاج ولا توجد امكانية لافي المجتمع الرأسمالي ولا في المجتمع الماركسي أن يتكدس الانتاج بحيث تقع أزمة في المجتمع الرأسمالي أو تقع الشيوعية في المجتمع الماركسي، نتيجة التحولات الخطيرة التي حصلت في العالم الآن مثل برامج التسليح وبرامج غزو الفضاء وأيضا البرامج الانسانية الاجتماعية الأخرى التي هي(وللأسف حظها غير كبير من الانتاج)! ولكنها هي أيضاً تأخذ حصتها من الانتاج مثل الأبحاث الطبية والتقنية المختلفة.. لكن أهمها برامج التسليح وبرامج الفضاء …

هذه الموارد المتاحة الآن غير كافية لتغطية تلك البرامج_ إذن لا توجد امكانية أن يفيض الانتاج حتى يصبح (لكل حسب حاجته ومن كل حسب جهده) في الشيوعية، أو أن يتكدس الانتاج عند الرأسماليين كي تقع الأزمة في المجتمع الرأسمالي_ هذا كله أصبح خرافة.. إذن فإن مرحلة الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية يبدو أنها لن تنتهي بل في النهاية نجد أن مسألة الانتقال نفسها خرافة أيضاً … بل ليس هناك انتقال من مرحلة إلى أخرى، وان ما حدث لا يعدو دورانا في حلقة مفرغة فمثلا إذا قامت الثورة فإننا نسميها بروليتارية أو ثورة شيوعية_ دفعة واحدة وهى قامت على المجتمع الرأسمالي(على المجتمع القيصري) مثلا.. وأقامت المجتمع الجديد الذي نراه الآن.. مجتمع الحزب الواحد والقطاع العام الواحد ومجتمع الدولة البيروقراطية(المجتمع الماركسي)_ هذا يعنى أن الماركسية قد تحققت فورا بقيام هذه الثورة، وليس هناك انتقال قبله ولابعده … وسيبقى الوضع هكذا قريبا، يعني أن الدولة السوفيتية …

ليس هناك امكانية لتغييرها اطلاقا، ستبقى هكذا إلى النهاية.. ان الحكومة لن تختفي مثل ما تنبأ ماركس.. والانتاج لن يتكدس حتى تقع الشيوعية ولكن كلما واجهتهم أزمة فسيضطرون إلى معالجتها_ مثل أي دولة عادية إذا استمرت الدولة السوفيتية كما هي عليه الآن فإنها ستبقى دولة كلاسيكية عادية بهذا الشكل تعمل للحفاظ على وجودها بالنظام الاقتصادي والسياسي الذي ارتضته لنفسها، وليس هناك أي احتمال للانتقال من هذا النظام اطلاقا_ وأي مشكلة تواجه هذه الدولة ستعالجها بامكانياتها المتاحة_ مثل أي مجتمع في أي مرحلة من مراحل التاريخ عندما تواجهه أزمة.

لكن الأزمة الخطيرة المتوقعة للدولة السوفيتية هي الأزمة إلى تشبه أزمة بولندا ذلكم هو التناقض بين البروليتاريا والحزب الشيوعي..

ولقد تأكد كذب الخرافة التي كانوا يصدقونها وهى أن الحزب الشيوعي هو طليعة البروليتاريا(طليعة الشغيلة).. وهو ممثلها وهو الذي يقود الدولة لمصلحة الشغيلة إلى أن تتحقق الشيوعية.. وعندما تتحقق الشيوعية يختفي الحزب والحكومة التي يقيمها وكل الأجهزة الرسمية- وتقوم الشيوعية، لكن الذي حدث الآن هو أن الطبقة العاملة ظهر التناقض واضحا بينها وبين الحزب الذي يقودها فحكم بعد ذلك على الحزب الشيوعي أنه أداة حكم تقليدية تريد أن تسيطر على الطبقة العاملة وعلى المجتمع لفائدة السلطة.. وليس لأي غرض آخر.. هذا ما أكدته أزمة بولندا الآن..

أزمات أخرى تحت الأرض في تشيكوسلوفاكيا وفي رومانيا وحتى في الاتحاد السوفيتي- غير أن بولندا انفلت فيها الزمام … وعليه فان نظرية المراحل غير صحيحة.. ان الشغيلة نفسها فرضت هذا التحليل.. وقالت بلسان الواقع لا نستطيع أن ننتظر أكثر من هذا الانتظار ولا نستطيع أن نتنازل عن هذا الجهد … إلى الأبد.. حتى يتم هذا الانتقال، كأنهم يقولون ان هذا الانتقال خرافة، إذن يجب أن نناقش الوضع الذي نعيشه، فالمشكل الآن في بولندا يدور حول سيطرة الحزب وحول الأجور… ومعنى هذا أنه ليس للشغيلة صبر إلى أن تتحقق الشيوعية.. أقصد الانتقال برمته يبدو انه خرافة … هذا ما أكدته الوقائع العملية الآن في التاريخ المعاصر_ أما من الناحية التحليلية من وجهة نظرنا_ فاننا أصلا لا نرى أي مبرر للمراحل الانتقالية..

فالوقت اللازم لتدمير النظام الملكي في ليبيا واقامة النظام الجمهوري ومن بعد الجماهيري.. الوقت الكافي لتدريب الشعب على السلاح ليصبح مسلحا ويختفي الجيش.. إنما يطول ويقصر حسب الجهد المبذول، فإذا قامت الجماهير الشعبية بالثورة وداهمت السلطة الحكومية واقامت بدلا عنها اللجان الشعبية وانتظمت الجماهير في المؤتمرات الشعبية فإن الحكومة تختفي نهائيا وبشكل فوري، نتيجة ذلك.

ان ذلك قد يتحقق في شهر واحد، والثورة التي يقدر الشيوعيون آلاف السنين لحدوثها ولاختفاء رموزها اتضح انها قد تختفي فجأة.. فإذا كان الشعب قادرا على القيام بالثورة الآن فيستطيع فورا أن يحل محل الحكومة وتختفي الحكومة فجأة.. وإذا كان العمال قادرين للسيطرة على مواقع الانتاج فيمكنهم الانتقال فورا وفي يوم واحد من أجراء إلى شركاء وتختفي الرأسمالية وأرباب العمل بعد ذلك فورا.

على أن النظرية التي طرحها الكتاب الأخضر، والثورة الشعبية التي تنبأ بها واداتها اللجان الثورية هذه النظرية قد ألغت المراحل لأنه ليس لها وجود علمي بل هي خرافة ودجل تاريخي مارسته الأحزاب الماركسية للهيمنة على الجماهير الشعبية حتى تخضع لها إلى الأبد.. إذن المراحل ليست حتمية.. ويمكن الغاؤها بالثورة الشعبية.

هذا بتركيز شديد خلاصة قضية(المراحل) المرتبطة بموضوع/الطبقات/ فإلى الآن ليس هناك تعريف متفق عليه يبين ما هي الطبقة.. وهذا يعنى انه ليس لها أي تعريف محدد. أقصد أن هناك عدة تعريفات للطبقة.. ولكنها مجرد وجهات نظر مختلفة.. وتفاسير للطبقة. إذن فليس هناك تفسير متفق عليه لمعنى الطبقة…

الذي وضح الطبقة وأدخلها في علم الاجتماع والسياسة هو المذهب الماركسي لأنه يعول على طبقة البروليتاريا في الثورة لتوصل الشيوعيين إلى السلطة.. وهناك تناقض واضح بين الشغيلة وأرباب العمل.. بين الرأسمالية والطبقات العمالية.. ولكن الماركسية استغلت هذه الحقيقة للوصول إلى السلطة..

وقد أولوا لهذا السبب اهتماما كبيرا بتعريف الطبقة لكن التعريف الماركسي تعريف مزور وغيرعلمي.. وأناني مجرد من كل المعاني وجىء به ليفيد الحزب الشيوعي للوصول إلى السلطة.. وهم يقسمون المجتمع إلى طبقتين فقط. طبقة مستغلة وطبقة مستغلة.. ويختصرون تعريفهم للطبقة على انها هي/المجموعة المنظمة الواعية بوضعها الاجتماعي/ هذا تعريف غير علمي.. عاطفي.. أناني.. يعنون به الشيوعيين وأنصارهم من العمال الواعين والقادرين على الثورة بعد ذلك.

إن الثورة التي يقوم بها الحزب الشيوعي(مستغل الطبقة العاملة) تنسب بعد دلك للطبقة البروليتارية لماذا؟ يقولون الطبقة هي المنظمة القادرة على القيام بالثورة إذن عندما يقوم هؤلاء بالثورة.. من هو صاحبها؟ من قام بها؟.. هل قامت بها طبقة الشغيلة الكادحة؟ هذا كله تزوير وليس صحيحا.

الشيوعيون يقومون بالثورة فعلا على الرأسمالية.. لمصلحة الشيوعيين أنفسهم ولمصلحة الحزب الشيوعي كي يصل إلى السلطة..

ولكي يصل إلى السلطة سيستغل التناقض بين أرباب العمل والعمال.. كأنه يستغفل الطبقة العمالية لكي توصله للسلطة.. مثلما الضباط يستغفلون الجنود ليوصلوهم الى السلطة حتى يتم التغرير بآلاف الجنود لتصل مجموعة من الضباط إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري ينسب بعد ذلك الى الجيش ويقال بأن الانقلاب قام به الجيش أو القوات المسلحة وهكذا فان مجموعة من الشيوعيين الواعين المنظمين الذين يريدون الوصول الى السلطة يغررون بالعمال ويقومون بالثورة على الطبقة الرأسمالية، ان العمال لا يصلون الى السلطة.. الذي يصل إلى السلطة هو الحزب الشيوعي.. على أكتاف الشغيلة.. ويستمر في السلطة إلى أن تتحقق الشيوعية أو يظهر تناقض ببن العمال وبين الحزب الشيوعي مثل ما حدث الآن في بولندا وفى غيرها.

تعريفات الطبقة متعددة :

إن للطبقة تعريفات متعددة فهناك من يحددها بالدخل ومن يحددها بالمرتبة الاجتماعية ومن يحددها بالثقافة ومن يحددها بالمصلحة، والذي يحددها بالوعي الطبقي مثل ماركس. انها تحديدات وتعريفات متعددة للطبقة، لكن الحل دائما يكمن في الواقع يعنى تحليل الواقع هو الذي يأتيك بالجواب على كل شيء فاذا حللنا الواقع سنجد الطبقة هي الاحتكار(الطبقة عبارة عن احتكار)، هذا ما يقوله الواقع: ان أي جماعة من الناس تحتكر شيئا فان هذه المجموعة تشكل طبقة ما في ذلك شك، فمثلا الجيش يشكل طبقة لأنه يحتكر السلاح، السلاح شيء واحد ومجموعة من الناس تحتكره، هذا يشكل طبقة، الطبقة هي احتكار، التجار إذا هم احتكروا التجارة يشكلون طبقة، الموظفون إذا كانوا يحتكرون الوظيفة الرسمية يشكلون طبقة.. أرباب العمل عندما يكون بيدهم العمل فان فرص العمل والتشغيل محتكرة من قبلهم وهم لذلك يشكلون طبقة، والذي يحتكر الانتاج الزراعي يشكل طبقة والذي يحتكر المواصلات وحركة النقل يشكل طبقة والذي يحتكر الدين والفتوى يحلل ويحرم للآخرين وليس أمام الآخرين من سبيل سوى تطبيق ما يقول بسبب احتكاره للدين هؤلاء المحتكرون هم طبقة..

والحل:

هو تدمير المجتمع الطبقي واقامة مجتمع لا طبقي هذا يذهب بنا أبعد من الماركسية التي ترى المجتمع مقسما الى طبقتين عمال ورأسمالية والحل هو ان العمال يجب أن يثوروا على الطبقة الرأسمالية ويحطموها ويحلوا هم محلها ليصبح المجتمع من طبقة واحدة. وقد تحدثنا عن هذا الطرح وظهر لنا زيفه، فالتناقض مازال مستمراً بين الحزب الحاكم وبين الشغيلة المحكومة علاوة على أن المجتمع الماركسي توجد في داخله الطبقات رغم اعتقادهم بأنهم صفوها فقد قسموا المجتمع إلى طبقتين واحدة ثارت ضد الأخرى وحطمتها وبقيت طبقة العمال لكن واقع المجتمع الماركسي هو أنه متكون من عدة طبقات في الداخل، فالحزب الذي يحتكر السلطة يشكل طبقة هي الطبقة الحاكمة، والجيش الذي يحتكر السلاح يشكل طبقة فمنظمة التضامن في بولندا باستمرار يهددها الجيش البولندي يعني أن آخر شيء يمكنهم الالتجاء إليه هو تدخل الجيش يعنى تسليط طبقة العسكريين عل طبقة العمال لأن العسكريين يحتكرون السلاح الذي هو مفقود عند العمال. إذاً هناك خلل في المجتمع فالناس ليسوا أحراراً بسبب وجود طبقات تحتكر شيئا حيويا في المجتمع إن احتكار السلطة هو أخطر شيء في المجتمع وكذلك احتكار رأس المال واحتكار السلاح أيضاً. لكن الحل هو فعلا اقامة مجتمع لا طبقي وتدمير الطبقات ووفقا لهذا التحليل أصبح بامكان أي إنسان ان يصل بسهولة إلى الحل بنفسه وهو تدمير الاحتكار ما دامت الطبقة هي احتكار، ونحن نرى الحل أن يصبح كل الناس.. متساوين، وتنتفي الشرور من المجتمع بتحطيم مجتمع الطبقات ومعنى هذا أن يتحطم الاحتكار بجميع انواعه.. بتحطيم احتكار الرياضة والفنون والثقافة والدين والسلاح ورأس المال والثروة عموماً الأرض وما عليها السلطة والادارة وكل حاجات الانسان المحتكرة يجب أن يتم تحريرها بتدمير الاحتكار. لأننا إذا قضينا على الاحتكار فاننا قد قضينا على الطبقات. إذن يمكن أن يقع صراع طبقي إذا وجد الاحتكار ولا يمكن تجنب الصراع الطبقي إلا بقيام الثورة وتدمير مجتمع الطبقات ليس هناك امكانية لتفادى الصراع الطبقي بهذا التعريف المبني على الاحتكار إذا وجد احتكار وجد الصراع الطبقي. فالناس دائماً يتصارعون مع أولئك الذين يحتكرون حاجاتهم.

والحل العلمي الذي نقدمه:

هو تدمير كل الطبقات عن طريق تدمير الاحتكار بجميع انواعه. فهناك مثلا احتكار من الفلاحين للمنتجات الزراعية. مادام مجموعة من الناس فقط هي التي تنتج الانتاج الزراعي إذن هي تحتكر الانتاج الزراعي وتستغل المجتمع نتيجة وجودها هي الوحيدة المحتكرة لهذا الجانب من العمل.. أو تنتج هذا الانتاج.. وهذا واضح الآن إذ يستطيع أي منا أن يتحكم في انتاج الآلة وفي ثمن الانتاج الزراعي اذا احتكر الانتاج واحتكرا لتسويق أما في السوق الشعبي فتجد المنتجات الزراعية رخيصة وأرخص من التي يبيعها الفلاح مباشرة..لكن السوق الذي هو المجتمع يتحمل الفرق.. أي أن السوق يتم استغلاله من طرف الفلاح.. لأنه يبيع كما يريد.. ومن الصعب تقدير الجهد المبذول في هذا الانتاج.. ومن الصعب تقدير ثمن التكلفة لأي سلعة إذن الفيصل في هذا دائما الاحتكار فالشخص الذي ينتج وحيدا ويحتكر هذه المادة هو الذي يقول في النهاية القول الفصل في هذا الموضوع..

وسيستمر هذا الاحتكار وهذا الاستغلال لأن الفلاحين يحتكرون المواد الزراعية ويستغلون المجتمع.. والصحيح أن يكون كل منا قادرا على زراعة ما يستهلكه من الخضر، أما قضية التصدير فهي أن يأخذ الفلاح الزائد عن استهلاكه ويبيعه للأسواق الخارجية.. وبذلك ينتهي مجتمع الاستغلال.

كما أن السلاح سيبقى محتكرا من طرف العسكريين وعند الضرورة يستخدمونه كما يريدون ضد بقية أفراد المجتمع العزل.. إلى أن يتم تحطيم هذا الاحتكار بتدريب الشعب على السلاح واستيلائه عليه عندها يتساوى كل الناس في امتلاك هذه المادة فلا تكون محتكرة ولا ينشأ عنها طبقة بعد ذلك.

السلطة أيضا تعد الآن حكرا على الطبقات الحاكمة في العالم كله تعمل بها ما تشاء.. وفي المجتمعات التقليدية الواعية جداً بدأت توجد معوقات نتيجة الوعي الشعبي لاستعمال السلطة مجرد معوقات فقط.. ولكن السلطة تستطيع أن تفعل ما تشاء وتستغل المجتمع..

فيكون على الشعب الأمريكي مثلا مهما كان واعيا ومهما عارض أن يموت في فيتنام.. إن السلطة وحدها هي التي زجت به في حرب فيتنام.. وقد استطاع الصهاينة وهم حزب يميني رجعي مغامر أن يغزو فلسطين المحتلة وأن يحارب في كل اتجاه وان يزج باليهود في حروب مستمرة لأنه يحتكر السلطة وستكون نتيجة هذه الحروب ونتيجة غزوهم لفلسطين هي تدميرهم.. وقد لا تكون هذه هي رغبتهم ولكنها نتيجة الاحتكار للسلطة.. ولعل ذلك ما يؤدى اليه تسلط الطبقات دائما على أي مجتمع من الناس بسبب احتكارها لأساسيات وجودها الحياتية.

الأنظمة الإصلاحية ذات الحلول

مدخل:

إن الأنظمة الرأسمالية والأنظمة الماركسية ليستا المقصودتين بقولنا” أنظمة إصلاحية ذات حلول تلفيقية”.

فالنظام الرأسمالي الذي قام على المذهب الحر وفق وقاعدة” دعه يعمل دعه يمر” هو الذي أدى إلى تراكم الرأسمال وتركيزه خالقا بذلك فروقا طبقية صارخة بفعل النظام الاقطاعي والاستغلالي البرجوازي، الذي تراكم حتى تعفن.

فكان أن جاءت الماركسية كرد فعل لتعفنه وسحقه للطبقات الفقيرة التي تشكل أغلبية المجتمع، حيث تكدست الثروة بيد أقلية قوامها الطبقة الرأسمالية المستغلة.

فكانت الماركسية حلا جديا، لأنها رد الفعل للرأسمالية ولكنها قلبت العالم من وجهه الرأسمالي إلى الوجه الماركسي الذي يشكل الجانب الآخر من العملة نفسها. حيث أمكننا أن نعرف بالتحليل ان العالم لم يتغير أي شيء جوهري فيه، بسبب أن المجتمع الماركسي هو بكل المقاييس العلمية وريث المجتمع الرأسمالي في جميع وظائفه. إي أن الدولة الرأسمالية التي تكونت في المجتمع الماركسي هي وريث حقيقي للطبقة الرأسمالية في جميع وظائفها وسلوكياتها، رغم أنها قامت بالثورة ضدها واسقطتها وحلت محلها.

وحين قامت الدولة الماركسية، قام ما يجب أن نسميه رأسمالية الدولة على أنقاض الطبقة الرأسمالية، تقوم بجميع وظائفها وتحافظ على مصالحها بذات العلاقات التي كانت سائدة ببن الطبقة الرأسمالية وأفراد الشعب.

بل إن الدولة الرأسمالية حاكت الطبقة الرأسمالية في سلوكياتها ووظائفها حتى أنعدم الفرق بينهما، فتحقق في أيدينا نظام ماركسي هو الوجه الثاني لذات العالم الرأسمالي، حتى لا يستطيع خبير إذا رأى مؤسسة ماركسية أن يجزم إن كانت تلك المؤسسة ماركسية أو رأسمالية. بل ان المحاكاة الشديدة التي تنتهجها الدولة الرأسمالية لسالفتها الطبقة الرأسمالية، جعلتهما متطابقتين في كل الأمور، ففي الادارة، نجد إدارة المؤسسات الماركسية تحاكى محاكاة كاملة نظيرتها في نظام رأسمالية الطبقة، حيث تتطابق معها في انتاجها- شكلا وطريقة- وتعامل العمال بنفس المعاملة، منصرفة باسعار السلع كما هو الحال في نظام رأسمالية الطبقة، لتضغط على المستهلك. حتى أن نجاح المؤسسة يعتمد حساب الربح والخسارة، بمعنى ان تلك المؤسسات التي تجلب موردا فوق انتاجها، يفوق تكلفة سلعها هي مؤسسة رابحة.. فهم يسمون الزيادة التي تفوق سعر التكلفة ربحا، أما تلك المؤسسات التي لا توفر ذلك المورد فهي خاسرة طبعا.

ومن هنا توحد النظامان-رأسمالية الطبقة ورأسمالية الدولة – في غاية النشاط الاقتصادي لديهما، التي هي تحقيق الربح.

بل إن تركيبة المجتمعين من حكومة وشعب، وارباب عمل واجراء لهم، ووجود الادارة والمؤسسات الى تسند بقاء النظام كالجيش والشرطة تجعلنا نجزم بشكل نهائي بعدم تغيير شيء في جوهر العالم أثناء حدوث الانقلاب الماركسي.

الانظمة الاصلاحية:

بالإضافة إلى ذينك النظامين(رأسمالية الطبقة ورأسمالية الدولة) يوجد في العالم نظام أخر واسع النطاق يثمل كل الأنظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.

يتكون من تلك الأنظمة المتذبذبة التي لم تختر طريقا جذريا بين النظامين السابقين، ولم تتخطاهما إلى حل بديل عنهما. وماعدا تلك البلدان الرأسمالية التي تعد مستعمرات للعالم الغربي الرأسمالي أو تلك التي انتهجت الماركسية، فإن بلاد العالم كلها هي على هذا النظام التلفيقي فمن الهند إلى امريكا اللاتينية، مرورا بالوطن العربي. وافريقيا وبعض بلاد آسيا الاخرى تتبع جميعا طريقة توفيقية بين مجموعة حلول متناقضة وغير علمية تستعملها كمسكنات مهدئة لمشكلات تتطلب البحث عن حلول جذرية. ولعل أخطر شيء على مستقبل تلك البلدان هو اعتقادها بوصولها إلى حل مناسب باعتمادها تلك الطريقة التلفيقية في التعامل مع مشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وحين نحلل تركيبة هذه الأنظمة وبنيتها الاقتصادية والسياسية ينضح لنا معها التلفيق الذي تعتمده، ومدى التذبذب الذي تتخبط فيه سياسة واقتصاداً، ولكن تذبذبها هذا لا يمكن أن يستمر إلى ما لانهاية، إنها اذا لم تتمكن من ايجاد البديل السليم لتذبذبها، تضطر في نهابة المطاف أن تصبح ماركسية إذا تغلب الاتجاه التقدمي فيها، أما إذا تدهورت أوضاعها وتغلب الاتجاه الرجعي فإنها ستصبح رأسمالية لامحالة.

فمصر التي كانت مثلا يحتذي في إطار الأنظمة الاصلاحية المعاصرة في زمن حـكم عبد الناصر، تراجعت نحو اليمين بعده، وقد كان نظامها تقدميا وتحرريا، إلا أن التركيبة الاجتماعية لها اقتصاديا وسياسيا كانت اصلاحية تلفيقية بحتة، في جميع المجالات الزراعية والصناعية وفى مجال استخدام رأس المال، وفي توزيع الانتاج، ولم يكن ثمة حل جذري في المجال السياسي، مما أدى إلى تدهور الأوضاع بعد موت عبد الناصر، فتحولت الدولة بعده إلى دولة رأسمالية، تسيطر عليها الطبقة الرأسمالية وقوى الاستغلال المحلية. متحالفة ومدعومة بالرساميل الاجنبية.

وهكذا إذا لم يتحقق حل جذري جديد، يتجاوز الرأسمالية والماركسية، فإن أية دولة اصلاحية تنهج النهج التلفيقي محكوم عليها حتما بالتحول إلى دولة رأسمالية أو إلى دولة ماركسية، حيث أن التذبذب والتلفيق بين الحلين السابقين لا يمكن أن يستمر طويلا.

نماذج من الحلول التلفيقية:

يحاول الإصلاحيون التلفيقيون معالجة القضايا والمشكلات بحلول وسطية بين النظامين السابقين، دون أن يغلبوا أحدهما على الآخر، لأنهم إن غلبوا أحدهما على الاخر لم يعودوا تلفيقيين، فإما رأسماليين بعد ذلك أو ماركسيين.

فلو أخذنا مثالا على ذلك في مجال الزراعة..

فإنهم لا يتقبلون الاقطاع المطلق، ولكنهم لا يقدمون بديلا جذريا عنه، ويتخلصون بطريقة تلفيقية تجعل الاقطاع موجودا ولكن بصورة مخففة بعض الشيء، حيث يلجأون إلى تقليمه تقليما- ضعيفا أو قويا- بتحديد الملكية الزراعية مثلا. حين يقومون بتسمية حد أعلى لملكية الأرض، وربما حد أدنى أيضاً، لكن المشكلة تبقى قائمة دون حل حيث أن الارقام التي يقدمونها لا يمكن اعتبارها ارقاماً ثابتة لملكية الارض، فمنهم من يحددها بمائة فدان أو الف. وآخرون يحددونها بمائة هكتار أو الف هكتار كحد أعلى، ويعتقدون بأن القانون كاف للمحافظة على هذا الرقم وترسيخه دون السماح بتجاوزه أو التخلي عنه، ولكن القوانين ذاتها ليست ثابتة وغير محمية على الاطلاق في البلدان الإصلاحية التلفيقية ففي أغلب الحالات تلغى القوانين حالا بمجرد غياب الحكم الذي سنها، هذا إذا لم تعدل في ظل حكم أولئك الذين صاغوها.

ففي مصر كانوا يقولون إن على كل فلاح أن يملك ما لا يقل عن خمس افدنة وما لا يزيد عن خمسين فدانا.. بعدما خفضوا الحد الأعلى للملكية عن المائتى فدان.

وفي مجال رأس المال وارباب العمل نجد مثالا آخر واضحا لمحاولات ايجاد حلول تلفيقية، ففي يوغسلافيا يحرمون رب العمل الخاص من استخدام أكثر من خمسة عمال، فإذا تجاوزهم، تؤمم الحكومة ملكيته لأنه صار مستغلا! وصاحب ملكية كبيرة لا يجب أن تكون موجودة في مجتمع ماركسي؟! وهكذا يلجأون إلى تحديد الملكية وتحديد دخل الشركات المساهمة الوطنية والجمعيات الاستهلاكية والتعاونية، واللجوء في النهاية إلى احتكار الحكومة لبعض المواد، حيث تستوردها وتعرضها للبيع تحت إشرافها المباشر ورعايتها، لأن تلك المواد أساسية وضرورية لأفراد الشعب، لكي تحول دون التلاعب باسعارها. غير أن ذلك لا يكفى، فالتلاعب لا يمكن انهاؤه بسيطرة الحكومة واحتكارها لاستيراد السلع وتسويقها بل هو يزيد ويكبر في ظل هيمنة ما عرف بالقطاع العام.

إن التلاعب بالسلع الضرورية للناس وباسعارها لا يمكن أن ينتهي بقرار حكومي، بل ينتهي ببناء المجتمع على أساس اقتصادي جديد لا وجود فيه لأي امكانية للتلاعب.

ومن هنا كان لابد من إلغاء التجارة الخاصة الاستغلالية حتى لا يتحكم أحد بالجماهير الشعبية عن طريقها، باعتبارها مصدر الاستغلال الرئيسي في المجتمع، على أن تقوم بدلا منها متاجر الشعب، التي يبيع الشعب فيها لنفسه بثمن التكلفة، فينتهي التلاعب بالاسعار نهائيا. بالغاء التاجر الذي يرفع سعر السلعة إلى أقصى ما يستطيع ولو أدى به ذلك إلى تحويلها إلى السوق السوداء ليرفع سعرها بشكل غير معقول مستنزفا ثروات المجتمع، وجامعا لها في يده ليتمكن بعد ذلك من التحكم بمصير الناس الذين أقدموا على شراء بضاعته.

إن أغلب التجار يعلقون بمتاجرهم رخص تسمح لهم بمزاولة هذا العمل الضار بحياة الناس، كما يعلقون قوائم تحدد أسعار سلعهم التي يقتنونها، غير أن تلك الرخص لا تعنى شيئا سوى التغفيل مثلها مثل قائمة الاسعار لا تدل إلا على الاعتراف” الربح المحدد” ولكنها في واقع الأمر طريق الربح غير المحدد، فليس هناك من يستطيع إلزام التجار بربح محدود، حتى المستهلكون أنفسهم لا يمكنهم الاعتراض على سعر السلعة التي يدفعون ثمنها من دمهم وعرقهم، “ففي الحاجة تمكن الحرية” إنهم يتهافتون على السلعة التي يحتاجونها مرغمين بفعل الحاجة. ولست أقصد بان الربح المحدود له مايبرره، إنه مجرد سرقة ولكنها سرقة قانونية مدعومة برخصة تجارية.

حتى إذا جاءت الحكومة لتحتكر عددا من المواد الاستهلاكية على أساس أنها مواد ضرورية للمواطنين ولا يصح التلاعب باسعارها، فان المواطنين في حقيقة الأمر سيعانون من التلاعب في سلع أخرى لم تقم الحكومة باحتكار تجارتها، هذا إذا لم تصل يد التجار لتتلاعب بالمواد المحتكرة من قبل الحكومة وهو ما يحدث عادة.

فالمجتمع المحتاج لعشر سلع استهلاكية تحتكر الحكومة منها اربعا باعتبارها أساسية وتقوم التجارة الخاص بالتحكم بالسلع الأخرى ترفع أسعارها كيف تشاء أو تخفيها لتقلل المعروض منها حتى يكثر الطلب عليها لترتفع بذلك أثمانها، إن هذا المجتمع قد سلك بهذه الطريقة حلا تلفيقيا لا يمكنه أن يقاوم الاستغلال مهما حدد أسعار السلع التي تتحكم بها التجارة الخاصة، لأنها ستتلاعب باسعار هذه السلع ولو اضطرتها مصلحتها إلى بيعها في السوق السوداء.

كذلك المجتمع الذي يسمح باستخدام العمال من قبل أرباب عمل، مكونين بذلك مجتمعا طبقيا من السادة والعبيد الذين يمثلهم أرباب العمل والعمال. لكنهم يحاولون التغطية على هذه العلاقات الظالمة التي تجسد العبودية والاستغلال، بإدخال اصلاحات تلفيقية لتخفيف وطأة تلك الأوضاع الظالمة، فيصدرون قوانيناً تمنع رب العمل من فصل العمال تعسفياً، و لكن العمال يرفضون ذلك النظام الاجتماعي البشع الذي يسمح بوجود سادة وعبيد، أرباب عمل وعمال… مؤجرين وأجراء، ولا ترضيهم الاصلاحات السطحية التي لا تكفى للقضاء على أوضاع الاستغلال والعبودية التي يعيشها الأجراء، وهكذا مرة أخرى يصدرون قانونا جديدا، يقرر زيادة الأجرة للعمال، ويضع حدا أدنى للأجور.

إن هذه السلسلة من الاجراءات التلفيقية هو ما تقوم بعض الانظمة التي تعتبر نفسها ثورية وتقدمية باتخاذها، حيث يحددون الحد الأدنى لأجور العمال معتبرين انفسهم قد حققوا معجزة عظيمة لكنهم يجدون العمال وقد استمروا في المطالبة بحقوقهم، فيعودون إلى رفع الحد الأدنى للأجور مرة ثانية وثالثة، ويمنعون الفصل التعسفي ولكن ذلك كله لا يكفى، فالعمال سيستمرون في المطالبة بحقوقهم، ولكنهم لا يعرفون النهاية السعيدة لنضالاتهم من أجل العدالة، فقمنا هنا في ليبيا بتحريضهم وتعليمهم لتتضح الرؤيا أمامهم، وقد استغرقنا سنة كاملة نشرح للعمال مقولة شركاء لا أجراء وكيف يمكن تطبيقها.. واوضحنا لهم الطرق التي تتم عن طريقها سرقة جهد العمال، حتى اذا وعوا ذلك كله قاموا بالثورة، واستولوا على المؤسسات الانتاجية واصبحوا شركاء لا أجراء، وسيطروا على الادارة، وأخذوا حقهم في الانتاج، بعدما الغوا الربح لأنه لا يعنى سوى الاستغلال والسرقة من قبل رب العمل لجهد العمال..

من أين يأتي الربح؟

إن العامل الذي يعمل عشر ساعات يقوم رب العمل بسرقته حيث يقتطع منه انتاج خمس ساعات لنفسه ويسميها ربحا، ويسلمه انتاج خمس ساعات فقط. ورغم الوضوح في هذا الموضوع الا أن الانظمة الاصلاحية التلفيقية تسن قانونا بعد ذلك لمشاركة العمال في الأرباح، أي أن يتحصل العمال على نسبة ما من انتاجهم المسروق منهم.

فالعامل الذي سرق منه رب العمل خمس ساعات قد يعيد إليه ساعة منها، وهو حل تلفيقي ليس له أثر ايجابي على نضال العمال من أجل حقهم، الذي سيستمر حتى لا تكون هناك أية سرقة لجهد العمال، ولا يكون هناك أرباب عمل اطلاقا، وحتى يكون الذي ينتج هو الذي يستهلك انتاجه.

كما أنه لا معنى لجميع تلك القوانين التي تسن من أجل منع فصل العمال تعسفيا، فهي لا تعدو أن تكون حبرا وورقا حين يكون باستطاعة رب العمل إيجاد المبررات القانونية لإجراءاته بفصل العمال العاملين معه. فرب العمل قادر على جعل فصل عماله قانونيا وليس تعسفيا إذا أعلن افلاس شركته، وأبدى عدم قدرته على استيفائهم لمستحقاتهم أو إذا غير نوع نشاط شركته إلى نوع آخر، فلا يكون أمام العمال إلا الانسحاب ومكابدة البطالة، والإقرار بإرادة رب العمل، الذي كان يعمل مقاولا ثم شاء أن يتحول إلى تاجر، فيقوم بتصفية اعماله السابقة وفقا للقانون المعمول به، ويتجه الى عمل جديد تاركا العمال الذين عملوا له لمصيرهم المجهول، بعد أن يسترضيهم ببعض الهدايا ويلتقيهم في حفل ينظمه لهم على حسابه الخاص! مبينا لهم بأنه مضطر لإنهاء أعماله في هذا المجال بسبب كبر سنه، أو بسبب انخفاض ارباحه.. الخ.

أما إذا رفض العمال التخلي عن عملهم، وجازفوا حتى بالاستيلاء على المنشآت التي يعملون بها،. مقدمين الدليل على كذب ادعاءات رب العمل، فإن الحكومة الرأسمالية وفقا للقوانين المعمول بها هي التي تتكفل باخراجهم وبتنفيذ إرادة رب العمل.

إن القوانين التي تقرر تحديد الملكية وتحديد الدخل لا يكون لها أي معنى، مادام النشاط الخاص الاستغلالي مسموحا به أصلا، كما أن الضرائب التي تفرض على الدخول الخاصة، وهى تلك الضرائب التصاعدية التي يراد لها أن تحد من الدخل لجهة في المجتمع، لتساهم في تقريب المستويات الاقتصادية لأفراده، لن تكون مؤثرة، لأن النشاط الاقتصادي الاستغلالي لا يعرف الحدود، ولا تستطيع القوانين أن تلزمه بنظام محدد ولا بمستوى معين.

إن اللجوء إلى هذه السلسلة الطويلة من القوانين هو نموذج من التلفيق لمعالجة المشكلات الأساسية للمجتمع عن طريق تحديد الدخل وتحديد الملكية والحد الادنى للأجور وتحديد الاستخدام لليد العاملة ونظام المشاركة في الارباح وإقامة الجمعيات الاستهلاكية التجارية. ولا يمكننا أن نسمى أياً من هذه الأساليب حلا، وإنما هي محاولات تلفيقية واصلاحية تثبت التجربة العلمية بطلانها سريعا لتعود المشكلات للتفاعل بشكل أشد.

فالجمعيات الاستهلاكية ليست سوى متاجر عادية، حيث يقوم مجموعة من الناس بإقامة متجر يديره بعضهم، في حين يواصلون هم اعمالهم العادية، وتحقق جمعيتهم الاستهلاكية ارباحا من المستهلكين، إذن فهم يمارسون التجارة الخاصة الاستغلالية ويستغلون المستهلكين، عن طريق متجر جماعي استغلالي هو الجمعية الاستهلاكية التعاونية، التي لم تحل مشكلة التجارة الاستغلالية.

أما حينما يؤسس الاصلاحيون التلفيقيون الشركات المساهمة الوطنية والتي هي عبارة عن خليط بين أموال حكومية وأخرى يقدمها الرأسماليون الاغنياء. فإن غرضهم هو وضع هيمنة محدودة من قبل الحكومة على القطاع الخاص الاستغلالي لعلهم يتمكنون من الجامه ويحدون من طغيانه، لكن ذلك لا يتحقق، وتبقى هذه الطريقة تلفيقا مجردا لا يغني عن الحل.

إلغاء الرأسمالية:

إن وجود رأسمالية هو مشكلة مهددة لتقدم المجتمع بغض النظر عن كونها رأسمالية وطنية أو أجنبية خاصة أو حكومية.. إن الحل الجذري الوحيد والسليم هو الغاء الرأسمالية بجميع أشكالها سواء أكانت رأسمالية الطبقة المستغلة أو رأسمالية الدولة.

فالرأسمالية هي الرأسمالية لا فرق فيها، فليس ثمة فرق بين العمال الذين يعملون لرب العمل الرأسمالي الفرد وبين العمال الذين يعملون لرب العمل الرأسمالي المتمثل بالحكومة الرأسمالية.. إنهم جميعا يعانون نفس الظروف، ويقاسون الاستغلال ويطالبون في الحالتين بتحسين أوضاعهم وزيادة أجورهم وتقليل ساعات عملهم.. وهم في الحالتين يثورون ضد الإدارة ويضربون ويعتصمون.. ويتظاهرون.. ولم يظهر أي اختلاف بين العامل الذي يعمل لشركة خاصة والعامل الذي يعمل لشركة حكومية، ورغم ذلك فهو حل تلفيقي فحواه المزاوجة بين النظامين رأسمالية الطبقة ورأسمالية الحكومة، بمعنى وجود القطاعين العام والخاص معا في محاولة للتعايش، ولكن ذلك لا يلبث أن يتخذ شكلا رأسماليا عاديا يسمح بمزاولة النشاط الاقتصادي بلا حدود، ويؤدى إلى أن تبتلع الشركات الكبيرة نظيراتها الصغيرة، وسرعان ما ينشأ الاحتكار الرأسمالي، فليس في مقدور الشركات الصغيرة الصمود طويلا في مواجهة الشركات الكبيرة، وليس في طبيعتهما التعايش.. بل هو أمر مستحيل لا يمكن أن يتوفر بين القطاعين العام والخاص.. ولا بد لأحدهما أن يبتلع الآخر ويطويه نهائيا في ظل أوضاع المزاحمة والصراع الرأسمالي الذي ينشأ بينهما فور محاولتهما اقتسام مجال الاستغلال الممكن لهما.

وهكذا فان محاولات الاصلاحيين من مشاركة العمال في الأرباح ومشاركتهم في الإدارة، وتحديد ساعات العمل.. وإقرار حد أدنى للأجور، ووضع التسعيرة على السلع التي تتداولها التجارة الخاصة الاستغلالية لا تعدو أن تكون محاولات تلفيقية محكومة بالفشل علميا وعمليا.

لقد صار بإمكاننا أن نستمع إلى شعار يتردد في الكثير من البلدان يقول:” يجب الضرب بيد من حديد على التجار الجشعين”. وليس هذا سوى شكوى صريحة تصدر بسبب الظلم الذي لحق الناس من جراء التجارة الخاصة الاستغلالية، وهو الأمر الذي لا علاج له سوى إلغاء هذا النوع من النشاط الاقتصادي الذي يعتمد الاستغلال وينافي قواعد النشاط الاقتصادي الاشتراكي الانتاجي. أما حين القبول بوجود مثل هذا النشاط فإن المستهلكين لا يمكنهم تحت ضغط حاجاتهم الا الإذعان لسطوة الاستغلال رغما عنهم، فيتصرفون ضد مصالحهم، حتى وأن كانوا يدركون الاضرار الناجمة عن تصرفاتهم تلك، حين خضوعهم للاستغلال، ولكنهم يبررون دائما بان لا حيلة لهم.

إن المحتاج ليس حرا في قراره واختياره، ففي الحاجة تكمن الحرية، وهو مدفوع تحت ضغط الحاجة إلى القبول، باستغلال الآخرين له.

مثال:

حين تكون محتاجا حاجة ماسة لقطعة من الارض يملكها آخر وتكون الحكومة قد وضعت تسعيرة لسعر المتر الواحد من هذه الارض بدينار مثلا، ولكن مالكها يرفض البيع حسب التسعيرة ويقرر أن يبيع في السوق السوداء بسعر أعلى أضعاف المرات، فهل ستقبل الشراء منه وفقا لما يريد؟

إن المحتاجين يقبلون دائما، وتراهم يرضخون لأساليب الاستغلال بلا تحفظ تحت ضغط حاجاتهم.

فحين تكون الأرض مقسمة بين عدد من الرأسماليين، يكون وضع تسعيرة لها عملا عبثيا لا معنى له.. وحين نسمح بملكية الأرض الزراعية لشخص أو مجموعة من الأشخاص، فإن تحديد الحد الأعلى والادنى للأرض الزراعية ليس حلا في واقع الأمر.. وحين نسمح للرأسمالية بالعمل فإن محاولة إجراء تعايش بين نماذجها المختلفة ووضع شروط. قانونية لها لن يكون حلا على الاطلاق..

وحين يكون هناك عمال وارباب عمل، فإن أي قانون نسنه ليس سوى تنظيم لعلاقة مجحفة بين سيد وعبد.. إنها مجرد تلفيق وحين نضخمها بقولنا محاولات اصلاحية لا يمكنها أن ترقي إلى مستوى الحل الجذري، الذي تكون الانظمة الاصلاحية أبعد ما تكون عنه بسبب نظامها السياسي التلفيقي.

إن الأنظمة الاصلاحية هي أفضل من الانظمة الرأسمالية التي وجد النظام الاصلاحي بسبب الثورة عليها.

إن معظم الانظمة السائدة الآن في العالم المعاصر هي انظمة إصلاحية ذات حلول تلفيقية، لا شك أنها قد بذلت جهدا من أجل الاصلاح، ولكن جهدها كله يقع داخل دائرة التلفيق، الذي يجعل منها أنظمة مؤقتة مهزوزة، تعيش. على الاستغلال والعسف، وهي مضطرة لذلك، فليس. ما يدفعها هو الخيانة أو عدم الصدق في مواجهة المشكلات التي تنتاب مجتمعاتها، وإنما بتجدد مرضها الأساسي في قصور الرؤيا لديها، وعدم وجود بديل عن الرأسمالية التي رفضتها وانتفضت ضدها، وعن الماركسية التي لم تتقبلها واعتبرها شرا آخر لا يجب الوقوع في برائنه.

وصار عليها أن تلـفق وتتـذبذب بين مختلف التوجهات مختلقة حلولا سطحية، كثيرا ما تلجأ في ايجادها إلى الرأسمالية والماركسية في محاولة للمزاوجة بينهما، ولو قدر لها أن تجد بديلا عنهما لما آلت إلى هذا التخبط والفوضى الذي تعانيه نتيجة قصور الحلول التلفيقية التي انتهجتها.

وحتى في ليبيا بعد تفجر ثورة الفاتح العظيم وقع اللجوء إلى بعض الحلول التلفيقية بسبب الرفض الشديد للرأسمالية باعتبارها تخلفا مطلقا، وبسبب عدم الاقتناع بالماركسية من حيث إنها لم تعد حلا.. ولكن التلفيق لم يكن ليستمر، فقد كان البحث يجرى عن حل جذرى، ظهر بعد ذلك في الكتاب الأخضر الذي تجاوز بطرحه الفكر المطروح رأسماليا وماركسيا، وانفسح المجال بالكتاب الاخضر لظهور فكر ما وراء الماركسية، وما وراء اليسار.. وانفسح المجال لاكتشاف امكانية قيام نظام جديد ذي حلول جذرية نهائية يتجاوز كل الحلول المطروحة في العالم المعاصر.

ولعل النظام الجديد كان نتيجة الازمة في العلاقة الجدلية بين. الرأسمالية والماركسية، فكان لا بد من البديل الثالث.

وحتى وفقا للمنطق الجدلي” الديالكتيكي” الذي تعمل به الماركسية-حين نسلم به- فإن الازمة في العلاقة الجدلية بين المعطيتين الرأسمالية والماركسية تكون نتيجتها حتما شيئا ثالثا يحل بدلا عنهما. إن هذا كاف لاقناع الماركسية تماما، ولكنه من الصعب قيام النظام الماركسي بهدم نفسه عند ايجاد نظرية جديدة.

إن أزمة حقيقية قد وجدت في العلاقة الجدلية بين الرأسمالية والماركسية بسبب أن الرأسمالية لم تحقق الحل المطلوب لمشكلات الانسان ومعاناته المزمنة وإنما أدت إلى قيام نظام استغلالي عبودي متعفن، كما لم تقدم الماركسية التي كانت رد الفعل للنظام الرأسمالي أي جديد سوى نظام عقيم، قتل الديمقراطية الشعبية وأقام دكتاتورية أبدية للحزب الماركسي، الذي تسنى له- إذا لم تتبدل الظروف- أن يهيمن على المجتمع الماركسي إلى الأبد.

ولكن، لماذا نقول يهيمن إلى الأبد؟!

لأنهم يقولون إن هيمنته ستستمر حتى تتحقق الشيوعية.. الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فتختفي الدولة ويسير المجتمع ذاتيا.. الأمر الذي لا نرى بأنه سيقع إذا كان طريقهم إليه هو الحل الماركسي، ولذلك نجزم باستمرار الدكتاتورية التي يفرضها الحزب الماركسي، الذي يرى بأن أي حديث عن رفض دكتاتوريته هذه إنما هو ردة باتجاه الرأسمالية والبرجوازية وجبت مقاومتها دمويا.. ويرى عدم الثقة بالجماهير ما لم تتحقق الشيوعية.. فيجب ألا تمنح أي قدر من السلطة، ويجب أن تقام المجالس التي يسمونها شعبية”السوفييتات” من اعضاء الحزب الماركسي وحدهم.. لأنهم موثوقون. لدى الحزب، وقادرون على تنفيذ تعاليمه الماركسية اللينينية التي تقود المجتمع باتجاه الشيوعية!..

وهكذا ستظل الجماهير الشعبية محرومة من أي ممار للديمقراطية إلى الأبد أيضا!

أما الانظمة الاصلاحية فإنه ليس بمقدورها الاستمرار في تذبذبها إلى الأبد، فهي إما غلب عليها الاتجاه اليساري وقادها إلى الماركسية، وإما انتكست باتجاه اليمين وعادت ادراجها لتلتحم بالرأسمالية.

إن أولئك الذين لم يقتنعوا بالماركسية كانوا قد ثبت لهم أنها تسير في طريق مسدود، ولا يمكنها أن تكون الحل المرجو.

وإذا استبعدنا الجانب الديني في الماركسية من تقييمنا فنحن نرفضها لأنها تفرض دكتاتورية أبدية على الجماهير الشعبية التي لا يكون لها أي دور إلا أن تنتج كمثل خلية النحل حيث تعمل الشغيلة جميعها لصالح الملكة. يقول الشيوعيون” بأنهم يبنون مجتمعا من النحل هدفه الوصول إلى الشيوعية، إننا نقف طابورا واحدا ليس له أي قيمة.. إلى أن تتحقق الشيوعية..”.

ونحن لا نقر هذه الدكتاتورية، بل ندعو إلى أن تمارس الجماهير الشعبية الديمقراطية المباشرة بشكل فعلى.

كما نرفض المذهب البيروقراطي الذي يكدس الثروة في يد الحكومة فتنفقها بمفردها- متجاوزة الجماهير الشعبية- بالصرف على برامج لم توافق الشعوب على تمويلها من مثل برنامج الفضاء أو البرنامج النووي، مع أن هذه البرامج تقتطع تكاليفها الضخمة من جهد هذه الشعوب التي لا يكلفون انفسهم حتى عناء استشارتها، حيث تصدر القرارات بشأن هذه البرامج من جهات فوق الجماهير، مثل مجالس” السوفييتات” ويعتبرون ذلك منتهى الديمقراطية حتى انهم يسمون انظمتهم بعد ذلك”بالديمقراطية الشعبية(.. حيث ان نظامها قـائم على المجـالس الشعبـية(السوفييتات). ولكنهم لا يسمحون للشعب بممارسة حياته بحرية بحجة احتوائه على البرجوازيين والرأسماليين والتحريفيين، الذين يتوقع منهم الانحراف بالمجتمع خلافا لما تراه الماركسية.

الحل:

إن الحل الذي ينقذنا من النظام الرأسمالي المتعفن والمتخلف.. ومن النظام الماركسي البيروقراطي والدكتاتوري.. ويخرجنا نهائيا من دائرة، الانظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.. هو أن نتجاوز إلى ما بعد اليسار وما وراء الماركسية، لنقضي على الازدواجية التلفيقية والثنائية الاصلاحية، ونجد حلولا جذرية مباشرة لكل المشكلات المستعصية التي نبحث لها عن حل.

فمشكلة الأرض: يمكن حلها نهائيا عندما تصبح ملكا للجميع وليست حكرا على أحد، فيمكن لكل محتاج لاستغلالها أن يستغلها لمنفعته.. وليس له الحق في تملكها ملكية رقبة.. فحين يقوم مزارع باستغلال أرض زراعية فإنه إذا مات أو تغير نوع نشاطه يترك الارض الزراعية ليستغلها مزارع غيره، ويتجه هو إما إلى المقبرة أو إلى قطعة أرض تناسب نشاطه الاقتصادي الجديد.

فحين تكون الارض ملكا للجميع وليست ملكا لأحد بعينه، فإن لكل إنسان حق استغلالها بجهده الخاص لإشباع حاجاته، دون استخدام غيره بأي عذر، ويكون هذا الحل جذريا، وقابل لترسيخ نفسه دون حاجة إلى رقابة أو منح رخصة في استخدام الأرض.. ودون الحاجة إلى سن قانون يحدد مساحة الارض التي لك أن تستغلها، حيث يقوم جهدك الخاص بمهمة تحديد هذه المساحة، فحين تأخذ محراثا وتتجه بنفسك إلى قطعة من الأرض، ويأخذ كل المزارعين مثلك محاريثهم، فإن كلا منكم سيقف عند حد معين لا يمكنه تجاوزه وفقا لجهده، في الوقت الذي لا تكون فيه الفروق بارزة.

إن الصراع والتدافع سينتهيان على الأرض حين يكون على كل فرد أن يبذل جهده فقط دون أن تتاح له فرصة استغلال غيره، وأن تكون الفرص التقنية متساوية من حيث الحصول على الآلات التي يجب أن تتوفر للجميع عندها يصل المزارعون إلى حدود كل منهم تلقائيا حين يعمل كل منهم حتى يصل إلى نهاية ما يستطيع.. ويصل في نفس اللحظة إلى بداية الارض الأخرى التي يعمل فيها مزارع آخر.

إن وجود الأرض وتساوى الفرص بين المزارعين واعتماد كل منهم على جهده الخاص هو ما نشترطه لتحقيق العدالة النهائية في شأن قضية الأرض.

أما حين تتوفر هذه الشروط فعلى كل مزارع أن يجد ويكد ليشبع حاجاته، فالذي يعمل ليل نهار سيحقق انتاجا اكثر من ذلك الذي يعمل نهارا فقط.

أما إذا لم تتوفر هذه الشروط وتحصل المزارعون على امكانات مادية متفاوتة فإنهم سيتصارعون وسيظهر الاستغلال وسيعرف لديهم الاستحواذ على أرض أكبر مما يحتاجه بعضهم فعلا مما يؤدى إلى استحواذ هؤلاء على حاجات غيرهم، وهى عندهم مجرد كماليات لكنها لاتلبث أن تكون عندهم حاجات أيضا من جراء تعودهم عليها واستخدامهم الدائم لها.

ومشكلة السكن: حيث يجب أن يكون لكل اسرة بيت، فان مقولة “البيت لساكنه” تنهى ظاهرة الاستحواذ غير المشروع من طرف الاستغلاليين على ثروة المجتمع، تلك التي يجب أن تقسم على عدد السكان بالتساوي ليتحصل كل محتاج على حاجته، فإذا زاد بعد ذلك فائض معين فهو ملك لجميع السكان، ولا يحق لأحد الاستحواذ عليه. إنه حين يتمكن مواطن من بناء عمارة تحوى خمسين شفة ويقوم بتأجير هذه المساكن لمواطنين في حاجة إليها، فإنما قام بسرقة مباشرة لحصتهم في الثروة، واستغلهم بها، وتكون هذه البيوت المؤجرة هي ملك مؤجريها، بدليل حاجتهم إليها وسكنهم فيها. فلو كنا عشرة أفراد، وتقاسمنا عشرة أقلام، فأخذ أحدنا قلمين، فلا شك أن أحدنا سيظل دون قلم، إن صاحبنا الذي أخذ قلمين هو الذي أخذ حصة زميلنا الذي لم يجد قلما. فإذا طلبنا منه إعادة القلم إلى صاحبه أصر أن القلم ملكه!

-“إني لم أتناوله من جيبه.. لم اسرقه ولم اغتصبه، وإنما أعطى القلم لي فأخذته.”.

لكن الأصل في هذه المسألة إن الأقلام العشرة ملك لكل المجموعة لكل واحدا فيها حصة، فإذا تجاوز أحدهم حصته بقى غيره بدون حصة حيث أن الذي تجاوز حصته قد يكون أخذ حصة غيره.

وهكذا هي ثروة المجتمع ملك لجميع المواطنين مقسومة بينهم بالتساوي فإذا نال أحدهم أكثر من حاجته فإن معنى ذلك هو نيله لحصة آخرين، وما ذلك إلا نوع من السرقة.

أزمة السيادة والتشريع

أزمة السلطة وأزمة القانون :

إن الأساس المنطقي لهذه القضية يعبر عنه جوهريا بالعبارة التي تقول: حيث إنه قد وجدت مشكلة حقيقية في سن القانون- والمطلوب دائما هو طاعة القانون- فيجب ايجاد جهة معترف بنزاهتها لتقوم بسن القانون، حتى يتسنى للجميع طاعته!

ولكن من هي هذه الجهة المنزهة؟

في الماضي لم يكن أحد منزهاً باستثناء الملك، فهو ظل الله على الأرض، وقد اعتقد لنفسه بالنزاهة وشاء أن يقوم بسن القوانين، الامر الذي جلب المتاعب، وفجر المشكلات المعقدة بينه وبين الكنيسة. فالملك من الناحية الوضعية يرى بأنه مصدر التشريعات والقوانين لأنه يجسد السيادة، في الوقت الذي لا ترى له الكنيسة كل هذا، وترى لنفسها الحق في النزاهة من حيث انها كنيسة.إن الصراع بين الملوك والكنيسة واضح وظاهر في جميع الأديان، وقد أخذ شكله حديثا في الصراع بين الساسة ورجال الدين، مما أدى إلى اضطرابات عنيفة أو حروب أهلية طاحنة، بسبب أن رجال الدين يعتقدون بقدرتهم على إرساء دعائم العدل تشريع القوانين العادلة، وتحديد الاخلاق الاجتماعية باستنباطها من الدين. في الوقت الذي يعتقد الساسة فيه بأنهم القادرون على ذلك لمعرفتهم بالاوضاع السياسية العالمية والقضايا الهامة المؤثرة في حياة الناس سياسة واقتصاديا واجتماعا، سلما وحربا، وغير ذلك مما لا يستطيع رجال الدين الالمام به بسبب انكبابهم على دراسة أديانهم وتعصبهم لها، وتكرارهم لما ورد بها. وهكذا لا مجال للحيلولة دون وقوع صراع عنيف بين رجال الدين والساسة، ما دام كل يدعى حق التحكم في غيره من الناس. وما داموا ينظرون إلى المشكلة من زاويتهم هذه التي حصرهم فيها اعتقادهم الطبقي، الذي يوضحه تسليمهم باحتكار السياسة واحتكار الدين. فهم لم يتساءلوا قط، كيف تسنى لمجموعة من الناس- احتكار الدين تحلل ما تشاء وتحرم ما لا تريد!

وكيف تسنى لمجموعة أخرى احتكار السياسة.. لقرر مصير الآخرين؟

إنه إرث ثفيل من الدجل.. والتخلف.. والانحطاط السياسي والاجتماعي. ولا مخرج منه إلا بالخروج من تلك الزاوية التي نظرت من خلالها الطبقات الاحتكارية، إلى مجال فسيح يسمح لعقل الإنسان بالعمل، ولطموحه بالامتداد، الأمر الذي لا مجال للوصول إليه إلا عبر الثورة الشعبية التي تصل الجماهير عن طريقها إلى السلطة، فتلغى بذلك الوصاية على الشعب الى الأبد، ويكون بامكان كل انسان أن يصبح مسئولا عن نفسه دينا ودنياً، حيث لا مجال يومئذ لوسيط بين الانسان والسماء، ولا بين الانسان والارض، فللجميع أن يفترشوا الأرض ويلتحفوا بالسماء، متساوين لا فرق بينهم، يجتهد كل لنفسه ويتحمل مسئوليته بنفسه. إن القانون الذي يضعه جانب من المجتمع كالكنيسة ورجال الدين أو الاحزاب السياسية أو المجالس النيابية أو الحكومات، هو في الواقع قانون زائف يجب أن تحرقه نار الثورة الشعبية، لأنه مجرد قيد صنع لتكبيل الجماهير واستعبادها، ولمنعها من تحقيق ذاتها، وهو إجراء ديكتاتوري غرضه أن يوهن قوة الجماهير الشعبية، وهكذا خسرت الانسانية كلها فرصة إقامة عالم تتحقق فيه آدمية الإنسان، بفعل هذه القوانين التي تسنها أطراف قوية من المجتمع لتفرضها على المجتمع وتقمعه بعد ذلك بها، كما لو أنها تنزيل مقدس من السماء لا يجوز لأحد الخروج عنه. إن الذين أتاحوا الفرصة للغزو الأجنبي، وربطوا أراضي الشعوب النامية بعجلة الامبريالية وقوى الاستغلال ومصالح الاحتكارات العالمية، هم أطراف من المجتمع رأوا أن مصلحتهم ترتبط بتلك القوى، فبادروا للارتباط بها، دون أن تكون شعوب هذه البلاد راضية عن ذلك، بل إنها تتضرر كثيرا من إطلاق يد تلك القوى في بلادها، ورغم ذلك لا يتسنى لأحد في هذه البلدان الرفض أو العمل على تغيير تلك الظروف السيئة، ويعاقب كل من يحاول القيام بعمل من شأنه الاضرار بمصالح الاستعمار والاحتكارات وقوى النفوذ الأجنبية، استنادا إلى قوانين سنتها أطراف هي جزء من المجتمع، جسدت نفسها وصيا على الشعب تسن القوانين وتطبقها عليه، وتتعامل مع من تشاء بالطريقة التي تشاء، دون أن تعير انتباها مهما كان بسيطا لمجاميع الناس الذين عليهم أن يعبروا كل يوم عن ولائهم للجهة المسيطرة صاحبة السيادة في المجتمع.وحتى إذا قدر للناس أن ترى تلك المنظمات الصديقة لها، فهي مرغمة أن تنعتها بأنها.. المنظمة الشعبية.. وحزب الشعب والجبهة الشعبية.. والديمقراطية.. إلى غير ذلك من النعوت التي يعرف الناس بأنها لا تعبر في الواقع إلا عن نقيض الشعب. ذلك أنها ليست سوى الزعيم الأوحد.. والملك الملوك وكائن المتفوق”سوبرمان”.. والطليعة والصفوة. إنه لا سبيل إلى تحقيق الحرية والديمقراطية.. والشعبية، إلا بالشطب على هذه الوضعية كلها بالقضاء على أدوات الحكم التي انتزعت حق التشريع وحق السيادة من الجماهير انتزاعا بالقوة، وإعادة هذا الحق للجماهير الشعبية، لينتهي التزييف ويصبح كل شيء حقيقيا، وتصير الحياة جديرة بأن يحياها الانسان، فتصحح المقولة المغلوطة المكتوبة في أوراق حقوق الانسان التي تنص على حق الحياة للإنسان، لتصبح حق الحياة الجديرة بأن يتمتع بها الانسان. إن الحرية والكرامة حق طبيعي من حقوق الإنسان كمثل حق البقاء تماما، ولا يمكن أن يحل حق البقاء محل بقية الحقوق الطبيعية للإنسان.

* إن الفلسطينيين الذين يعيشون تحت ظروف الاحتلال الذي يمارسه الغزاة لبلادهم، لا يحيون حياة جديرة بأن يحياها الإنسان، ر غم أنهم مازالوا على قيد الحياة، كما تنص وثيقة حقوق الانسان. إن الحق المنطقي الذي يجب أن يحوزه الفلسطينيون والحال هذه هو الموت، لأنه أشرف لكرامتهم من حياتهم المهينة تحت الاذلال الذي يمارسه ضدهم المحتلون الغزاة. ولذلك فهم يثورون، فإما أن يموتوا وإما أن يصلوا إلى حياة جديرة بالانسان.

* إن الشغيلة يرفضون أيضا حق البقاء هذا الذي يمنحه لهم المجتمع عندما يحل كرب عمل بدلا عن رب العمل الرأسمالي، ويثورون على العلاقة الظالمة التي تجعلهم يتنازلون عن انتاجهم ولا يأخذون إلا ما يبقيهم على قيد الحياة ليواصلوا العمل لصالح رب العمل الجديد. فإما أن تكون الحياة جديرة بالانسان ليتمتع بها أو يكون الموت أفضل منها، وهذا ما يؤدى بأولئك الذين يعيشون أوضاعا سيئة ومتردية إلى القيام بالثورة، بل ان هذا هو سبب القيام بالثورة من الناحية النفسية.

* انك تجد أفرادا يعيشون من الناحية المادية حياة رغيدة، لكنهم لا يعيشون رغم ذلك حياة سعيدة، لأنهم يعانون من الناحية المعنوية ظروفا مهنية. مما يدفعهم إلى التضحية بأوضاعهم المادية مقابل النجاح في تحقيق انتصارات معنوية لهم، دون أن يبالوا بالفقر والجوع، الذي يرتبه التدهور المادي، بل إنهم يفضلونه على حياتهم المادية المترفة حين يجدون ظروفا معنوية تحترم الانسان ولا تحرم من حريته وكرامته التي يراها أهم مقومات وجوده في الحياة.

* إن ذلك هو ما يدفع الثوريين وأنصار الحرية والتقدم في العالم، إلى مقاومة الارهاب الدولي الذي تمارسه الامبريالية الامريكية على الشعوب، مع ما في ذلك من خسائر مادية مؤكدة، ومن تضحية، لأنهم يرون الحياة ذليلة ومقلقة وغير مرضية وليست جديرة بالانسان، حين لا تتوفر فيها حقوق الشعوب وحرياتها وصيانة مقدساتها، وكرامة أفرادها، فيخوضون الحروب الطويلة ذات التكاليف الباهظة ليصلوا إلى تحقيق طموحاتهم في خلق حياة جديرة بالتمتع بها.وهنا تكون الحاجة ماسة للثورة لتحقيق هذا الطموح وهو ما ندعو إليه الجماهير، لتقوم وحدها بفعل التغيير الثوري، وتحول دون قيام الادعياء من السلطويين والفاشيين والانتهازيين بادعاء تمثيلهم لها وحرصهم عليها.. أو ادعائهم الاحساس باحساساتها، وحرمانها من تأكيد ذاتها.إنه إذا استوعبت الجماهير وقواها الثورية هذه الفلسفة الجماهيرية الجديدة، فإن معنى هذا هو أن عصر الجماهير قد افتتح فعلا.. وقد وضع حجر الأساس لنظام الديمقراطي الحقيقي القائم على سلطة الجماهير الشعبية مباشرة. إن الجماهير الشعبية تكون قد حققت نصرها في المعركة التاريخية الطويلة، التي كانت تخسرها دائما في الماضي رغم تقديمها التضحيات العظيمة من أجل النصر. وهكذا للمرة الأولى تحسم نتيجة معركة الحياة لصالح الجماهير الشعبية فتتحقق حياة جديرة بأن يحياها الانسان، الذي تكون كل المقدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية في يده. تلك المقدرات التي يعنى سلبها من يد الجماهير، إصدار حكم باستعبادها لصالح الذين استطاعوا سلب هذه المقدرات. وسيكون الذين سلبوا هذه المقدرات اعداء للجماهير الشعبية بغض النظر عن دعايتهم التي سمحوا لأنفسهم بترويجها واستغلالها في ذلك. فسوف يصطدمون بالشعب كلما سلبوا منه سلطته أو ثروته أو سلاحه. وليس للشعب سوى أن يستولي على السلطة أو يقاتلها حتى يدمرها ليخلق من بين اشلائها كيانه الحر السعيد. ولا يمكن للشعب أن يقبل نيابة عنه أو هيمنة عليه، وسيظل يواصل الاصرار على الوصول إلى السلطة حتى يصلها فعلا. وما تشكيل الحركات السياسية والثورية المختلفة وسير آلاف الناس وراءها إلا تعبير عن سعيها المتواصل لتدمير سلطة غيرها عليها، والوصول إلى السلطة مباشرة. فكانت تلك الحركات السياسية والثورية ارهاصات فعليا للثورة الشعبية، ودليلا حقيقيا على جدية السعي الجماهيري للوصول إلى السلطة، حيث يصبح رجل الشارع العادي هو السلطة الفعلية في وطنه وتسقط عنه كل الأدوات القهرية والقمعية التي تحد من فعله.إن مجرد تكوين حزب ومحاولة الوصول إلى السلطة عن طريقه، والوصول إليها فعلا، يدل على أن الجماهير الشعبية تريد الوصول بالفعل إلى السلطة.. وهى بالتالي تتجه كل يوم نحو سلطة وإن كانت لا تمتلك الصيغة العملية لممارستها، لأنها لم تكن تعرف المؤتمرات الشعبية التي تقرر، والجان الشعبية التي تنفذ، مما يجعلها تحجم في كل مرة عن انتزاع السلطة والاحتفاظ بها في يدها، وتبادر إلى إيداعها بيد الأجهزة المستعدة لاستلامها كالأحزاب وغيرها. ولكن بظهور الجان الثورية، وجدت الجماهير الشعبية محرضها الذي سيجعلها تتمسك بالسلطة دون أن تقبل تسليمها تحت أي ظرف، حيث ستقوم اللجان الثورية بتعليم الجماهير أسلوب الحكم الشعبي وأساليب تدمير السلطات التقليدية القاهرة للجماهير. وهكذا ستفرز الجماهير الشعبية القادرين على السير وفق أهدافها، وستكون جاهزة للانقضاض على أعدائها، وقادرة أيضا على إيجاد الطريق المرحلي الذي تنهجه للوصول إلى تلك الأهداف. لقد كنا نرى في الماضي افرادا يقومون بأدوار كان يجب أن تقوم بها الجماهير.. ثم صار الأفراد أحزابا طليعية، واتسعت هذه الطلائع التي تفرزها الجماهير أمامها كمقدمات لتأمين الطريق لها، فتعددت الأحزاب وتكونت الجبهات السياسية الواسعة، وصار من النادر أن ينفرد حزب بالسلطة. إن وراء هذا الاتساع في العمل السياسي الجبهوي والتعدد الحزبي، ارتفاعا لوعى الجماهير وقدرتها على الحركة باتجاه الاستيلاء الكامل على السلطة. إن تثويرا قاعديا جذريا يكمن وراء الاتساع الذي نلاحظه في العمل السياسي العالمي الذي يتسم بالسلمية بدرجة كبيرة. وهو مخاض للثورة الشعبية، التي نعتبرها تكامل التفاعل لوعى الجماهير وطموحها، وأسمى ما تحققه من انجازات في طريق انعتاقها، حيث تتوج بها جميع مراحل نضالها، مسجلة انتصارها التاريخي باستيلائها على ا السلطة والثروة والسلاح، وهو ما تبشر به النظرية العالمية الثالثة الإنسان المعاصر. إننا لا يمكن أن نطعن في أولئك الأفراد الذين جعلوا من انفسهم قنطرة العبور للجماهير نحو أهدافها في السيادة والسعادة.. كما لا يمكن أن نطعن في تلك المنظمات السياسية أو النظريات التي خاضت كفاحا مشرفا على طريق إيصال الشعوب إلى السلطة، وإنما نعتبرها مراحل تاريخية، خاضتها الجماهير معارك أساسية، لتصل إلى بغيتها الفعلية. غير أننا لا نرى لأحد الحق في تمثيل الجماهير وإدارة المعارك نيابة عنها، كما لا نضفي إطار الصدق والمنطق على ادعاءات أولئك الذين يعتقدون بقدرتهم على الاحساس نيابة عنها أو مقدرتهم لاستكناه وجدانها والتعبير عن أمانيها. إن أي فرد- مهما كان مخلصا للجماهير-وأية جماعة، ليس لأي منهما القدرة إطلاقا على التعبير عن أماني الجماهير والإحساس نيابة عنها.. ولا يحق لأي منهما أن يتقمص سيادة الشعب.

إن ضروب الدجل التي تواصلت لتقنع الناس بقدرة أشخاص أو طليعة من الاشخاص على الاحساس باحساسهم، والتعبير عن امانيهم، لم تجعل الناس يؤمنون بحق أي كان في التمتع بالسيادة نيابة عنهم وحرمانهم من حقهم فيها. فلم تفلح جميع ضروب الدجل في اقناع الأفراد ليقروا بعدم أحقيتهم للسيادة. فالسيادة مسألة ذاتية تتحقق للأفراد كل بذاته، فإذا لم تتحقق للأفراد، فهي لا يمكن أن تتحقق خلافا لذلك. وهذا لا يناقض أبداً قيام أفراد معينين بتنفيذ إرادة الجماهير حين يكون هؤلاء الأفراد مؤهلين لذلك وقادرين عليه، ومطلوبا منهم القيام به. كما تفعل اللجان الشعبية التي تختارها الجماهير من بين القادرين على تأدية الاعمال التي تريد الجماهير انجازها وتكلفها بتنفيذ برامجها، وتتابعها وتحاسبها. ولها صلاحية إلغائها واستبدالها.

مثال:- حين يقرر مؤتمر شعبي أساسي بناء مدرسة فإنه يكلف مجموعة من المهندسين وعمال البناء ببنائها. فالقرار من الجماهير، وهو إرادتها الحرة، وقد رأت أن أعضاء المؤتمر ليسوا قادرين جميعا على القيام بهذا العمل، الذي يحتاج تخصصا وخبرة ومقدرة، ولكن هذا العدد من المهندسين والبنائين يملك الكيفية التي يستطيع أن ينفذ عن طريقها إرادة الجماهير. فالنيابة لا يمكن أن تكون حيث الارادة والسيادة حق لكل الناس. ولعل المغالطة الكبرى في هذا هي استغلال المقدرة التي تتوفر لدى بعض الافراد، ليقال بعد ذلك، بعدم قدرة الناس على ممارسة إرادتها وسيادتها، والصحيح هو:إنه”لا نيابة عن الشعب والتمثيل تدجيل”. لأنه لا قدرة لأحد على التعبير عن أماني الجماهير، هذا مع الاقرار بوجود القدرة لدى أفراد على تنفيذ رغباتها المعلنة. فلا يستطيع أحد الدخول إلى ذات جميع الأفراد، كل فرد على حده، ليشعر بمشاعرهم ويحس باحساسهم، أما حين تعبر الناس عن مشاعرها وتعلن أمانيها، فإن الأفراد الذين يملكون القدرة على تنفيذها يكون وجودهم لازما لذلك. ولقد استخدمت النظم السياسية الخلط بين صياغة الأماني الشعبية- التي هي حق الشعب نفسه-وبين القدرة على تنفيذها، لغرض فرض ديكتاتورية تنتزع حق الجماهير في ممارسة سيادتها على مقدراتها بحجة عجزها الفني عن تنفيذ البرامج المترتبة على قراراتها السيادية. ورغم هذا الخلط المقصود أحيانا، فإن الفرق وأضح ولا يحتاج إلى كثير تمعن لإدراكه، فحين نطلب إلى الناس انتخاب نائب عنها، إنما نقوم في الواقع بتزوير إرادتها وتزييف المعادلة المطروحة بجملتها.. حيث إن معنى هذا الانتخاب هو إن الشعب غائب أو غير قادر على ممارسة السيادة وان هذا الشخص المنتخب يستطيع معرفة ما يدور في أذهان العاجزين عن ممارسة السيادة وهو يشعر بمشاعرهم ويحس بإحساسهم، فيحكم نيابة عنهم. إن هذه الفكرة هي أساس الديمقراطية المعاصرة، وهي سبب فشلها أيضا، فها هي تحتضر مخلفة وراءها حربا شنيعة بين الشعوب، وصراعا اجتماعيا داميا بين الطبقات، وانهيارا شديدا لحضارة الإنسان، وخطرا أكيدا يتهدد حاضر العالم ومستقبله. إن برلمانات أوربا وحكوماتها حين توافق على نصب الصواريخ الاستراتيجية وتوزيع الأسلحة الذرية وربما قنابل النيترون الامريكية في بلدان غرب أوربا، تواجهها في نفس الوقت جماهيرها الشعبية بالرفض والاستنكار والمظاهرات، مما يجعلنا نتأكد فعليا بأن الجماهير في واد وحكامها ونوابها في واد آخر، وانه لا علاقة بين قرارات البرلمانات والحكومات وبين إرادة الجماهير ورغباتها. حيث يقوم الحكام والنواب بتنفيذ سياسة ليست سياسة الجماهير الشعبية، وحتى حين تقوم الجماهير بالرفض والاستنكار لا تواجه الا بالاستهزاء والقمع. إنه لا مصلحة لشعب من شعوب أوربا في نشر قواعد الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية من ذوات المدى المتوسط ولا غيرها من أسلحة الدمار الشامل التي تخزن في أراضى الشعوب الاوربية. ولا مصلحة لأي شعب في توزيع القواعد العسكرية على خريطة وطنه ليفقد بعد ذلك حريته ومصالحه الوطنية. ولكن الأحزاب الحاكمة في تلك البلدان، والقوى المتسلطة على جماهيرها الشعبية هي التي تقرر ذلك وتنفذه كترتيبات خاصة بها وسياسة مقررة لديها لمصالحها الذاتية، ولو كانت ضد وجود الجماهير ذاتها. إن هذا لا يجب أن يختلط منطقيا مع اختيار الجماهير الشعبية لموظفين يملكون المقدرة على تنفيذ رغباتها التي اعلنتها بنفسها بشكل مباشر ومحدد. كما لا يجب أن تستمر المغالطة التي تخلط بين القدرة على تنفيذ أماني الجماهير، وبين الادعاء بمعرفة النواب لأمانيها نيابة عنها بعد إرغامها على الغياب. وهكذا نسمع بأن الجماهير تحب الزعماء والحكام، ولا تتردد في تقديم نفسها للموت من أجلهم، لماذا؟ وتكون الإجابة دائما: لأنهم يعبرون عن أمانيها، ويحسون بإحساسها.إن هذا بالنسبة للعالم المعاصر يعتبر أمرا عاديا تقرأه كل صباح عبر الصحافة وتسمعه من الاذاعة، ويواجهك عبر المنشور السياسي، الذي يؤكد بأن حزب كذا، أو الزعيم الفلاني هو الذي يحس بإحساسكم ويعبر عن أمانيكم..”إن الزعيم يشعر كما تشعرون ويحلم كما تحلمون”

إنه دجل مفضوح في الحقيقة، إذليس بإمكان أحد أن يحس باحساس أحد آخر ولا يحلم باحلامه ولا يتمنى نفس أمانيه. ولكن عالمنا المعاصر وهو عالم الدكتاتورية لاشك، يجد تبريرا لها، رغم ارتفاع مستوى الوعي لدى الناس، ورغم ما تم إحرازه من إنجازات علمية عظيمة..ومن الطبيعي أن تشعر الجماهير المضللة والتي جرى استغفالها، بأن حكامها يشعرون لها أو يتمنون عنها، ولكن أولئك الحكام لا يمكنهم أن يصدقوا دجلا كهذا.. أو ينطلي عليهم. إن اعتي الدكتاتوريين والفاشيين هم أولئك الذين توهموا أن مثل هذا الامر قد يتحقق لهم، فكانوا لفرط غرورهم يعتبرون أنفسهم هم الجماهير.. ويعتبرون الجماهير العدو الأساسي للجماهير نفسها. فإذا ما تحول الزعيم إلى معبود للجماهير أو إله لها، فإن الجماهير هي الخاسر الوحيد..إن خسارة الأمة الألمانية كانت بسبب تأله هتلر.. وخسارة الجماهير الصينية كانت بسبب قناعات ماوتسى تونغ، التي سلم فيها بأنه قادر على الاحساس بإحساس الجماهير.. ولعل خسارة الجماهير العربية بعد موت عبد الناصر كانت بسبب قيامه بتحقيق مصالحها نيابة عنها، مما عودها على التسليم لآخرين، فقادها الآخرون إلى خسائر فادحة.

هل يعبر الثوار عن أماني الجماهير؟

إن الثوار لا يدعون بأنهم يقومون بالثورة لأنهم يحسون باحساس الجماهير أو يعبرون عن أمانيها أو يحلمون باحلامها.. إن خطأ جسيما يحدث حينئذ، يتحول الثوار بعده إلى دجالين يستغفلون الجماهير بقصد السيطرة عليها والتحكم فيها. إن الثوار يؤمنون بأنهم لا يعبرون عن أماني الجماهير ولا يحسون باحساسها ولا يحلمون باحلامها. بل إن الجماهير تعبر بنفسها عن أمانيها وتحس باحساسها وتحلم باحلامها.. وتحكم نفسها دون قيود ودون وصاية أو هيمنة من أحد. إن دور الثوار دائما هو تمكين الجماهير من التعبير بنفسها عن تطلعاتها وأمانيها مباشرة، وحصر السلطة في يدها لتصدر قراراتها وتضع برامجها وفق ما تراه لنفسها، وتختار بعد ذلك بنفسها من ينفذ سياستها تنفيذا حرفيا، ويكون من حقها عزله ومراقبته وتوجيهه واستبداله بغيره.فيصبح الشعب هو الرئيس وهو الحاكم، ملغيا بذلك الحكومات التقليدية المتعارف عليها، والتي صار عليها أن تمارس الفشل مرات عديدة في اليوم الواحد، وتقدر نجاحها الوحيد بقاءها في السلطة مدة أطول. لقد حققت الحكومات التقليدية بقاءها في السلطة بالظلم والقهر وباستخدام القوة مثبتة أقدامها على هرم مرتفع من جماجم البشر، يجسد المعاناة التاريخية التي عانتها الجماهير الشعبية عقب فقدانها لسلطة على يد سارقيها من الحكام القاهرين أو المستغلين والدجالين.فلم يكن من السهولة اقناع الجماهير بالقهر والاستغلال، ولكن جميع أنواع الاستغفال والخداع البشرى وعمليات السلب للامكانات المادية والمعنوية كانت قد مورست ضد الجماهير لارغامها على حياة (بيولوجية) منحطة يتناولون فيها طعامهم الغث و يتكاثرون فقط، متخلين مرغمين عن حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لصالح الحكام الهمج والدجالين، ليفرضوا ديكتاتوريتهم على العالم والتاريخ جميعا.. بل لنصل إلى عصر نرى فيه الحكومة التقليدية القهرية نموذجا اعتياديا ومناسبا دون حرج. لقد حقق حكام مثل” فرانكو” نجاحهم الوحيد وهو البقاء في السلطة إلى آخر حياتهم، ولكنهم بقوا بالحديد والنار.إن الانسان يقبل التطويع.. ويتقهقر إذا واجهه الموت بل هو قابل للافناء، ليبقى الحكام في الحكم بلا منازع، هذا هو النجاح من وجهة نظر الحاكمين، أما من وجهتنا فان ما نبحث عنه هو تحقيق حياة جديرة بالتمتع بها.. أم أن هذه الحياة مستحيلة؟. هل تتحقق آدمية الانسان.. أم أن ذلك بعيد المنال؟ هذه القضية هي جوهر الاختلاف بين أنظمة الحكم المتعددة عبر خريطة العالم وبين النظام الجماهيري. فلقد تعودت الناس الأسلوب القديم في الحياة السياسية، واعتقدت أنه النموذج الوحيد القابل للتطبيق، حتى إذا قدمنا النظام الجماهيري الجديد، لم يعد بالسهولة استيعابه وفهم قواعده فهما سليما، حيث الناس يقيسونه بمقاييس المجتمع التقليدي القديم، فلا يستسيغون مثلا أن مجتمعا يقيم دولة دون رئيس.. ودون حكومة حديدية متحكمة قاهرة فوقه.. فإذا تحققت ثورة تقدمية واتخذت نهجا جماهيريا، فإن الصفة التي تطلق عليها هي الدكتاتورية، تشبيها لها بالانقلابات التي تحدث في هرم السلطة ويطلق عليها لفظ ثورة. دون أن يكلف أحد نفسه مشقة الاطلاع على الطرح الفكري والتطبيق العملي للشعارات الجماهيرية المرفوعة التي تحدد.. بأن السلطة للشعب.. والديمقراطية هي الحكم الشعبي.. وإن البيت لساكنه. وإن الثوار الجماهيريين لا يؤمنون بأنهم يعبرون عن الشعب لكنهم يؤمنون بأن الشعب يعبر عن نفسه. وإن واجبهم هو تحريض الجماهير الشعبية على خلق الظرف التاريخي الذي يمكنها من التعبير عن أمانيها مباشرة واختيار من ينفذ قراراتها، وكذلك مساعدة الجماهير الشعبية ودفعها لتحقيق ذلك بالاستيلاء على كامل السلطة ومصادر القوة في المجتمع. إن الثوار الجماهيريين هم مجرد دعاة.. ومعلمين ومبشرين بحياة جديرة بالإنسان، ولائقة بحضارة نظيفة وسليمة يعيش الانسان في ظلها حرا وسعيدا.

* وفي المجتمع الجماهيري يكون الشعب هو رئيس الدولة، فضد من تكون الاحتجاجات أو المظاهرات؟ وضد من تنظم الأحزاب السياسية؟ هل هي ضد رئيس الدولة، الشعب؟.. لسلبه سلطاته، وهو أمر لا يتجرأ أحد على اعلانه! أم هي ضد الثورة الجماهيرية؟ حيث يقوم الذين تضرروا من سيادة الشعب وهيمنته على مقدراته، بمحاولة ضرب الظرف التاريخي الذي مكن الجماهير من التحرر والتعبير عن أمانيها وأحلامها بنفسها، لينصبوا أنفسهم حكاما ومعبرين عن أماني الجماهير وأحلامها. إن العمل ضد سيادة الشعب وسيطرته على السلطة هو عمل خياني قذر لا مبرر له، إلا الانحطاط الأخلاقي والتدهور الروحي الذي يعانيه أفراد أنانيون، تدفعهم مصالحهم الخاصة، وجهلهم بالقيم الثورية والمثل النبيلة، التي تجعل أفرادا آخرين في المقابل يضحون بمصالحهم وبأنفسهم من أجل الجماهير الشعبية ولحماية سلطتها وتأكيد سيادتها. إن صراع الأدوات السياسية التقليدية على السلطة بأشكاله العديدة، من انقلابات.. ومظاهرات.. واطاحة.. واسقاط برلمانات.. وسحب ثقة من حكومات وتنصيب أخرى، هو صراع عابث لا جدوى منه، ولايهم الجماهير الشعبية في شيء اطلاقا، لأنه مجرد صراع سلطوي ببن أدوات سلطوية.. تديره لتنتصر فيه واحدة وتلغى الأخريات، بمعزل عن الجماهير الشعبية، التي سنكون خاسرا دائما لا أمل له في الخلاص. إن الصراع الجدي الوحيد هو صراع الجماهير الشعبية ضد جميع أدوات الحكم- من أفضل أداة حكم إلى أسوئها- بما في ذلك الأدوات الصديقة للجماهير. لأن الصراع لم يعد يستهدف فرز النافع من غير النافع من تلك الأدوات، ولكنه يستهدف ايصال الجماهير إلى السلطة وإلغاء سلطة الأدوات.إن انتصار أداة حكم ووصولها إلى السلطة يعني قيام الدكتاتورية وسقوط الجماهير الشعبية في فبضة سلطة ليست بيدها. فإذا كانت الأداة المنتصرة معادية للجماهير، فإن حكمها المعادي معروف منذ البداية ولاخلاف فيه، أما حين تكون الأداة المنتصرة صديقة للجماهير، فإنها ستمارس الدكتاتورية باسم الجماهير وباسم مصالحها وستفشل في تقمص هذا الدور حتما مما يقلبها إلى أداة قمع تصطدم بالجماهير عند بروز التناقض بين احساس الجماهير واحساسها. إن الأداة السلطوية الصديقة للجماهير تعتبر نفسها مسئولة عن الاحساس نيابة عن الجماهير، وإن احساسها وتطلعاتها جميعا لصالح الجماهير، والمنطقي هو أن للجماهير احساسها الخاص، بل من المستحيل أن يحس أحد باحساس آخر مهما كان قريبا منه. وحين تكتشف الأداة السلطوية أن احساس الجماهير مختلف عنها فهي تعتبره موقفا عدوانيا ضد السلطة الصديقة للجماهير وبالتالي عملا معاديا للجماهير، ومن هنا يتوفر المبرر لضرب الجماهير ذاتها. إن المشكل ليس صراعا مجردا بين أدوات الحكم الصديقة للجماهير والأدوات المعادية لها، بل هو صراع فعلى بين جميع هذه الأدوات- الصديقة والمعادية- من جهة، وبين الجماهير الشعبية من جهة أخرى. إن انتصار أية أداة حكم ووصولها إلى السلطة يعنى هزيمة الجماهير الشعبية، وبالتالي هزيمة الحرية والديمقراطية، لأن انتصار أداة حكم يعنى قيام الدكتاتورية، مهما كانت هذه الأداة صديقة للجماهير. أما إذا انتصرت الجماهير فإن ذلك يعنى انتصار الديمقراطية. ويكون واجب الثوار هو اذكاء الصراع. وتفجيره في كل مكان، ملقين بثقلهم وقوتهم إلى جانب الجماهير الشعبية مما يؤدى إلى هزيمة جميع أدوات الحكم، صانعين من هزيمة الدكتاتورية انتصار الجماهير الشعبية التاريخي وانتصار الديمقراطية.

* إن هذا الطرح ليس جديدا من حيث المنطق التفسيري(الفلسفي) فهو أمنية الانسان وتطلعه منذ كان، ولو راجعنا وجهات النظر الفلسفية عبر التاريخ لوجدناها تحمل هذا المعنى أو شيئا مقاربا له.. فحتى(هوبز) الفيلسوف الانجليزي المعروف بمناصرته للملكية ضد الجمهورية، والذي تعتبره الدراسات الفلسفية والاجتماعية نصيرا للملوك ومعاديا للجماهير الشعبية، كان قد نادى في واقع الأمر بأن السلطة لا يمكن أن تتجزأ. وهو ما فسر له تفسيرا سطحيا، فاعتبر مناصرا للملوك، في حين أنه قال بعدم جدوى مشاركة الملك في السلطة.. ولقد وقف(هوبز) ضد البرلمان الذي شارك الملك تشارلز السلطة في بريطانيا بسبب تحليله الخاص عن عدم تجزؤ السلطة. وثبت بعد ذلك صدق تحليله حين أدى تجزؤ السلطة إلى حرب أهلية في بريطانيا.عرف(هوبز) أن الملك يجسد السلطة- في ذلك الوقت- وإنه لا فائدة من تقسيم السلطة وتدريجها بحسب الاختصاصات، لأن المسألة ليست كما يراها المحللون السياسيون، بل هي أعمق من ذلك كثيرأ، فالصراع الجاري حاليا كانت تفاعلاته قد تراكمت منذ أن تجزأت السلطة ببن الملك والنواب. والحل العلمي والسليم هو أن تمارس السلطة ككل من طرف جهة واحدة.. وحيث لم يكن الشعب مطروحا كأداة حكم في المجتمعات القديمة، وليس من الممكن أن يتنحى الملك لأحد، طرح هوبز الملك وحده أداة للسلطة. ولم يحظ طرحه هذا الا بتفسيرات سطحية وصمته بأنه مضاد للديمقراطية، لأنه مضاد للنواب!. وبأنه داعية للدكتاتورية بسبب دعوته إلى انفراد الملك بالسلطة، ولكن صار بإمكاننا الآن أن نقول بعدم تجزئة السلطة، وإن السيادة لا يمكن أن تتجزأ، وإن أية تجزئة لها هي تحطيم لها. ولكننا نطرح أن تتجسد السلطة والسيادة في الشعب، بأن تقوم الجماهير الشعبية بإلغاء أية أداة للسلطة من ملوك ونواب.. وأحزاب. ان الحزب جزء من الشعب وسيادة الشعب لا يمكن تجزئتها، فحين يدعى حزب بأنه يمثل السيادة فهو في الواقع يحطمها ويدمرها. فالسيادة تمارس كاملة.. أولا تمارس.. فإما أن تمارسها الجماهير، وتكون سيادة حقيقية وكاملة، أو تزيف بممارسة فرد لها أو بممارسة حزب أو جبهة أو مجموعة أحزاب. ان تحديد أداة السيادة تحديدا لا يقبل المشاركة هو الحل السليم، فلا توجد مشاركة شعبية في السلطة، فإما أن يمارس الشعب السلطة كاملة.. وإما أن يمارسها غيره.. ولا وسط على الاطلاق. فسيادة الشعب لا تتجزأ ولا يمكن التنازل عنها أو عن جزء منها. ولذلك يكون الحل العلمي السليم هو أن يمارس الشعب سيادته كاملة وينفذ سلطته مطلقة دون شريك له فيها. فلا يجوز مثلا أن يؤتى بفرد، ويمنح نسبة في السلطة والسيادة 25% مثلا لأنه ممتاز ومخلص أو متفوق. ولا يجوز أن يؤتى بجهة ما وتمنح أي قدر من السلطة مهما كان ضئيلا ومهما كانت الأسباب الداعية إلى ذلك. فإذا حدث شيء من هذا فليس سوى عبث لا يجب أن يستمر حتى ليوم واحد. إن رؤيا(هوبز) عن السلطة صحيحة من الناحية النظرية، فقد ثبتت استحالة تجزئة السلطة وتجزئة ممارسة السيادة. خاصة وإن الذين يمارسون السيادة سيتكفلون بسن القوانين، ومن المعروف في نظرية القانون(إن القانون تجب طاعته)، ويحاسب أولئك الخارجون عن القانون والمخالفون لنصوصه كمجرمين، وهى مشكلة معقدة أخرى تضاف إلى المشكلة التي ذكرناها وهي تجزئة السيادة. إن المواطن الخارج عن القانون والمتمرد عليه لديه المبررات التي تجعله يفعل ذلك، دون أن يسمح بوصمه بالأجرام وبالخروج عن العدالة. فلماذا يخرج المواطن عن القانون؟ فلو كان القانون شيئا جميلا، فلماذا لا يتبعه المواطن؟ إن المواطن حقيقة يحس بالتناقض بينه وبين القانون ويرى بأنه غير عادل، وبالتالي لا تجب طاعته وإنما يجب التمرد عليه ومخالفته. لكن القوانين تقول بارغام هذا المواطن على طاعتها، ولو بقطع رأسه واعدامه. إن اغتصاب الطاعة هنا رغم أنف الجماهير الشعبية هو يحد ذاته أزمة حقيقية لا يمكن تجاهلها في الفكر السياسي والاجتماعي. إن آلاف الناس يموتون كعقاب لهم على خروجهم عن القوانين، وهم يسألون لماذا يجب أن نطيع القوانين؟. فيجابون.. لأنها عادلة! إن الناس يسلمون معنا بأن(القانون يجب أن يطاع) ولكن هل معنى هذا أن القانون لا خطأ فيه؟ ولكنهم يقولون هل المطلوب منا

مثلا:- أن نطيع تلك القوانين التي صنعها النواب والوزراء والحكام والأمراء؟ وباعوا بها أوطاننا وكرامتنا وحرياتنا، وصاغوا خلالها مصالحهم المادية مواد محددة وبنودا مبوبة.. ووضعوا أنفسهم في وضع الحصانة القانونية التي لا يجوز المساس بها لا قولا ولا عملا كالعبارة التي ترد عادة في بعض الدساتير” الملك مضون.. وغير مسئول” أو “ظل الله في الأرض” أو كتلك الاتفاقيات المجحفة التي تفرضها دولة كبرى على شعب صغير، أو كتلك القوانين السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.. التي تمايز بين الطبقات، وتجعل طبقة تعمل كعبد لطبقة أخرى وتضع أراضي الدولة كلها ملكا لطبقة محدودة من أفراد المجتمع. وقوانين العمل وعقود الايجار التي تمنح حقوق العمال والأجراء لآخرين لاحق لهم فيها… الخ. هل يطلب إلينا أن نطيع القوانين؟ هل أعمل عشر ساعات وأسمح لآخر وفقا للقانون أن يسرق منها خمساً؟ هل أسمح لنفسي بالبقاء في الصحراء بلا مأوى، وموارد بلادي كلها حكر على عدد محدود من الناس، فإذا حاولت الحصول على بيت، ساقوني إلى للمحكمة وحوكمت بالسرقة لأنني اعتديت على عمارة الرأسمالي، الذي يملك عشرات العمارات من ثروة بلادي وعرق عمالها؟.. كيف تطاع مثل هذه القوانين؟ إن الناس في الواقع لا يرون مبررا لطاعة القوانين سوى الخوف! وإذا لم يكن كذلك، فكيف نفسر قبول الناس للقوانين التي تصدر عن حزب يستولي على السلطة متضمنة أنه صاحب البلد بلا منازع؟. وإن رئيس الحزب هو رئيس الدولة وقائد الجيوش، الذي بيده مفاتيح كل شيء. ولو خالفه أي من المواطنين أو حتى استفسر عن هذه الوضعية غير المنطقية، اعتبر بالقانون متمردا ومعارضا ومعاديا.

إن الخرف وحده هو الذي يجعل الناس تطيع القوانين رغم عدم اقتناعها بها. بينما تطالبهم كتب الأديان السماوية والوضعية وعلوم الاجتماع والتاريخ والنفس كلها، بطاعة القانون، لأنه عادل.

ولكن الناس يعرفون بأن القوانين ليست عادلة. وقد وضعتها أدوات مشكوك بنزاهتها، وليست مؤهلة بطبيعتها لوضع قوانين عادلة.

* فمن أين يأتي القانون العادل الذي تجب طاعته، ونعامل الناس وفقا لمضامينه؟.. إنه القانون الذي يصنعه الناس بأنفسهم لأنفسهم. فيضعون قوانينهم المعبرة عن مشاعرهم وأحاسيسهم والمتضمنة لأمانيهم وطموحاتهم. حاملة رؤاهم للحياة الخبرة التي يرغبون. وحين يصوغ الانسان القانون بنفسه ولنفسه، فإنه لا يجد مبررا لعدم طاعته، لأنه سيكون في نفس الوقت قادرا على تعديله وإلغائه أيضاً، فلا شيء يجبره على اتباعه سوى رغبته في تطبيق القانون ذاته.

* ولكن كيف يتسنى ذلك من الناحية العلمية؟ أي كيف يمكن للجماهير الشعبية أن تصوغ كلها قانونها الذي تريده، لكي تطيعه؟ لقد أصبح هذا ممكنا من الناحية العلمية عن طريق المؤتمرات الشعبية، حيث تقسم الجماهير الشعبية نفسها جغرافيا إلى مؤتمرات شعبية، ويعرض الأمر عليها فيكون لجميع الأفراد حقهم في ابداء وجهات نظرهم، ليصاغ بعد ذلك قانون جماعي من خلاصة آراء جميع المؤتمرات الشعبية، فيكون هذا هو القانون العام الذي سيطيعه الناس لأنهم صنعوه لأنفسهم برغبتهم فلا يعارضونه ولا يتمردون عليه، ولا يشكون في مصدر تشريعه، فإذا ظهر خطأ بعد ذلك في هذا القانون فإن المواطنين الذين صاغوه أنفسهم يملكون حق تعديله ونقضه وإلغائه، أو استبداله بقانون غيره. إنها الطريقة الوحيدة لمعالجة أزمة القانون علاجا حقيقيا ومنطقيا. وهى الوسيلة الوحيدة أيضاً لبناء حياة جديرة بأن يتمتع بها الإنسان.

قيمة الإنسان

مدخل

هل للإنسان قيمة؟

إن قيمة الإنسان في العالم المعاصر تقاس بما يملك.. أي أن قيمة الانسان في العالم المعاصر تقاس بما لديه من مال، فمن يملك مالا وفيرا، ارتفعت قيمته ومن كان فقيرا فقد أية قيمة.

وقضية قيمة الانسان ذات صلة وثيقة بمبحث الاخلاق وموضوع الفنون، وثلاثتها موضوعات تفسيرية اكثر منها أمورا عملية. ولكنها تفسر الجانب العلمي للحياة، كما تفسر تاريخ منطقة معينة لأنها تعتبر تاريخا بشكل من الاشكال وبسبب علاقتها بالتكوين القومي للمجتمع، على أن العامل القومي والعامل الاجتماعي هما محركا التاريخ وأساسا الحركة الايجابية للجماعة الانسانية وهو أمر ذو علاقة وثيقة بموضوع الوحدة القومية للامة.. وبموضوع مواجهتها للتحديات الخارجية والاستعمار.. وهو تفسير علمي يقطع الطريق على قيام الإمبريالية، بدحضه للتفسيرات المادية التي تبرر ظاهرة الاستعمار الجديد وهى ما يحاول النظام القائم على رأسمالية الدولة مقاومتها، ولكنه يقدم بدلا عنها بديلا امبرياليا هو الآخر تحدده الدعوة الى تجاهل العوامل القومية والدينية كأساس لحركة الاجتماع الإنساني.

انه إذا كانت الرأسمالية قد وصلت في استغلالها وهيمنتها الى مرحلة عالمية، بحيث تعاملت مع الاقتصاد العالمي كما لوكان ملكا خاصا بها، مقتصرا على الاستجابة لمتطلبات نشاطها الخاص، محققة ما عرف بالامبريالية الدولية، فان أطروحة الاممية هي بكل موضوعية امبريالية جديدة.

فحين نناقش موضوع الاممية دون أن ننحاز عاطفيا لأنفسنا أو لغيرنا، ونتعمق بجرأة في مناقشة قضايا كالاممية الدينية أو السياسية أو الاقتصادية، فأننا نصل إلى أن الأممية هي شعار إمبريالي.. يحقق إمبريالية جديدة بدلا عن تلك المتعارف عليها في السابق..

فالتوسع الامبريالى هو عدم احترام حدود الغير.. الجغرافية والقومية والدينية.. بقصد تحقيق مكاسب لا يمكن تحقيقها إلاعلى نطاق أوسع. فالرأسمالية تزدهر حين تقوم المؤسسات الرأسمالية بعمليات استغلال واسعة النطاق تستولي خلالها على ثروات الشعوب دون اهتمام بأديانها أو أعراقها أو حدودها الجغرافية.

ولقد كانت الحجة التي تقدمها الرأسمالية بين يدي عدوانها على الشعوب، إن الشعب الذي يمتلك ثروة ولا يستطيع استغلالها لمصلحته، يجب عليه أن يسلمها للقادرين على استغلالها من الرأسماليين. بل أن الرأسمالية وصلت في ذلك الى أبعد مستوى حين طرحت ان الرأسمالية النشطة لا يمكنها ان تراعى أصحاب الثروات الكسالى العاجزين عن عمل شئ مفيد، فقد كانت قناعات هتلر والنازية أن الكرة الأرضية هي للجميع، ولامبرر لاحد ليحتفظ لنفسه بأي قطعة منها لأي سبب من الاسباب القومية أو الدينية أوغيرها. فالشعب الألماني النشط من حقه أن يتوسع حتى حدود مجاله الحيوي، دون مراعاة أي شيء آخر. انه من السذاجة ان يتفرج شعب نشط على شعب آخر غير مستغل لثروته دون ان يكتسحه ليستغل الثروة التي لديه. أي أن الأقوياء يجب أن يبسطوا نفوذهم على حساب الضعفاء. ليتجاوز الاستغلال حدود الامة الواحدة فينشأ بذلك استغلال أممي متجاوز للحدود القومية والدينية والسياسية وهو ما اصطلح على تسميته بالإمبريالية.

كذلك فإن تجاهل القوميات والأديان بالدعوة الى الأممية، سيؤدى الى تدمير حضارات وفناء كيانات.. ونشوء صراعات بغض النظر عن المضمون الفكري للدعوة الأممية دينيا كان أم غير ديني، فالأممية بعدم احترامها للحدود بين القوميات والديانات والكيانات السياسية ستخلق وضعا يسوده قانون الغابة حيث يسيطر الاقوياء القادرون على الضعفاء العاجزين ليفرضوا معتقداتهم ويحققوا مصالحهم دون مراعاة لأي شيء آخر.

ان ذلك لا يمكنه أن يكون وضعا سليما لانه ليس وضعا طبيعيا، وبالتالي فهو يؤدى الى انهيار كامل للسلام في العالم، على نقيض ما يدعيه دعاة الأممية باعتبارها نظرية للسلام بين البشر بحجة أنها مضادة للامبريالية فحين تتهدد مصالح شعوب وأمم وأديان.. فإن أصحاب هذه المصالح القومية والدينية سيقاتلون من أجل مصالحهم وضعا امبرياليا يسعى الأقوياء لفرضه عليهم.. مما يخلق وضعا متأزما ومتفجرا بين أولئك الذين تضررت مصالحهم وتهددت كياناتهم وبين الذين أضروا بهم دون أن يلتفتوا الى المبررات النظرية التي تبرر هذا الوضع. حيث ان تلك المبررات لا تعدو كونها محاولة لتبرير امبريالية جديدة.

لقد وجب ان نضع نظرية جديدة تخلص العالم من العسف والاستغلال، فتؤدى الى انعتاق حقيقي للشعوب في كل مكان، فتنتصر الحرية بممارسة الديمقراطية الشعبية المباشرة لتتحقق آدمية الإنسان، دون ان نقع في براثن امبريالية جديدة.

فنحن لا ندعو الى اقامة جماهيرية واحدة في العالم كله، ولا نعتقد أن ذلك يمكن أن يتحقق، ولكننا ندعو الى حياة الحرية باقامة جماهيرية في كل مكان على حدة .

فبحسب التقسيمات الجغرافية والسياسية على الخريطة العالمية التي رسمتها قوى الاستغلال والدكتاتورية والإمبريالية يمكن أن تقام جماهيريات شعبية ليحل عصر الجماهير بدلا عن عصور الدكتاتورية والفاشية، فيحل بحلول عصر السلام الحقيقي بين البشر، حيث ستختفي الجيوش النظامية وسيختفي الأفراد الذين يصدرون الأوامر للجيوش باجتياح أراضى الغير واجتياز حدودهم.

وتسود الروح الديمقراطية الشعبية فيحل الشعب المسلح بدلا عن الجيش النظامي. ان الشعب المسلح بطبيعة الحال سيكون دفاعيا على نقيض الجيش النظامي الذي يعد أداة مناسبة للهجوم بفعل حجمه المحدود والمناسب للحركة والمجهز للقيام بعمليات التعرض العسكرية التي تشجع على الغزو والاحتلال، واجتياز حدود الغير بالعدوان.

ولعل جميع عمليات تهديد السلام وجميع أنواع العدوان قد اقترفتها الجيوش بكاملها، دون ان نسمع عن شعب خرج من أرضه بالكامل ليغزو شعبا آخر ويحتله. سوى في فترة الهجرات التاريخية المعروفة، حيث تترك بعض القبائل أراضيها القاحلة لتتجه الى حيث الخصب، وهى مرحلة انتهت الا من ذاكرة التاريخ.

مؤشرات أساسية :

إن الأخلاق والفنون وبالتالي قيمة الإنسان تتأثر بشكل مباشر بأمور ثلاثة هامة هي السياسة، والاجتماع، والثورة. ولذلك فهي تختلف كلما خضعت لتأثير عامل منها دون العاملين الآخرين، أو كلما نظر اليها من خلال زاوية من هذه الزوايا المختلفة. فينبغي لكل منا أن يفهم قيمة الانسان وتلك القيم جميعا عبر كل زاوية من هذه الزوايا، حيث إن جهلها يعد ضعفا يؤدى الى الهزيمة العقائدية والنظرية التي تؤدى بدورها الى هزيمة سياسية واقتصادية وعسكرية. فمن زاوية علم الاجتماع ننظر الى هذه القيم كما هي دون تغيير، فعلم الاجتماع لا يدرس امكانية تغيير هذه القيم ولا ما ينبغي لها أن تكون، وانما يدرسها كما هي متحققة في الواقع المعاش. فهو لا يأتي بجديد وانما يكشف عن الواقع الاجتماعي المتيقن الوجود. وقد يخدع الثوريون الذين يدرسون تلك القيم اجتماعيا اذا لم يكونوا على دراية سياسية وثورية، حيث أن الدراسة الاجتماعية لا تخلص إلى أصدر أحكام قيميه بحق الظواهر الاجتماعية موضوع الدراسة، فليس لها ان تحدد الخير والشر أو الحلال والحرام. فذلك ليس مجال علم الاجتماع الذى يتناول الموجود بشكل طبيعي دون أن يغيره، فهو يدرس الظواهر التي ربما تكون قد شهدت تطورات سلبية حتى فسدت كما تفسد المادة المتخمرة، ثم تنحرف بعد ذلك نتيجة تخمرها.

ان قيمة الإنسان في مجتمع استغلالي متخلف أو تسيطر عليه الرأسمالية والطبقات الاجتماعية الرجعية العميلة لها يكون أساسها المال..

حيث النظام الاجتماعي في مجتمع كهذا يقرر بأن قيمة الانسان تكون بقدر ما لديه من أموال، فيعترف هذا المجتمع بكل طرق السلب والنهب والاستغلال للحصول على المال بغرض احراز قيمة.

فحين يسود قانون الغاب فان أكثر الأفراد قيمة هو الاكثر شراسة ووحشية وبالتالي، فان الغش والسرقة واستغلال جهد الآخرين تعد أمورا مباحة في مثل هذا المجتمع ليصل متقنوها الى احتلال حيز من القيمة يناسب ذكاءهم وحذقهم وقدرتهم على جمع أكبر قدر من المال.

ان الذين يعيشون في مجتمع يمارس الدجل السياسي يعرفون أن أكثر الافراد قدرة على الكذب والنفاق والديماغوجية هم الذين يصلون دائما الى السلطة، لانهم يجيدون القفز على جميع الحبال دون أن يصابوا بأذى.

ولقد عرفنا في العالم الثالث اندثار حركات التحرر الحقيقية وبروز مجموعات من عملاء الاستعمار الأوروبي مكانها، دون أن تفسر تفسيرا عميقا كيف استطاعت حركات رجعية أن تصمد حتى النهاية لتقطف ثمارا لم تبذل جهدا في إنباتها أو إنضاجها، ولكن الذين عاصروها أو علموا حقيقتها أدركوا ان الحركات الرجعية ليست سوى مجموعات من العملاء المنافقين أشبه بقطيع من القطط يسيرون على الحبال أو يتسلقون الجدران، دون أن يحملوا في جرابهم شيئا من القيم الوطنية أو التقدمية، ودون ان تسمع يوما بأن قطا قد انكسر لانه تسلق جدارا.

ان علم الاجتماع لا يصنع أخلاقا، ولكن الواقع الاجتماعي يصنع أخلاقه، ومن هنا فان أوضاع الاستغلال قد جعلت سلب جهد الآخرين واستغفالهم وقهرهم عملا أخلاقيا مقبولا في ظلها، يصرح به القانون وتسمح به السلطات السياسية وتوفر جهدا خاصا لحمايته.

ان كل شيء في مجتمعات الاستغلال يعلن عن مستغل فاللافتات والشوارع والمباني تعلن عن وجود السارقين والناهبين من شركات الإنشاءات والمقاولات والمتاجر التي تملك رخصا قانونية في مزاولة استغلالها..

ان أي مواطن في العالم يمكنه أن يقرأ مئات الاعلانات التي تعد أخلاقية ومشروعة في عالم الاستغلال من تلك التي تدل على بيوت للايجار أو اراض للبيع أو مواصفات لخادمة منزلية، مقرونة بهاتف صاحب الاعلان أو صندوق بريده حيث لا يضطره شيء الى الاختفاء والتستر، فالمجتمع لا يعتبر مثل هذه الإعمال مشينة أخلاقيا أو ملاحقة قانونا!..

ان كل مجتمع استغلالي في العالم المعاصر يتضمن طبقة من المستغلين والسراق الذين يستحوذون على ثرواته المادية وممتلكاته وامكاناته كلها ثم يحددون علاقة ظالمة مجحفة تربط بينهم وبين باقي الأفراد، دون أن يشعروا بحرج أخلاقي أو يواجهوا بمقاومة قانونية من حيث إن ذلك كله مباح ويعد مقبولا من الناحية الاخلاقية المعمول وفقها من جميعمجتمعات الاستغلال. بل انهم يعلنون عن مشروعية ذلك وقانونيته بحمل رخص تسمح بممارسته.

ان قيمة الإنسان في عالم الاجتماع لاتنبئنا عن قيمته الحقيقية التي كانت له قبل فساد المجتمعات الإنسانية أو تكون له بعد تدمير هذه المجتمعات. كذلك فان السياسة لا تقدم لنا صورة حقيقية عن قيمة الإنسان. كما تعتبر الفنون في مجتمعات الاستغلال عن الوقع الموجود أوهي تكون صورة عنه وتقوم بتبريره من خلال جميع النماذج الفنية المتاحة.

أما علم السياسة فهو لا يقدم الاشياء كما هي ولكنه يتدخل فيها بغرض استغلالها سياسيا، فتناوله للظواهر الاجتماعية تناول مزيف، إذ ليس من مصلحة السياسة أن تقدم الأمور على حقيقتها وخاصة تلك التي تضر بالسياسة فتكيفها لمصلحتها بتزييفها وهكذا تتعرض جميع الظواهر الاجتماعية لتزييفها من قبل السياسة. فالحكومات تمارس تزييف الظواهر الاجتماعية لاستغلالها سياسيا فتخدع أفراد المجتمع بأن تغييرا ايجابيا يجرى احداثه في المجتمع في الوقت الذى تقوم فيه بعمليات تزييف سياسية للواقع الاجتماعي بقصد توظيفه لمصلحة النظام السياسي القائم.

ان خلطا تحليليا يحدث بين التزييف السياسي للواقع الاجتماعي وبين البحث العلمي في الظواهر الاجتماعية. سببه فقدان المنهج الفقهي الثوري الذى يضع مواصفات التحليل العلمي للواقع الاجتماعي، فبغياب الفقه العلمي الثوري سيطر منهج التزييف السياسي في التحليل الاجتماعي واستطاع ان يطيل عمر النظم الدكتاتورية الفاشية المعادية للجماهير الشعبية، بخلط الرؤى الفكرية وتفريغ النضالات الشعبية من محتواها الثوري الجذري المتجه نحو تدمير الهياكل الاجتماعية الظالمة التي بنتها القوى الاجتماعية الرجعية في المجتمعات الإنسانية..

وهكذا فان وجود ثوار يتسلحون بفقه ثوري علمي هو ما يجب ان يتوافر قبل كل شيء لإلغاء المنهج التزييفى في تفسير الظواهر الاجتماعية، وكذلك لكشف زيف التركيبات الاجتماعية المعادية للتقدم والحرية.. وزيف الديمقراطية التقليدية المعاصرة.. ذات المفهوم الشكلي في التعامل مع المشكل السياسي عموما ومع حرية الافراد بشكل خاص. ولكشف حقيقة الدكتاتورية والعسف والاستغلال والتجهيل في المجتمعات الإنسانية المعاصرة..

فيقومون بتحريض الجماهير على الثورة ضد هذه المجتمعات الرجعية لتدميرها واقامة مجتمع جماهيري. خال من الظلم والتخلف.

ان فقها ثوريا علميا تدرسه مجموعة من الثوار ويعلمونه للجماهير هو أخطر ما يواجهه النظام الاستغلالي العالمي المعاصر، لانه العامل الوحيد الذى يخلق مواجهة حادة مع هذا النظام لينسفه نسفا جذريا لمصلحة الشعوب ولمصلحة الحرية والتقدم والاشتراكية.

ان القوى الاجتماعية الرجعية تدافع عن الواقع الإجتماعي القائم وتحافظ عليه لتبرر عن طريقه وجودها ومصالحها. فهي تتخذه حجة وسندا لمقاومة وإجهاض عمليات التغيير التي تستهدف مصالحها،كما أنها تستخدمه أداة قمع للقوى الثورية بهدف منع حدوث عمليات التغيير الثوري، بل تجريمها باعتبارها عملا غير شرعي يترتب عنه انهيار النظام الاجتماعي كله وبالتالي انعدام الامن والنظام، ويستدلون على ذلك بأن المجتمع كوحدة واحدة، لا يمكن المساس بطرف فيه دون تأثر الاطراف الأخرى. وقد بنى المجتمع بشكل كلى متماسك بحيث ان أي عملية تبديل مهما كانت بسيطة تجر وراءها انهيارات متتالية لا تلبث ان تغير المجتمع تغييرا كليا.. ولذا فان القوى الاجتماعية الرجعية لا تسمح حتى بأجراء تغيير جزئي في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة لأنها تعرف ان ذلك سيؤدى الى تغييرات أعمق في جميع البنى الاجتماعية ذات العلاقة بذلك.

فهم لا يسمحون إطلاقا بإجراء تغيير في علاقات الملكية مثلا مهما كان التغيير بسيطا..ان الرجعية تستخدم القيم والأخلاق السائدة بالمجتمعات الرجعية لتبرير العلاقات الظالمة التي تستغل من خلالها الإنسان المسحوق في هذه المجتمعات.. كما أنها تقاوم القيم الجديدة والعلاقات العادلة باعتبارها سلوكا اجراميا مضادا للمجتمع وقيمه وعلاقاته.. وباعتبارها بدعا ضالة.. وضارة بالحياة الاجتماعية والمصالح العامة..

وتستخدم الرجعية الدين أيضا، وفق مصلحتها لتحارب عن طريف عمليات التغيير، مثلما اختلفت مقولتها التي نسبتها الى النبي محمد عليه السلام ونصها “كل بدعة ضلالة.. وكل ضلالة في النار…

فإذا كان النبي محمد عليه السلام قد قال ذلك فإنما يريد البدع الدينية الضارة بالعقيدة، كإسقاط الصلاة أو الصوم أو الجهاد في سبيل الحق أو غير ذلك من التبديل والتحريف كأن يبتدع مبتدع بأن الصلاة مرة واحدة في اليوم أو ان الصيام عشرة أيام في السنة عوضا عن شهر “الا ان القوى الاجتماعية الرجعية تحرف الكلام عن مواضعه وتسخره لاستعباد البشر وتثبيت الاستغلال بالقضاء على مبادرات الافراد والجماعات في التخلص من الواقع الظالم الذى يعانون منه، فهم يحاولون ان يجعلوا من عبارة كهذه ينسبونها الى نبي أو يزجونها في كتاب من كتب الاديان المختلفة نصا قطعيا بتجريم أي محاولة للتحرر من هيمنة الرجعية واستعبادها وقهرها للبشر، فبتجريمهم لكل جديد، تصبح الحرية جريمة والاشتراكية جريمة والجماهيرية جريمة بينما تستمر القوى الرجعية في ابتداع كل جديد لممارسة اجرامها التاريخي في قهر الإنسان، فهي تزيف الأديان وتشوه القيم وتخلق علاقات الظلم دون توقف، موهمة الناس بأن ذلك كان هكذا منذ القدم، لتغيب وعى الجماهير فتشل بذلك قدرتها على مواجهة الاستغلال.

ان الرجعية تدافع عن مصالحها الخاصة وتنطلق في ذلك من اعتبار الواقع الاجتماعي الذى خلقته قاعدة صحيحة يجب احترامها ولا يحق لاحد اختراقها.

وتقوم في ظل ذلك بتزييف الواقع الاجتماعي أيضا واستغلاله لمصلحة نظامها السياسي، فالرجعية لا تكتفي فقط باستغلال الواقع الاجتماعي بل أنها تقوم بعملية فرز لجزئيات هذا الواقع الاجتماعي، حيث تبقى على الاجزاء المناسبة لمصلحتها، وتزيف الأجزاء الأخرى بما يناسبها.

ان عمليات الفرز هذه وعمليات التزييف التي تواكبها لجزئيات الواقع الاجتماعي، تعقبها دائما تعديلات معينة في الجانب الاجتماعي توحي بشكل سطحي لغير المثقفين ثوريا بأن تغييرات هامة تحدث على الصعيد الاجتماعي تهيئ لحركة تقدم اجتماعي ملائم لطموحات الجماهير ولعل أنظمة تعارف الناس على وصفها بالتقدمية هي ام مناسبة لذلك من حيث انها خبيرة في تزييف الواقع الاجتماعي واستغلاله لمصلحة نظمها السياسية، لاطالة بقائها في السلطة.. حيث أنها تتحدث عن الاشتراكية وترسيخ واقعا رأسماليا.. تتحدث عن الحرية وتفرض نظاما قمعيا دكتاتوريا.. وتحلل الديمقراطية الشعبية وتفرض نظام الأقلية المسيطرة في كل شيء.

إن أنظمة متعددة في العالم الثالث ترفع لافتة تقدمية لا تقوم ألا بعمليات تزييف الواقع الاجتماعي المعاش لملاءمته مع مصالحها السياسية، وما عمليات التبديل والتعديل التي تجريها لا الا تلفيقات وترقيعات للثغرات التي تكتشفها في جدار نظامها السيـاسي، محاولة سدها.. وتعويضها، للحيلولة دون تغييرها جذريا حيث ان عمليات التغيير الجذري إذا وقعت فستقذف بهذه النظم السياسية الى دائرة النسيان خارج ذاكرة الإنسان.. في الوقت الذي تسعى فيه هذه الأنظمة السياسية الى إطالة عمرها فقط تمشيا مع تركيبتها الأساسية التي تتحد في انها انظمة تلفيقية زيفت الواقع الاجتماعي، وسرقت اللافتات الثورية بغرض استغلالها مصلحيا.. فليست أنظمة ثورية ولا تقدمية، وانما وجدت نفسها مضطرة بحكم المصلحة أن ترتب عمليات استغفال متكررة، وان تخوض عمليات تزييف وخداع الجماهير فركبت التقليعة التقليدية التي تقتضي تبنيها قضايا الجماهير المسحوقة والمضطهدة.. وإذ كان الأمر كذلك لم يبق امامها الا ادعاء الثورة.. والاشتراكية.. والتقدمية.

حتى تلك الأحزاب التي وصلت الى السلطة باسم دكتاتورية العمال سعت الى التزييف السياسي بتصويرها لاوضاع العمال المسحوقين بقيود الأجرة تصويرا مخالفا للحقيقة حيث تدعى بأنها حررتهم من استعباد الرأسمالية لهم.. وعلى بقية عمال العالم أن يلحقوا بعمال الدول التي أقيمت فيها دكتاتورية البروليتاريا حيث هيمن العمال على كل شيء وسيطروا على الدولة.

ان التزييف هنا يكمن في تصويرهم لاستيلاء احزابهم على السلطة بأنه انتصار للعمال وتحرر لهم من ربقة العلاقات الظالمة وهو أمر لم يتحقق للعمال بعد بسبب تحولهم الى عبيد لارباب عمل جديد، ومعاناتهم ذل الاجرة مجددا، وسيطرة الحزب الواحد على الدولة وتسييرها لمصلحته السياسية متسترا بالمصطلحات الديمقراطية والشعبية.

القيمة المادية للانسان :

إن الأخلاق والفنون وقبل ذلك قيمة الانسان ليس من المتيسر تفسيرها علميا بالاعتماد على علم الاجتماع أو السياسة من حيث إن علم الاجتماع يقدمها كما لو أنها لا تقبل التغيير في حين تقدمها السياسة كما لوأنها في صورتها المثلى التي لا يجب ان تتجاوزها.

وإذا كانت الأخلاق هي دائما إباحة السائد وتحريم الجديد نتيجة سيطرة القوى الاجتماعية الرجعية على المجتمع، وتوظيفها له وفق مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، فإن الفنون هي التعبير المباشر وغير المباشر عن الوضع السائد بطريقة فكرية تستهدف تبريره وترسيخه وتقاوم تغييره.

إن قيمة الانسان في المجتمعات الرأسمالية سواء تلك التي تخضع لنظام رأسمالية الطبقة أو تلك التي تطبق نظام رأسمالية الحكومة هي قيمة مادية بحثة لا اكثر.ففي نظام رأسمالية الطبقة تقدر قيمة الأفراد بما يملكون من ثروات وعقارات.

أما في نظام رأسمالية الحكومة فان قيمة كل فرد تقاس بما يقدم من جهده الخاص لمصلحة الحكومة. فبقدر إنتاجه تتحدد قيمته، بما يشبه خلية نحل جميع من فيها من الشغيلة يسند اليه دور معين تقدر قيمته بإنتاجه، أي بما يقدم من منفعة مادية للخلية. ولا قيمة لمن لا ينتجون انتاجا ماديا يقدمونه للمجتمع.

وهكذا فان المجتمع الرأسمالي بشقيه، يجبر الأفراد على السعي المتواصل لامتلاك المقدرة المادية بقصد الحصول على القيمة لانفسهم.

ففي نظام رأسمالية الطبقة يسعى كل فرد الى تكديس الملكية بالقدر الذى يستطيع وبمختلف الطرق بما فيها السرقة والغش والارتشاء وغير ذلك من اساليب ضارة بحياة الأفراد والشعوب، تجعل المجتمع كغابة الوحوش، لا مكان فيه لغير الشرسين، الذين يتمكنون من القضاء

على غيرهم بافتراسهم، والاستيلاء على املاكهم وحقوقهم. أما في نظام رأسمالية الحكومة فان كل فرد يسعى الى بذل ما لديه من طاقة ليتمكن من العيش في مجتمع من البشر دون ان يراوده أي نوع من الطموح الإنساني بتغير وضعه اللهم الا ان يعترف المجتمع بانسانيته والا يتم التخلص منه ، بحجة عدم فائدته وانعدام قيمته بسبب انه لم يساهم في تكديس الإنتاج ليتمكن المجتمع من ان يصل الى وضع يقدم فيه كل فرد ما يستطيع من جهده لينال من الثروة حسب حاجته.

وهو وضع كان كافيا لالهاب حماس الشغيلة للتنازل عن اكبر قدر من انتاجهم لمصالح الدولة الرأسمالية لتتمكن من مواجهة الطبقات الرأسمالية الغنية والمالكة للقدرات التقنية المتفوقة، والمنظمة في احلافها الاقتصادية والعسكرية. والناهبة لثروات الشعوب في جميع القارات.

حيث تحظى مواجهة الامبريالية بالاهتمام كله لأنها النقيض السياسي لنظام رأسمالية الحكومة وهى الخطر الأساسي الذى يتهدده ولذلك فإن الدولة الرأسمالية مضطرة للدخول في برنامج تقشف طويل الامد تتكبد ثمنه اجيال متعاقبة من البشر تقتطع من قوتها واحتياجاتها المختلفة لتجعل المواجهة ممكنة فقط، دون ان يتكدس شيء من الإنتاج، فليس هناك قدر يمكن ان يبقى كفائض ليشكل في النهاية وضع الوفرة ويخلق الرخاء والرفاهية. بل ان العجز مستمر ودائم نتيجة استهلاك الانتاج كله. وحتى لو تضاعف الانتاج أضعافا أخرى، لتبين ان نقصا كبيرا ينبغي تغطيته في تكاليف برامج الدولة العصرية في ظل النظام الرأسمالي بشقيه، فلو اطلعنا على برنامج واحد من تلك البرامج الباهظة كبرنامج الفضاء مثلا أو برنامج تطوير الصواريخ، أو تكاليف العمل العسكري في حوض البحر الابيض المتوسط فأننا قادرون على ان نستنتج منه الأفق الذى لا نهاية له والسراب الذى تتجه اليه اعناق الشغيلة الظامئة لبعض ما يمنونها به من رخاء، وبالتالي استحالة ما تطمح إليه من قيمة فردية وجماعية.

القيمة الاجتماعية للانسان :

إنه إذا لم يكن للانسان الا قيمته المادية، والفائدة التي يمكنه ان يقدمها للمجتمع، فان الطفل العاجز عن تقديم ذلك يكون آنئذ لا قيمة له، لانه لا فائدة له. فالطفل لا ثروة له ولا يمتلك عقارات ولا أرصدة، وليس قادرا على تقديم انتاج مهما كان قليلا، بل انه يحتاج اشد الحاجة الى رعاية مكثفة، ليبقى على قيد الحياة. وبهذا فان الطفل يفقد أية قيمة وفقا للمنظور الرأسمالي بشقيه- رأسمالية الطبقة ورأسمالية الحكومة.

الا إذا تعلل الرأسماليون بان الطفل في واقع الأمر هو نوع من الاستثمار، أي انه مشروع قيد التنفيذ، فهو سيكون يوما ما قادرا على تقديم المرجو منه بالشكل الذى يناسب الطريقة التي اعد بها. وحين تكون النظرة الى الطفل هكذا فانه لا قيمة له الا قيمته المادية وفي هذه الحالة فان عالم البشر- هذا سيتحول الى جحيم حقيقي.. وسيكون الناس جماعة متخلفة حتى إذا قيسوا بالحيوانات في الغابة تلك التي تربي صغارها دون ان تعتبرهم سلعة مربحة. وإذا استطاع أحد ان يتعلل بان الطفل مشروع استثماري، فمن يستطيع ان يقول ذلك في العجزة؟ ان العجزة لا فائدة مادية ترجى منهم لا أجلا ولا عاجلا. فوالدا أي إنسان عندما يهرمان ويعجزان لن يطمع ان يجنى منهما أي فائدة مادية، وهما لا يستطيعان ان يقوما بأي إنتاج يكفيهما. ولكن الإنسان لا يستطيع التخلي عن والديه وأقربائه العاجزين وهو مشدود الى رعايتهم والعطف عليهم والرأفة بهم، انه يرتبط بهم بشكل ما، ويحس بان لذلك قيمة كبيرة. أنها القيمة الاجتماعية للإنسان. ويمكن لأي منا ان يتحدث مليا عن القيمة المادية المرتبطة بالمال والملكية، فيقول ان مالك العمارة ذات العشر شقق، قيمته تكمن في تأجيره لهذه المساكن لعدد من الآسر، يستغلها ويؤجر لها سكنا. ومالك الأرض التي تسع مائة فلاح قيمته تكمن في تفضله على المجتمع بتسخير مائة عبد لديه في أرضه يكدس انتاجهم لمصلحته. و صاحب المركوب قيمته في تفضله على آخرين بحملهم الى وجهتهم أو تأجيره المركوب لهم.. وهكذا يعتبر متيسرا لنا ان نقدر القيمة المادية للإفراد، فصانع الكراسي وصانع الصواريخ وصانع المشددات وصانع الحاسبة الإلية، “وعتالو” المواني، نستطيع ان نقدر القيمة المادية لأي منهم بسهولة ويسر، كما نستطيع ان نفاضل بينهم وفقا لذلك بتحديد الوزن أو الطول أو الثمن لما يقدمونه من فائدة مادية، لكنا لا نستطيع ان نقدر القيمة الاجتماعية لأي فرد مهما كان. فالقيمة الاجتماعية لا يمكن قياسها بالوزن أو العملة أو غير ذلك من المقاييس فهي لا تقيم ماديا. ولعل البحث في تحديد قيمة مادية لها هو متاهة لا يخلص داخلها الى نتيجة مفيدة. غير ان البحث والدرس يجب ان يتناول القيمة الاجتماعية في ذاتها، من حيث اهميتها ومؤثراتها. وهو أمر معقد وهام أيضا، ويحتاج ان يتناوله الباحثون بالدراسة الجادة على ضوء الطرح الفكري الجديد للنظرية العالمية الثالثة.

فوفق منظور هذه النظرية نجد أن قيمة الانسان والأخلاق والفنون مختلفة اختلافا جذريا عما وصفناه آنفا. فليست الأخلاق من منظور ثوري مطابقة للأخلاق من منظور اجتماعي. كما انهما معا لا يتطابقان مع الأخلاق من المنظور السياسي. فالأخلاق اجتماعيا هي تحديد لقيم الواقع الأخلاقية بما هو موجود. والأخلاق سياسيا هي الواقع الاجتماعي المزيف لمصلحة السياسة. والأخلاق ثوريا ترفض جذريا الواقع الاجتماعي الفاسد والتزييف السياسي، دون ان تتجاهل الواقع الاجتماعي.فعلم الثورة يتناول الظواهر الاجتماعية بالتحليل والتفسير ليكشف الفساد الذى اعتراها أو التزييف الذي شوهها، ليصل من وراء ذلك الى القضاء على الجوانب الاجتماعية الفاسدة وتدمير التزييف السياسي الذى افتعلته الانظمة السياسية للمحافظة على مصالحها. هادفا من ذلك الى بناء القيم الحقيقية والصحيحة. التي هي قيم الثورة. ان الذين يدمرون القيم الفاسدة ويبنون قيما سليمة انما يقومون بالثورة ليحققوا القيمة الحقيقية للإنسان، حيث يكتسحون بالثورة كل رواسب التضليل والتزييف السياسي والفساد الاجتماعي الذى تولد عن الاستغلال والعسف. فحينما يتحكم الاستغلال في رقاب الناس وتسيطر مجموعة قليلة على ثروة المجتمع، وتكدسها لحسابها الخاص وتستعملها في البناء والاستثمار، فإن قوانين تلفيقية كقانون الإيجار أو وضع حد ادني للأجرة هو مجرد تزييف سياسي.. وحينما يتمكن الرأسمالي من استخدام العمال لصالحه فان العلاقة بينهما هي علاقة السيد بالعبد، فإذا قدم السيد أجرة لعبيده فانما ليبقيهم على قيد الحياة ليستمروا في الإنتاج لمصلحته، وهذا هو تفسير الأجور في النظام الرأسمالي بشقيه، وبالتالي فان وضع قانون يمنع الفصل التعسفي.. أو يبح التمتع بالعطلات هو مجرد تزييف سياسي للواقع الاجتماعي البشع لتلوينه وزخرفته حتى لا يضر بالنظام السياسي القائم. وهكذا فإن العمل الثوري هو الذى يناط به تدمير هذا الواقع المشوه، ليخلق الوضع الذى تتحقق فيه آدمية الانسان وحريته وكرامته.

ان الفعل الثوري التاريخي الذى هو نقيض التزييف والديماغوجية هو الذى يحقق القيمة الفعلية للانسان بتحرره من جميع القيود التي تحد من حريته، وبالتالي تطمس وجوده الفعال.

الخلاصة :

ان الخضوع للواقع الاجتماعي مرفوض ثوريا مهما تشبث الناس به، أو اعتادوه. فإذا كان الواقع الاجتماعي فاسدا فإن الثورة كعمل إرادي يتدخل عمدا لتغيير الأوضاع القائمة وتكييفها وفق مصلحة جميع أفراد المجتمع. وهو نقيض ما تقوم به السياسة كفعل ارادى ايضا يتدخل لتزييف الظواهر الاجتماعية وتكييفها وفق مصلحة النظام السياسي القائم. وفي ظل ذلك تعكس الفنون الواقع الاجتماعي الذى زيفته السياسة وتكون صدى له. ان السياسة لا تسعى الى التبشير بشيء جديد ولا يهمها أن تحرض الناس على شئ مفيد، ولكن همها كله ينصب على المحافظة على الواقع السياسي، وتزييف الواقع الاجتماعي بما يحقق ذلك. ان الرجعية تحافظ على الواقع الاجتماعي القائم وتبرر استمراره، بقصد مقاومة تغييره. حفاظا على مصالحها. ولكن الثورة تكتشف فساد النظم القائمة وتقدم البديل العلمي عنها، وتقوم بتحريض الناس على تدمير الواقع القائم وتبشرهم بالبديل. ويقوم الفن الثوري بمهمة كشف التزييف السياسي والفساد الاجتماعي والسعى الى تدميره وبناء الحياة السليمة للمجتمع ببناء مجتمع جديد، حر وسعيد. إن الفن الثوري ليس صدى عن الواقع القائم ولكنه تمرد عليه وتجاوز له، وتحقيق عملي لتكامل الفعل الثوري ونضجه بتجسيده فنيا. إن الفن الثوري هو نقيض للديماغوجية من حيث انها اثارة وتزييف يقصد من ورائها استغفال الجماهير الشعبية، في حين يكون الفن الثوري معلما للجماهير يبشرها بغذها المشرق ويحدد لها طريقها الى النصر، بتقديمه الأمور على حقيقتها، وبتقديسه للقيمة الحقيقية للانسان.

الأنظمة الإصلاحية ذات الحلول

مدخل:

إن الأنظمة الرأسمالية والأنظمة الماركسية ليستا المقصودتين بقولنا” أنظمة إصلاحية ذات حلول تلفيقية”.

فالنظام الرأسمالي الذي قام على المذهب الحر وفق وقاعدة” دعه يعمل دعه يمر” هو الذي أدى إلى تراكم الرأسمال وتركيزه خالقا بذلك فروقا طبقية صارخة بفعل النظام الاقطاعي والاستغلالي البرجوازي، الذي تراكم حتى تعفن.

فكان أن جاءت الماركسية كرد فعل لتعفنه وسحقه للطبقات الفقيرة التي تشكل أغلبية المجتمع، حيث تكدست الثروة بيد أقلية قوامها الطبقة الرأسمالية المستغلة.

فكانت الماركسية حلا جديا، لأنها رد الفعل للرأسمالية ولكنها قلبت العالم من وجهه الرأسمالي إلى الوجه الماركسي الذي يشكل الجانب الآخر من العملة نفسها. حيث أمكننا أن نعرف بالتحليل ان العالم لم يتغير أي شيء جوهري فيه، بسبب أن المجتمع الماركسي هو بكل المقاييس العلمية وريث المجتمع الرأسمالي في جميع وظائفه. إي أن الدولة الرأسمالية التي تكونت في المجتمع الماركسي هي وريث حقيقي للطبقة الرأسمالية في جميع وظائفها وسلوكياتها، رغم أنها قامت بالثورة ضدها واسقطتها وحلت محلها.

وحين قامت الدولة الماركسية، قام ما يجب أن نسميه رأسمالية الدولة على أنقاض الطبقة الرأسمالية، تقوم بجميع وظائفها وتحافظ على مصالحها بذات العلاقات التي كانت سائدة ببن الطبقة الرأسمالية وأفراد الشعب.

بل إن الدولة الرأسمالية حاكت الطبقة الرأسمالية في سلوكياتها ووظائفها حتى أنعدم الفرق بينهما، فتحقق في أيدينا نظام ماركسي هو الوجه الثاني لذات العالم الرأسمالي، حتى لا يستطيع خبير إذا رأى مؤسسة ماركسية أن يجزم إن كانت تلك المؤسسة ماركسية أو رأسمالية. بل ان المحاكاة الشديدة التي تنتهجها الدولة الرأسمالية لسالفتها الطبقة الرأسمالية، جعلتهما متطابقتين في كل الأمور، ففي الادارة، نجد إدارة المؤسسات الماركسية تحاكى محاكاة كاملة نظيرتها في نظام رأسمالية الطبقة، حيث تتطابق معها في انتاجها- شكلا وطريقة- وتعامل العمال بنفس المعاملة، منصرفة باسعار السلع كما هو الحال في نظام رأسمالية الطبقة، لتضغط على المستهلك. حتى أن نجاح المؤسسة يعتمد حساب الربح والخسارة، بمعنى ان تلك المؤسسات التي تجلب موردا فوق انتاجها، يفوق تكلفة سلعها هي مؤسسة رابحة.. فهم يسمون الزيادة التي تفوق سعر التكلفة ربحا، أما تلك المؤسسات التي لا توفر ذلك المورد فهي خاسرة طبعا.

ومن هنا توحد النظامان-رأسمالية الطبقة ورأسمالية الدولة – في غاية النشاط الاقتصادي لديهما، التي هي تحقيق الربح.

بل إن تركيبة المجتمعين من حكومة وشعب، وارباب عمل واجراء لهم، ووجود الادارة والمؤسسات الى تسند بقاء النظام كالجيش والشرطة تجعلنا نجزم بشكل نهائي بعدم تغيير شيء في جوهر العالم أثناء حدوث الانقلاب الماركسي.

الانظمة الاصلاحية:

بالإضافة إلى ذينك النظامين(رأسمالية الطبقة ورأسمالية الدولة) يوجد في العالم نظام أخر واسع النطاق يثمل كل الأنظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.

يتكون من تلك الأنظمة المتذبذبة التي لم تختر طريقا جذريا بين النظامين السابقين، ولم تتخطاهما إلى حل بديل عنهما. وماعدا تلك البلدان الرأسمالية التي تعد مستعمرات للعالم الغربي الرأسمالي أو تلك التي انتهجت الماركسية، فإن بلاد العالم كلها هي على هذا النظام التلفيقي فمن الهند إلى امريكا اللاتينية، مرورا بالوطن العربي. وافريقيا وبعض بلاد آسيا الاخرى تتبع جميعا طريقة توفيقية بين مجموعة حلول متناقضة وغير علمية تستعملها كمسكنات مهدئة لمشكلات تتطلب البحث عن حلول جذرية. ولعل أخطر شيء على مستقبل تلك البلدان هو اعتقادها بوصولها إلى حل مناسب باعتمادها تلك الطريقة التلفيقية في التعامل مع مشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وحين نحلل تركيبة هذه الأنظمة وبنيتها الاقتصادية والسياسية ينضح لنا معها التلفيق الذي تعتمده، ومدى التذبذب الذي تتخبط فيه سياسة واقتصاداً، ولكن تذبذبها هذا لا يمكن أن يستمر إلى ما لانهاية، إنها اذا لم تتمكن من ايجاد البديل السليم لتذبذبها، تضطر في نهابة المطاف أن تصبح ماركسية إذا تغلب الاتجاه التقدمي فيها، أما إذا تدهورت أوضاعها وتغلب الاتجاه الرجعي فإنها ستصبح رأسمالية لامحالة.

فمصر التي كانت مثلا يحتذي في إطار الأنظمة الاصلاحية المعاصرة في زمن حـكم عبد الناصر، تراجعت نحو اليمين بعده، وقد كان نظامها تقدميا وتحرريا، إلا أن التركيبة الاجتماعية لها اقتصاديا وسياسيا كانت اصلاحية تلفيقية بحتة، في جميع المجالات الزراعية والصناعية وفى مجال استخدام رأس المال، وفي توزيع الانتاج، ولم يكن ثمة حل جذري في المجال السياسي، مما أدى إلى تدهور الأوضاع بعد موت عبد الناصر، فتحولت الدولة بعده إلى دولة رأسمالية، تسيطر عليها الطبقة الرأسمالية وقوى الاستغلال المحلية. متحالفة ومدعومة بالرساميل الاجنبية.

وهكذا إذا لم يتحقق حل جذري جديد، يتجاوز الرأسمالية والماركسية، فإن أية دولة اصلاحية تنهج النهج التلفيقي محكوم عليها حتما بالتحول إلى دولة رأسمالية أو إلى دولة ماركسية، حيث أن التذبذب والتلفيق بين الحلين السابقين لا يمكن أن يستمر طويلا.

نماذج من الحلول التلفيقية:

يحاول الإصلاحيون التلفيقيون معالجة القضايا والمشكلات بحلول وسطية بين النظامين السابقين، دون أن يغلبوا أحدهما على الآخر، لأنهم إن غلبوا أحدهما على الاخر لم يعودوا تلفيقيين، فإما رأسماليين بعد ذلك أو ماركسيين.

فلو أخذنا مثالا على ذلك في مجال الزراعة..

فإنهم لا يتقبلون الاقطاع المطلق، ولكنهم لا يقدمون بديلا جذريا عنه، ويتخلصون بطريقة تلفيقية تجعل الاقطاع موجودا ولكن بصورة مخففة بعض الشيء، حيث يلجأون إلى تقليمه تقليما- ضعيفا أو قويا- بتحديد الملكية الزراعية مثلا. حين يقومون بتسمية حد أعلى لملكية الأرض، وربما حد أدنى أيضاً، لكن المشكلة تبقى قائمة دون حل حيث أن الارقام التي يقدمونها لا يمكن اعتبارها ارقاماً ثابتة لملكية الارض، فمنهم من يحددها بمائة فدان أو الف. وآخرون يحددونها بمائة هكتار أو الف هكتار كحد أعلى، ويعتقدون بأن القانون كاف للمحافظة على هذا الرقم وترسيخه دون السماح بتجاوزه أو التخلي عنه، ولكن القوانين ذاتها ليست ثابتة وغير محمية على الاطلاق في البلدان الإصلاحية التلفيقية ففي أغلب الحالات تلغى القوانين حالا بمجرد غياب الحكم الذي سنها، هذا إذا لم تعدل في ظل حكم أولئك الذين صاغوها.

ففي مصر كانوا يقولون إن على كل فلاح أن يملك ما لا يقل عن خمس افدنة وما لا يزيد عن خمسين فدانا.. بعدما خفضوا الحد الأعلى للملكية عن المائتى فدان.

وفي مجال رأس المال وارباب العمل نجد مثالا آخر واضحا لمحاولات ايجاد حلول تلفيقية، ففي يوغسلافيا يحرمون رب العمل الخاص من استخدام أكثر من خمسة عمال، فإذا تجاوزهم، تؤمم الحكومة ملكيته لأنه صار مستغلا! وصاحب ملكية كبيرة لا يجب أن تكون موجودة في مجتمع ماركسي؟! وهكذا يلجأون إلى تحديد الملكية وتحديد دخل الشركات المساهمة الوطنية والجمعيات الاستهلاكية والتعاونية، واللجوء في النهاية إلى احتكار الحكومة لبعض المواد، حيث تستوردها وتعرضها للبيع تحت إشرافها المباشر ورعايتها، لأن تلك المواد أساسية وضرورية لأفراد الشعب، لكي تحول دون التلاعب باسعارها. غير أن ذلك لا يكفى، فالتلاعب لا يمكن انهاؤه بسيطرة الحكومة واحتكارها لاستيراد السلع وتسويقها بل هو يزيد ويكبر في ظل هيمنة ما عرف بالقطاع العام.

إن التلاعب بالسلع الضرورية للناس وباسعارها لا يمكن أن ينتهي بقرار حكومي، بل ينتهي ببناء المجتمع على أساس اقتصادي جديد لا وجود فيه لأي امكانية للتلاعب.

ومن هنا كان لابد من إلغاء التجارة الخاصة الاستغلالية حتى لا يتحكم أحد بالجماهير الشعبية عن طريقها، باعتبارها مصدر الاستغلال الرئيسي في المجتمع، على أن تقوم بدلا منها متاجر الشعب، التي يبيع الشعب فيها لنفسه بثمن التكلفة، فينتهي التلاعب بالاسعار نهائيا. بالغاء التاجر الذي يرفع سعر السلعة إلى أقصى ما يستطيع ولو أدى به ذلك إلى تحويلها إلى السوق السوداء ليرفع سعرها بشكل غير معقول مستنزفا ثروات المجتمع، وجامعا لها في يده ليتمكن بعد ذلك من التحكم بمصير الناس الذين أقدموا على شراء بضاعته.

إن أغلب التجار يعلقون بمتاجرهم رخص تسمح لهم بمزاولة هذا العمل الضار بحياة الناس، كما يعلقون قوائم تحدد أسعار سلعهم التي يقتنونها، غير أن تلك الرخص لا تعنى شيئا سوى التغفيل مثلها مثل قائمة الاسعار لا تدل إلا على الاعتراف” الربح المحدد” ولكنها في واقع الأمر طريق الربح غير المحدد، فليس هناك من يستطيع إلزام التجار بربح محدود، حتى المستهلكون أنفسهم لا يمكنهم الاعتراض على سعر السلعة التي يدفعون ثمنها من دمهم وعرقهم، “ففي الحاجة تمكن الحرية” إنهم يتهافتون على السلعة التي يحتاجونها مرغمين بفعل الحاجة. ولست أقصد بان الربح المحدود له مايبرره، إنه مجرد سرقة ولكنها سرقة قانونية مدعومة برخصة تجارية.

حتى إذا جاءت الحكومة لتحتكر عددا من المواد الاستهلاكية على أساس أنها مواد ضرورية للمواطنين ولا يصح التلاعب باسعارها، فان المواطنين في حقيقة الأمر سيعانون من التلاعب في سلع أخرى لم تقم الحكومة باحتكار تجارتها، هذا إذا لم تصل يد التجار لتتلاعب بالمواد المحتكرة من قبل الحكومة وهو ما يحدث عادة.

فالمجتمع المحتاج لعشر سلع استهلاكية تحتكر الحكومة منها اربعا باعتبارها أساسية وتقوم التجارة الخاص بالتحكم بالسلع الأخرى ترفع أسعارها كيف تشاء أو تخفيها لتقلل المعروض منها حتى يكثر الطلب عليها لترتفع بذلك أثمانها، إن هذا المجتمع قد سلك بهذه الطريقة حلا تلفيقيا لا يمكنه أن يقاوم الاستغلال مهما حدد أسعار السلع التي تتحكم بها التجارة الخاصة، لأنها ستتلاعب باسعار هذه السلع ولو اضطرتها مصلحتها إلى بيعها في السوق السوداء.

كذلك المجتمع الذي يسمح باستخدام العمال من قبل أرباب عمل، مكونين بذلك مجتمعا طبقيا من السادة والعبيد الذين يمثلهم أرباب العمل والعمال. لكنهم يحاولون التغطية على هذه العلاقات الظالمة التي تجسد العبودية والاستغلال، بإدخال اصلاحات تلفيقية لتخفيف وطأة تلك الأوضاع الظالمة، فيصدرون قوانيناً تمنع رب العمل من فصل العمال تعسفياً، و لكن العمال يرفضون ذلك النظام الاجتماعي البشع الذي يسمح بوجود سادة وعبيد، أرباب عمل وعمال… مؤجرين وأجراء، ولا ترضيهم الاصلاحات السطحية التي لا تكفى للقضاء على أوضاع الاستغلال والعبودية التي يعيشها الأجراء، وهكذا مرة أخرى يصدرون قانونا جديدا، يقرر زيادة الأجرة للعمال، ويضع حدا أدنى للأجور.

إن هذه السلسلة من الاجراءات التلفيقية هو ما تقوم بعض الانظمة التي تعتبر نفسها ثورية وتقدمية باتخاذها، حيث يحددون الحد الأدنى لأجور العمال معتبرين انفسهم قد حققوا معجزة عظيمة لكنهم يجدون العمال وقد استمروا في المطالبة بحقوقهم، فيعودون إلى رفع الحد الأدنى للأجور مرة ثانية وثالثة، ويمنعون الفصل التعسفي ولكن ذلك كله لا يكفى، فالعمال سيستمرون في المطالبة بحقوقهم، ولكنهم لا يعرفون النهاية السعيدة لنضالاتهم من أجل العدالة، فقمنا هنا في ليبيا بتحريضهم وتعليمهم لتتضح الرؤيا أمامهم، وقد استغرقنا سنة كاملة نشرح للعمال مقولة شركاء لا أجراء وكيف يمكن تطبيقها.. واوضحنا لهم الطرق التي تتم عن طريقها سرقة جهد العمال، حتى اذا وعوا ذلك كله قاموا بالثورة، واستولوا على المؤسسات الانتاجية واصبحوا شركاء لا أجراء، وسيطروا على الادارة، وأخذوا حقهم في الانتاج، بعدما الغوا الربح لأنه لا يعنى سوى الاستغلال والسرقة من قبل رب العمل لجهد العمال..

من أين يأتي الربح؟

إن العامل الذي يعمل عشر ساعات يقوم رب العمل بسرقته حيث يقتطع منه انتاج خمس ساعات لنفسه ويسميها ربحا، ويسلمه انتاج خمس ساعات فقط. ورغم الوضوح في هذا الموضوع الا أن الانظمة الاصلاحية التلفيقية تسن قانونا بعد ذلك لمشاركة العمال في الأرباح، أي أن يتحصل العمال على نسبة ما من انتاجهم المسروق منهم.

فالعامل الذي سرق منه رب العمل خمس ساعات قد يعيد إليه ساعة منها، وهو حل تلفيقي ليس له أثر ايجابي على نضال العمال من أجل حقهم، الذي سيستمر حتى لا تكون هناك أية سرقة لجهد العمال، ولا يكون هناك أرباب عمل اطلاقا، وحتى يكون الذي ينتج هو الذي يستهلك انتاجه.

كما أنه لا معنى لجميع تلك القوانين التي تسن من أجل منع فصل العمال تعسفيا، فهي لا تعدو أن تكون حبرا وورقا حين يكون باستطاعة رب العمل إيجاد المبررات القانونية لإجراءاته بفصل العمال العاملين معه. فرب العمل قادر على جعل فصل عماله قانونيا وليس تعسفيا إذا أعلن افلاس شركته، وأبدى عدم قدرته على استيفائهم لمستحقاتهم أو إذا غير نوع نشاط شركته إلى نوع آخر، فلا يكون أمام العمال إلا الانسحاب ومكابدة البطالة، والإقرار بإرادة رب العمل، الذي كان يعمل مقاولا ثم شاء أن يتحول إلى تاجر، فيقوم بتصفية اعماله السابقة وفقا للقانون المعمول به، ويتجه الى عمل جديد تاركا العمال الذين عملوا له لمصيرهم المجهول، بعد أن يسترضيهم ببعض الهدايا ويلتقيهم في حفل ينظمه لهم على حسابه الخاص! مبينا لهم بأنه مضطر لإنهاء أعماله في هذا المجال بسبب كبر سنه، أو بسبب انخفاض ارباحه.. الخ.

أما إذا رفض العمال التخلي عن عملهم، وجازفوا حتى بالاستيلاء على المنشآت التي يعملون بها،. مقدمين الدليل على كذب ادعاءات رب العمل، فإن الحكومة الرأسمالية وفقا للقوانين المعمول بها هي التي تتكفل باخراجهم وبتنفيذ إرادة رب العمل.

إن القوانين التي تقرر تحديد الملكية وتحديد الدخل لا يكون لها أي معنى، مادام النشاط الخاص الاستغلالي مسموحا به أصلا، كما أن الضرائب التي تفرض على الدخول الخاصة، وهى تلك الضرائب التصاعدية التي يراد لها أن تحد من الدخل لجهة في المجتمع، لتساهم في تقريب المستويات الاقتصادية لأفراده، لن تكون مؤثرة، لأن النشاط الاقتصادي الاستغلالي لا يعرف الحدود، ولا تستطيع القوانين أن تلزمه بنظام محدد ولا بمستوى معين.

إن اللجوء إلى هذه السلسلة الطويلة من القوانين هو نموذج من التلفيق لمعالجة المشكلات الأساسية للمجتمع عن طريق تحديد الدخل وتحديد الملكية والحد الادنى للأجور وتحديد الاستخدام لليد العاملة ونظام المشاركة في الارباح وإقامة الجمعيات الاستهلاكية التجارية. ولا يمكننا أن نسمى أياً من هذه الأساليب حلا، وإنما هي محاولات تلفيقية واصلاحية تثبت التجربة العلمية بطلانها سريعا لتعود المشكلات للتفاعل بشكل أشد.

فالجمعيات الاستهلاكية ليست سوى متاجر عادية، حيث يقوم مجموعة من الناس بإقامة متجر يديره بعضهم، في حين يواصلون هم اعمالهم العادية، وتحقق جمعيتهم الاستهلاكية ارباحا من المستهلكين، إذن فهم يمارسون التجارة الخاصة الاستغلالية ويستغلون المستهلكين، عن طريق متجر جماعي استغلالي هو الجمعية الاستهلاكية التعاونية، التي لم تحل مشكلة التجارة الاستغلالية.

أما حينما يؤسس الاصلاحيون التلفيقيون الشركات المساهمة الوطنية والتي هي عبارة عن خليط بين أموال حكومية وأخرى يقدمها الرأسماليون الاغنياء. فإن غرضهم هو وضع هيمنة محدودة من قبل الحكومة على القطاع الخاص الاستغلالي لعلهم يتمكنون من الجامه ويحدون من طغيانه، لكن ذلك لا يتحقق، وتبقى هذه الطريقة تلفيقا مجردا لا يغني عن الحل.

إلغاء الرأسمالية:

إن وجود رأسمالية هو مشكلة مهددة لتقدم المجتمع بغض النظر عن كونها رأسمالية وطنية أو أجنبية خاصة أو حكومية.. إن الحل الجذري الوحيد والسليم هو الغاء الرأسمالية بجميع أشكالها سواء أكانت رأسمالية الطبقة المستغلة أو رأسمالية الدولة.

فالرأسمالية هي الرأسمالية لا فرق فيها، فليس ثمة فرق بين العمال الذين يعملون لرب العمل الرأسمالي الفرد وبين العمال الذين يعملون لرب العمل الرأسمالي المتمثل بالحكومة الرأسمالية.. إنهم جميعا يعانون نفس الظروف، ويقاسون الاستغلال ويطالبون في الحالتين بتحسين أوضاعهم وزيادة أجورهم وتقليل ساعات عملهم.. وهم في الحالتين يثورون ضد الإدارة ويضربون ويعتصمون.. ويتظاهرون.. ولم يظهر أي اختلاف بين العامل الذي يعمل لشركة خاصة والعامل الذي يعمل لشركة حكومية، ورغم ذلك فهو حل تلفيقي فحواه المزاوجة بين النظامين رأسمالية الطبقة ورأسمالية الحكومة، بمعنى وجود القطاعين العام والخاص معا في محاولة للتعايش، ولكن ذلك لا يلبث أن يتخذ شكلا رأسماليا عاديا يسمح بمزاولة النشاط الاقتصادي بلا حدود، ويؤدى إلى أن تبتلع الشركات الكبيرة نظيراتها الصغيرة، وسرعان ما ينشأ الاحتكار الرأسمالي، فليس في مقدور الشركات الصغيرة الصمود طويلا في مواجهة الشركات الكبيرة، وليس في طبيعتهما التعايش.. بل هو أمر مستحيل لا يمكن أن يتوفر بين القطاعين العام والخاص.. ولا بد لأحدهما أن يبتلع الآخر ويطويه نهائيا في ظل أوضاع المزاحمة والصراع الرأسمالي الذي ينشأ بينهما فور محاولتهما اقتسام مجال الاستغلال الممكن لهما.

وهكذا فان محاولات الاصلاحيين من مشاركة العمال في الأرباح ومشاركتهم في الإدارة، وتحديد ساعات العمل.. وإقرار حد أدنى للأجور، ووضع التسعيرة على السلع التي تتداولها التجارة الخاصة الاستغلالية لا تعدو أن تكون محاولات تلفيقية محكومة بالفشل علميا وعمليا.

لقد صار بإمكاننا أن نستمع إلى شعار يتردد في الكثير من البلدان يقول:” يجب الضرب بيد من حديد على التجار الجشعين”. وليس هذا سوى شكوى صريحة تصدر بسبب الظلم الذي لحق الناس من جراء التجارة الخاصة الاستغلالية، وهو الأمر الذي لا علاج له سوى إلغاء هذا النوع من النشاط الاقتصادي الذي يعتمد الاستغلال وينافي قواعد النشاط الاقتصادي الاشتراكي الانتاجي. أما حين القبول بوجود مثل هذا النشاط فإن المستهلكين لا يمكنهم تحت ضغط حاجاتهم الا الإذعان لسطوة الاستغلال رغما عنهم، فيتصرفون ضد مصالحهم، حتى وأن كانوا يدركون الاضرار الناجمة عن تصرفاتهم تلك، حين خضوعهم للاستغلال، ولكنهم يبررون دائما بان لا حيلة لهم.

إن المحتاج ليس حرا في قراره واختياره، ففي الحاجة تكمن الحرية، وهو مدفوع تحت ضغط الحاجة إلى القبول، باستغلال الآخرين له.

مثال:

حين تكون محتاجا حاجة ماسة لقطعة من الارض يملكها آخر وتكون الحكومة قد وضعت تسعيرة لسعر المتر الواحد من هذه الارض بدينار مثلا، ولكن مالكها يرفض البيع حسب التسعيرة ويقرر أن يبيع في السوق السوداء بسعر أعلى أضعاف المرات، فهل ستقبل الشراء منه وفقا لما يريد؟

إن المحتاجين يقبلون دائما، وتراهم يرضخون لأساليب الاستغلال بلا تحفظ تحت ضغط حاجاتهم.

فحين تكون الأرض مقسمة بين عدد من الرأسماليين، يكون وضع تسعيرة لها عملا عبثيا لا معنى له.. وحين نسمح بملكية الأرض الزراعية لشخص أو مجموعة من الأشخاص، فإن تحديد الحد الأعلى والادنى للأرض الزراعية ليس حلا في واقع الأمر.. وحين نسمح للرأسمالية بالعمل فإن محاولة إجراء تعايش بين نماذجها المختلفة ووضع شروط. قانونية لها لن يكون حلا على الاطلاق..

وحين يكون هناك عمال وارباب عمل، فإن أي قانون نسنه ليس سوى تنظيم لعلاقة مجحفة بين سيد وعبد.. إنها مجرد تلفيق وحين نضخمها بقولنا محاولات اصلاحية لا يمكنها أن ترقي إلى مستوى الحل الجذري، الذي تكون الانظمة الاصلاحية أبعد ما تكون عنه بسبب نظامها السياسي التلفيقي.

إن الأنظمة الاصلاحية هي أفضل من الانظمة الرأسمالية التي وجد النظام الاصلاحي بسبب الثورة عليها.

إن معظم الانظمة السائدة الآن في العالم المعاصر هي انظمة إصلاحية ذات حلول تلفيقية، لا شك أنها قد بذلت جهدا من أجل الاصلاح، ولكن جهدها كله يقع داخل دائرة التلفيق، الذي يجعل منها أنظمة مؤقتة مهزوزة، تعيش. على الاستغلال والعسف، وهي مضطرة لذلك، فليس. ما يدفعها هو الخيانة أو عدم الصدق في مواجهة المشكلات التي تنتاب مجتمعاتها، وإنما بتجدد مرضها الأساسي في قصور الرؤيا لديها، وعدم وجود بديل عن الرأسمالية التي رفضتها وانتفضت ضدها، وعن الماركسية التي لم تتقبلها واعتبرها شرا آخر لا يجب الوقوع في برائنه.

وصار عليها أن تلـفق وتتـذبذب بين مختلف التوجهات مختلقة حلولا سطحية، كثيرا ما تلجأ في ايجادها إلى الرأسمالية والماركسية في محاولة للمزاوجة بينهما، ولو قدر لها أن تجد بديلا عنهما لما آلت إلى هذا التخبط والفوضى الذي تعانيه نتيجة قصور الحلول التلفيقية التي انتهجتها.

وحتى في ليبيا بعد تفجر ثورة الفاتح العظيم وقع اللجوء إلى بعض الحلول التلفيقية بسبب الرفض الشديد للرأسمالية باعتبارها تخلفا مطلقا، وبسبب عدم الاقتناع بالماركسية من حيث إنها لم تعد حلا.. ولكن التلفيق لم يكن ليستمر، فقد كان البحث يجرى عن حل جذرى، ظهر بعد ذلك في الكتاب الأخضر الذي تجاوز بطرحه الفكر المطروح رأسماليا وماركسيا، وانفسح المجال بالكتاب الاخضر لظهور فكر ما وراء الماركسية، وما وراء اليسار.. وانفسح المجال لاكتشاف امكانية قيام نظام جديد ذي حلول جذرية نهائية يتجاوز كل الحلول المطروحة في العالم المعاصر.

ولعل النظام الجديد كان نتيجة الازمة في العلاقة الجدلية بين. الرأسمالية والماركسية، فكان لا بد من البديل الثالث.

وحتى وفقا للمنطق الجدلي” الديالكتيكي” الذي تعمل به الماركسية-حين نسلم به- فإن الازمة في العلاقة الجدلية بين المعطيتين الرأسمالية والماركسية تكون نتيجتها حتما شيئا ثالثا يحل بدلا عنهما. إن هذا كاف لاقناع الماركسية تماما، ولكنه من الصعب قيام النظام الماركسي بهدم نفسه عند ايجاد نظرية جديدة.

إن أزمة حقيقية قد وجدت في العلاقة الجدلية بين الرأسمالية والماركسية بسبب أن الرأسمالية لم تحقق الحل المطلوب لمشكلات الانسان ومعاناته المزمنة وإنما أدت إلى قيام نظام استغلالي عبودي متعفن، كما لم تقدم الماركسية التي كانت رد الفعل للنظام الرأسمالي أي جديد سوى نظام عقيم، قتل الديمقراطية الشعبية وأقام دكتاتورية أبدية للحزب الماركسي، الذي تسنى له- إذا لم تتبدل الظروف- أن يهيمن على المجتمع الماركسي إلى الأبد.

ولكن، لماذا نقول يهيمن إلى الأبد؟!

لأنهم يقولون إن هيمنته ستستمر حتى تتحقق الشيوعية.. الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فتختفي الدولة ويسير المجتمع ذاتيا.. الأمر الذي لا نرى بأنه سيقع إذا كان طريقهم إليه هو الحل الماركسي، ولذلك نجزم باستمرار الدكتاتورية التي يفرضها الحزب الماركسي، الذي يرى بأن أي حديث عن رفض دكتاتوريته هذه إنما هو ردة باتجاه الرأسمالية والبرجوازية وجبت مقاومتها دمويا.. ويرى عدم الثقة بالجماهير ما لم تتحقق الشيوعية.. فيجب ألا تمنح أي قدر من السلطة، ويجب أن تقام المجالس التي يسمونها شعبية”السوفييتات” من اعضاء الحزب الماركسي وحدهم.. لأنهم موثوقون. لدى الحزب، وقادرون على تنفيذ تعاليمه الماركسية اللينينية التي تقود المجتمع باتجاه الشيوعية!..

وهكذا ستظل الجماهير الشعبية محرومة من أي ممار للديمقراطية إلى الأبد أيضا!

أما الانظمة الاصلاحية فإنه ليس بمقدورها الاستمرار في تذبذبها إلى الأبد، فهي إما غلب عليها الاتجاه اليساري وقادها إلى الماركسية، وإما انتكست باتجاه اليمين وعادت ادراجها لتلتحم بالرأسمالية.

إن أولئك الذين لم يقتنعوا بالماركسية كانوا قد ثبت لهم أنها تسير في طريق مسدود، ولا يمكنها أن تكون الحل المرجو.

وإذا استبعدنا الجانب الديني في الماركسية من تقييمنا فنحن نرفضها لأنها تفرض دكتاتورية أبدية على الجماهير الشعبية التي لا يكون لها أي دور إلا أن تنتج كمثل خلية النحل حيث تعمل الشغيلة جميعها لصالح الملكة. يقول الشيوعيون” بأنهم يبنون مجتمعا من النحل هدفه الوصول إلى الشيوعية، إننا نقف طابورا واحدا ليس له أي قيمة.. إلى أن تتحقق الشيوعية..”.

ونحن لا نقر هذه الدكتاتورية، بل ندعو إلى أن تمارس الجماهير الشعبية الديمقراطية المباشرة بشكل فعلى.

كما نرفض المذهب البيروقراطي الذي يكدس الثروة في يد الحكومة فتنفقها بمفردها- متجاوزة الجماهير الشعبية- بالصرف على برامج لم توافق الشعوب على تمويلها من مثل برنامج الفضاء أو البرنامج النووي، مع أن هذه البرامج تقتطع تكاليفها الضخمة من جهد هذه الشعوب التي لا يكلفون انفسهم حتى عناء استشارتها، حيث تصدر القرارات بشأن هذه البرامج من جهات فوق الجماهير، مثل مجالس” السوفييتات” ويعتبرون ذلك منتهى الديمقراطية حتى انهم يسمون انظمتهم بعد ذلك”بالديمقراطية الشعبية(.. حيث ان نظامها قـائم على المجـالس الشعبـية(السوفييتات). ولكنهم لا يسمحون للشعب بممارسة حياته بحرية بحجة احتوائه على البرجوازيين والرأسماليين والتحريفيين، الذين يتوقع منهم الانحراف بالمجتمع خلافا لما تراه الماركسية.

الحل:

إن الحل الذي ينقذنا من النظام الرأسمالي المتعفن والمتخلف.. ومن النظام الماركسي البيروقراطي والدكتاتوري.. ويخرجنا نهائيا من دائرة، الانظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.. هو أن نتجاوز إلى ما بعد اليسار وما وراء الماركسية، لنقضي على الازدواجية التلفيقية والثنائية الاصلاحية، ونجد حلولا جذرية مباشرة لكل المشكلات المستعصية التي نبحث لها عن حل.

فمشكلة الأرض: يمكن حلها نهائيا عندما تصبح ملكا للجميع وليست حكرا على أحد، فيمكن لكل محتاج لاستغلالها أن يستغلها لمنفعته.. وليس له الحق في تملكها ملكية رقبة.. فحين يقوم مزارع باستغلال أرض زراعية فإنه إذا مات أو تغير نوع نشاطه يترك الارض الزراعية ليستغلها مزارع غيره، ويتجه هو إما إلى المقبرة أو إلى قطعة أرض تناسب نشاطه الاقتصادي الجديد.

فحين تكون الارض ملكا للجميع وليست ملكا لأحد بعينه، فإن لكل إنسان حق استغلالها بجهده الخاص لإشباع حاجاته، دون استخدام غيره بأي عذر، ويكون هذا الحل جذريا، وقابل لترسيخ نفسه دون حاجة إلى رقابة أو منح رخصة في استخدام الأرض.. ودون الحاجة إلى سن قانون يحدد مساحة الارض التي لك أن تستغلها، حيث يقوم جهدك الخاص بمهمة تحديد هذه المساحة، فحين تأخذ محراثا وتتجه بنفسك إلى قطعة من الأرض، ويأخذ كل المزارعين مثلك محاريثهم، فإن كلا منكم سيقف عند حد معين لا يمكنه تجاوزه وفقا لجهده، في الوقت الذي لا تكون فيه الفروق بارزة.

إن الصراع والتدافع سينتهيان على الأرض حين يكون على كل فرد أن يبذل جهده فقط دون أن تتاح له فرصة استغلال غيره، وأن تكون الفرص التقنية متساوية من حيث الحصول على الآلات التي يجب أن تتوفر للجميع عندها يصل المزارعون إلى حدود كل منهم تلقائيا حين يعمل كل منهم حتى يصل إلى نهاية ما يستطيع.. ويصل في نفس اللحظة إلى بداية الارض الأخرى التي يعمل فيها مزارع آخر.

إن وجود الأرض وتساوى الفرص بين المزارعين واعتماد كل منهم على جهده الخاص هو ما نشترطه لتحقيق العدالة النهائية في شأن قضية الأرض.

أما حين تتوفر هذه الشروط فعلى كل مزارع أن يجد ويكد ليشبع حاجاته، فالذي يعمل ليل نهار سيحقق انتاجا اكثر من ذلك الذي يعمل نهارا فقط.

أما إذا لم تتوفر هذه الشروط وتحصل المزارعون على امكانات مادية متفاوتة فإنهم سيتصارعون وسيظهر الاستغلال وسيعرف لديهم الاستحواذ على أرض أكبر مما يحتاجه بعضهم فعلا مما يؤدى إلى استحواذ هؤلاء على حاجات غيرهم، وهى عندهم مجرد كماليات لكنها لاتلبث أن تكون عندهم حاجات أيضا من جراء تعودهم عليها واستخدامهم الدائم لها.

ومشكلة السكن: حيث يجب أن يكون لكل اسرة بيت، فان مقولة “البيت لساكنه” تنهى ظاهرة الاستحواذ غير المشروع من طرف الاستغلاليين على ثروة المجتمع، تلك التي يجب أن تقسم على عدد السكان بالتساوي ليتحصل كل محتاج على حاجته، فإذا زاد بعد ذلك فائض معين فهو ملك لجميع السكان، ولا يحق لأحد الاستحواذ عليه. إنه حين يتمكن مواطن من بناء عمارة تحوى خمسين شفة ويقوم بتأجير هذه المساكن لمواطنين في حاجة إليها، فإنما قام بسرقة مباشرة لحصتهم في الثروة، واستغلهم بها، وتكون هذه البيوت المؤجرة هي ملك مؤجريها، بدليل حاجتهم إليها وسكنهم فيها. فلو كنا عشرة أفراد، وتقاسمنا عشرة أقلام، فأخذ أحدنا قلمين، فلا شك أن أحدنا سيظل دون قلم، إن صاحبنا الذي أخذ قلمين هو الذي أخذ حصة زميلنا الذي لم يجد قلما. فإذا طلبنا منه إعادة القلم إلى صاحبه أصر أن القلم ملكه!

-“إني لم أتناوله من جيبه.. لم اسرقه ولم اغتصبه، وإنما أعطى القلم لي فأخذته.”.

لكن الأصل في هذه المسألة إن الأقلام العشرة ملك لكل المجموعة لكل واحدا فيها حصة، فإذا تجاوز أحدهم حصته بقى غيره بدون حصة حيث أن الذي تجاوز حصته قد يكون أخذ حصة غيره.

وهكذا هي ثروة المجتمع ملك لجميع المواطنين مقسومة بينهم بالتساوي فإذا نال أحدهم أكثر من حاجته فإن معنى ذلك هو نيله لحصة آخرين، وما ذلك إلا نوع من السرقة.

التلفيقية

مدخل:

إن الأنظمة الرأسمالية والأنظمة الماركسية ليستا المقصودتين بقولنا” أنظمة إصلاحية ذات حلول تلفيقية”.

فالنظام الرأسمالي الذي قام على المذهب الحر وفق وقاعدة” دعه يعمل دعه يمر” هو الذي أدى إلى تراكم الرأسمال وتركيزه خالقا بذلك فروقا طبقية صارخة بفعل النظام الاقطاعي والاستغلالي البرجوازي، الذي تراكم حتى تعفن.

فكان أن جاءت الماركسية كرد فعل لتعفنه وسحقه للطبقات الفقيرة التي تشكل أغلبية المجتمع، حيث تكدست الثروة بيد أقلية قوامها الطبقة الرأسمالية المستغلة.

فكانت الماركسية حلا جديا، لأنها رد الفعل للرأسمالية ولكنها قلبت العالم من وجهه الرأسمالي إلى الوجه الماركسي الذي يشكل الجانب الآخر من العملة نفسها. حيث أمكننا أن نعرف بالتحليل ان العالم لم يتغير أي شيء جوهري فيه، بسبب أن المجتمع الماركسي هو بكل المقاييس العلمية وريث المجتمع الرأسمالي في جميع وظائفه. إي أن الدولة الرأسمالية التي تكونت في المجتمع الماركسي هي وريث حقيقي للطبقة الرأسمالية في جميع وظائفها وسلوكياتها، رغم أنها قامت بالثورة ضدها واسقطتها وحلت محلها.

وحين قامت الدولة الماركسية، قام ما يجب أن نسميه رأسمالية الدولة على أنقاض الطبقة الرأسمالية، تقوم بجميع وظائفها وتحافظ على مصالحها بذات العلاقات التي كانت سائدة ببن الطبقة الرأسمالية وأفراد الشعب.

بل إن الدولة الرأسمالية حاكت الطبقة الرأسمالية في سلوكياتها ووظائفها حتى أنعدم الفرق بينهما، فتحقق في أيدينا نظام ماركسي هو الوجه الثاني لذات العالم الرأسمالي، حتى لا يستطيع خبير إذا رأى مؤسسة ماركسية أن يجزم إن كانت تلك المؤسسة ماركسية أو رأسمالية. بل ان المحاكاة الشديدة التي تنتهجها الدولة الرأسمالية لسالفتها الطبقة الرأسمالية، جعلتهما متطابقتين في كل الأمور، ففي الادارة، نجد إدارة المؤسسات الماركسية تحاكى محاكاة كاملة نظيرتها في نظام رأسمالية الطبقة، حيث تتطابق معها في انتاجها- شكلا وطريقة- وتعامل العمال بنفس المعاملة، منصرفة باسعار السلع كما هو الحال في نظام رأسمالية الطبقة، لتضغط على المستهلك. حتى أن نجاح المؤسسة يعتمد حساب الربح والخسارة، بمعنى ان تلك المؤسسات التي تجلب موردا فوق انتاجها، يفوق تكلفة سلعها هي مؤسسة رابحة.. فهم يسمون الزيادة التي تفوق سعر التكلفة ربحا، أما تلك المؤسسات التي لا توفر ذلك المورد فهي خاسرة طبعا.

ومن هنا توحد النظامان-رأسمالية الطبقة ورأسمالية الدولة – في غاية النشاط الاقتصادي لديهما، التي هي تحقيق الربح.

بل إن تركيبة المجتمعين من حكومة وشعب، وارباب عمل واجراء لهم، ووجود الادارة والمؤسسات الى تسند بقاء النظام كالجيش والشرطة تجعلنا نجزم بشكل نهائي بعدم تغيير شيء في جوهر العالم أثناء حدوث الانقلاب الماركسي.

الانظمة الاصلاحية:

بالإضافة إلى ذينك النظامين(رأسمالية الطبقة ورأسمالية الدولة) يوجد في العالم نظام أخر واسع النطاق يثمل كل الأنظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.

يتكون من تلك الأنظمة المتذبذبة التي لم تختر طريقا جذريا بين النظامين السابقين، ولم تتخطاهما إلى حل بديل عنهما. وماعدا تلك البلدان الرأسمالية التي تعد مستعمرات للعالم الغربي الرأسمالي أو تلك التي انتهجت الماركسية، فإن بلاد العالم كلها هي على هذا النظام التلفيقي فمن الهند إلى امريكا اللاتينية، مرورا بالوطن العربي. وافريقيا وبعض بلاد آسيا الاخرى تتبع جميعا طريقة توفيقية بين مجموعة حلول متناقضة وغير علمية تستعملها كمسكنات مهدئة لمشكلات تتطلب البحث عن حلول جذرية. ولعل أخطر شيء على مستقبل تلك البلدان هو اعتقادها بوصولها إلى حل مناسب باعتمادها تلك الطريقة التلفيقية في التعامل مع مشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وحين نحلل تركيبة هذه الأنظمة وبنيتها الاقتصادية والسياسية ينضح لنا معها التلفيق الذي تعتمده، ومدى التذبذب الذي تتخبط فيه سياسة واقتصاداً، ولكن تذبذبها هذا لا يمكن أن يستمر إلى ما لانهاية، إنها اذا لم تتمكن من ايجاد البديل السليم لتذبذبها، تضطر في نهابة المطاف أن تصبح ماركسية إذا تغلب الاتجاه التقدمي فيها، أما إذا تدهورت أوضاعها وتغلب الاتجاه الرجعي فإنها ستصبح رأسمالية لامحالة.

فمصر التي كانت مثلا يحتذي في إطار الأنظمة الاصلاحية المعاصرة في زمن حـكم عبد الناصر، تراجعت نحو اليمين بعده، وقد كان نظامها تقدميا وتحرريا، إلا أن التركيبة الاجتماعية لها اقتصاديا وسياسيا كانت اصلاحية تلفيقية بحتة، في جميع المجالات الزراعية والصناعية وفى مجال استخدام رأس المال، وفي توزيع الانتاج، ولم يكن ثمة حل جذري في المجال السياسي، مما أدى إلى تدهور الأوضاع بعد موت عبد الناصر، فتحولت الدولة بعده إلى دولة رأسمالية، تسيطر عليها الطبقة الرأسمالية وقوى الاستغلال المحلية. متحالفة ومدعومة بالرساميل الاجنبية.

وهكذا إذا لم يتحقق حل جذري جديد، يتجاوز الرأسمالية والماركسية، فإن أية دولة اصلاحية تنهج النهج التلفيقي محكوم عليها حتما بالتحول إلى دولة رأسمالية أو إلى دولة ماركسية، حيث أن التذبذب والتلفيق بين الحلين السابقين لا يمكن أن يستمر طويلا.

نماذج من الحلول التلفيقية:

يحاول الإصلاحيون التلفيقيون معالجة القضايا والمشكلات بحلول وسطية بين النظامين السابقين، دون أن يغلبوا أحدهما على الآخر، لأنهم إن غلبوا أحدهما على الاخر لم يعودوا تلفيقيين، فإما رأسماليين بعد ذلك أو ماركسيين.

فلو أخذنا مثالا على ذلك في مجال الزراعة..

فإنهم لا يتقبلون الاقطاع المطلق، ولكنهم لا يقدمون بديلا جذريا عنه، ويتخلصون بطريقة تلفيقية تجعل الاقطاع موجودا ولكن بصورة مخففة بعض الشيء، حيث يلجأون إلى تقليمه تقليما- ضعيفا أو قويا- بتحديد الملكية الزراعية مثلا. حين يقومون بتسمية حد أعلى لملكية الأرض، وربما حد أدنى أيضاً، لكن المشكلة تبقى قائمة دون حل حيث أن الارقام التي يقدمونها لا يمكن اعتبارها ارقاماً ثابتة لملكية الارض، فمنهم من يحددها بمائة فدان أو الف. وآخرون يحددونها بمائة هكتار أو الف هكتار كحد أعلى، ويعتقدون بأن القانون كاف للمحافظة على هذا الرقم وترسيخه دون السماح بتجاوزه أو التخلي عنه، ولكن القوانين ذاتها ليست ثابتة وغير محمية على الاطلاق في البلدان الإصلاحية التلفيقية ففي أغلب الحالات تلغى القوانين حالا بمجرد غياب الحكم الذي سنها، هذا إذا لم تعدل في ظل حكم أولئك الذين صاغوها.

ففي مصر كانوا يقولون إن على كل فلاح أن يملك ما لا يقل عن خمس افدنة وما لا يزيد عن خمسين فدانا.. بعدما خفضوا الحد الأعلى للملكية عن المائتى فدان.

وفي مجال رأس المال وارباب العمل نجد مثالا آخر واضحا لمحاولات ايجاد حلول تلفيقية، ففي يوغسلافيا يحرمون رب العمل الخاص من استخدام أكثر من خمسة عمال، فإذا تجاوزهم، تؤمم الحكومة ملكيته لأنه صار مستغلا! وصاحب ملكية كبيرة لا يجب أن تكون موجودة في مجتمع ماركسي؟! وهكذا يلجأون إلى تحديد الملكية وتحديد دخل الشركات المساهمة الوطنية والجمعيات الاستهلاكية والتعاونية، واللجوء في النهاية إلى احتكار الحكومة لبعض المواد، حيث تستوردها وتعرضها للبيع تحت إشرافها المباشر ورعايتها، لأن تلك المواد أساسية وضرورية لأفراد الشعب، لكي تحول دون التلاعب باسعارها. غير أن ذلك لا يكفى، فالتلاعب لا يمكن انهاؤه بسيطرة الحكومة واحتكارها لاستيراد السلع وتسويقها بل هو يزيد ويكبر في ظل هيمنة ما عرف بالقطاع العام.

إن التلاعب بالسلع الضرورية للناس وباسعارها لا يمكن أن ينتهي بقرار حكومي، بل ينتهي ببناء المجتمع على أساس اقتصادي جديد لا وجود فيه لأي امكانية للتلاعب.

ومن هنا كان لابد من إلغاء التجارة الخاصة الاستغلالية حتى لا يتحكم أحد بالجماهير الشعبية عن طريقها، باعتبارها مصدر الاستغلال الرئيسي في المجتمع، على أن تقوم بدلا منها متاجر الشعب، التي يبيع الشعب فيها لنفسه بثمن التكلفة، فينتهي التلاعب بالاسعار نهائيا. بالغاء التاجر الذي يرفع سعر السلعة إلى أقصى ما يستطيع ولو أدى به ذلك إلى تحويلها إلى السوق السوداء ليرفع سعرها بشكل غير معقول مستنزفا ثروات المجتمع، وجامعا لها في يده ليتمكن بعد ذلك من التحكم بمصير الناس الذين أقدموا على شراء بضاعته.

إن أغلب التجار يعلقون بمتاجرهم رخص تسمح لهم بمزاولة هذا العمل الضار بحياة الناس، كما يعلقون قوائم تحدد أسعار سلعهم التي يقتنونها، غير أن تلك الرخص لا تعنى شيئا سوى التغفيل مثلها مثل قائمة الاسعار لا تدل إلا على الاعتراف” الربح المحدد” ولكنها في واقع الأمر طريق الربح غير المحدد، فليس هناك من يستطيع إلزام التجار بربح محدود، حتى المستهلكون أنفسهم لا يمكنهم الاعتراض على سعر السلعة التي يدفعون ثمنها من دمهم وعرقهم، “ففي الحاجة تمكن الحرية” إنهم يتهافتون على السلعة التي يحتاجونها مرغمين بفعل الحاجة. ولست أقصد بان الربح المحدود له مايبرره، إنه مجرد سرقة ولكنها سرقة قانونية مدعومة برخصة تجارية.

حتى إذا جاءت الحكومة لتحتكر عددا من المواد الاستهلاكية على أساس أنها مواد ضرورية للمواطنين ولا يصح التلاعب باسعارها، فان المواطنين في حقيقة الأمر سيعانون من التلاعب في سلع أخرى لم تقم الحكومة باحتكار تجارتها، هذا إذا لم تصل يد التجار لتتلاعب بالمواد المحتكرة من قبل الحكومة وهو ما يحدث عادة.

فالمجتمع المحتاج لعشر سلع استهلاكية تحتكر الحكومة منها اربعا باعتبارها أساسية وتقوم التجارة الخاص بالتحكم بالسلع الأخرى ترفع أسعارها كيف تشاء أو تخفيها لتقلل المعروض منها حتى يكثر الطلب عليها لترتفع بذلك أثمانها، إن هذا المجتمع قد سلك بهذه الطريقة حلا تلفيقيا لا يمكنه أن يقاوم الاستغلال مهما حدد أسعار السلع التي تتحكم بها التجارة الخاصة، لأنها ستتلاعب باسعار هذه السلع ولو اضطرتها مصلحتها إلى بيعها في السوق السوداء.

كذلك المجتمع الذي يسمح باستخدام العمال من قبل أرباب عمل، مكونين بذلك مجتمعا طبقيا من السادة والعبيد الذين يمثلهم أرباب العمل والعمال. لكنهم يحاولون التغطية على هذه العلاقات الظالمة التي تجسد العبودية والاستغلال، بإدخال اصلاحات تلفيقية لتخفيف وطأة تلك الأوضاع الظالمة، فيصدرون قوانيناً تمنع رب العمل من فصل العمال تعسفياً، و لكن العمال يرفضون ذلك النظام الاجتماعي البشع الذي يسمح بوجود سادة وعبيد، أرباب عمل وعمال… مؤجرين وأجراء، ولا ترضيهم الاصلاحات السطحية التي لا تكفى للقضاء على أوضاع الاستغلال والعبودية التي يعيشها الأجراء، وهكذا مرة أخرى يصدرون قانونا جديدا، يقرر زيادة الأجرة للعمال، ويضع حدا أدنى للأجور.

إن هذه السلسلة من الاجراءات التلفيقية هو ما تقوم بعض الانظمة التي تعتبر نفسها ثورية وتقدمية باتخاذها، حيث يحددون الحد الأدنى لأجور العمال معتبرين انفسهم قد حققوا معجزة عظيمة لكنهم يجدون العمال وقد استمروا في المطالبة بحقوقهم، فيعودون إلى رفع الحد الأدنى للأجور مرة ثانية وثالثة، ويمنعون الفصل التعسفي ولكن ذلك كله لا يكفى، فالعمال سيستمرون في المطالبة بحقوقهم، ولكنهم لا يعرفون النهاية السعيدة لنضالاتهم من أجل العدالة، فقمنا هنا في ليبيا بتحريضهم وتعليمهم لتتضح الرؤيا أمامهم، وقد استغرقنا سنة كاملة نشرح للعمال مقولة شركاء لا أجراء وكيف يمكن تطبيقها.. واوضحنا لهم الطرق التي تتم عن طريقها سرقة جهد العمال، حتى اذا وعوا ذلك كله قاموا بالثورة، واستولوا على المؤسسات الانتاجية واصبحوا شركاء لا أجراء، وسيطروا على الادارة، وأخذوا حقهم في الانتاج، بعدما الغوا الربح لأنه لا يعنى سوى الاستغلال والسرقة من قبل رب العمل لجهد العمال..

من أين يأتي الربح؟

إن العامل الذي يعمل عشر ساعات يقوم رب العمل بسرقته حيث يقتطع منه انتاج خمس ساعات لنفسه ويسميها ربحا، ويسلمه انتاج خمس ساعات فقط. ورغم الوضوح في هذا الموضوع الا أن الانظمة الاصلاحية التلفيقية تسن قانونا بعد ذلك لمشاركة العمال في الأرباح، أي أن يتحصل العمال على نسبة ما من انتاجهم المسروق منهم.

فالعامل الذي سرق منه رب العمل خمس ساعات قد يعيد إليه ساعة منها، وهو حل تلفيقي ليس له أثر ايجابي على نضال العمال من أجل حقهم، الذي سيستمر حتى لا تكون هناك أية سرقة لجهد العمال، ولا يكون هناك أرباب عمل اطلاقا، وحتى يكون الذي ينتج هو الذي يستهلك انتاجه.

كما أنه لا معنى لجميع تلك القوانين التي تسن من أجل منع فصل العمال تعسفيا، فهي لا تعدو أن تكون حبرا وورقا حين يكون باستطاعة رب العمل إيجاد المبررات القانونية لإجراءاته بفصل العمال العاملين معه. فرب العمل قادر على جعل فصل عماله قانونيا وليس تعسفيا إذا أعلن افلاس شركته، وأبدى عدم قدرته على استيفائهم لمستحقاتهم أو إذا غير نوع نشاط شركته إلى نوع آخر، فلا يكون أمام العمال إلا الانسحاب ومكابدة البطالة، والإقرار بإرادة رب العمل، الذي كان يعمل مقاولا ثم شاء أن يتحول إلى تاجر، فيقوم بتصفية اعماله السابقة وفقا للقانون المعمول به، ويتجه الى عمل جديد تاركا العمال الذين عملوا له لمصيرهم المجهول، بعد أن يسترضيهم ببعض الهدايا ويلتقيهم في حفل ينظمه لهم على حسابه الخاص! مبينا لهم بأنه مضطر لإنهاء أعماله في هذا المجال بسبب كبر سنه، أو بسبب انخفاض ارباحه.. الخ.

أما إذا رفض العمال التخلي عن عملهم، وجازفوا حتى بالاستيلاء على المنشآت التي يعملون بها،. مقدمين الدليل على كذب ادعاءات رب العمل، فإن الحكومة الرأسمالية وفقا للقوانين المعمول بها هي التي تتكفل باخراجهم وبتنفيذ إرادة رب العمل.

إن القوانين التي تقرر تحديد الملكية وتحديد الدخل لا يكون لها أي معنى، مادام النشاط الخاص الاستغلالي مسموحا به أصلا، كما أن الضرائب التي تفرض على الدخول الخاصة، وهى تلك الضرائب التصاعدية التي يراد لها أن تحد من الدخل لجهة في المجتمع، لتساهم في تقريب المستويات الاقتصادية لأفراده، لن تكون مؤثرة، لأن النشاط الاقتصادي الاستغلالي لا يعرف الحدود، ولا تستطيع القوانين أن تلزمه بنظام محدد ولا بمستوى معين.

إن اللجوء إلى هذه السلسلة الطويلة من القوانين هو نموذج من التلفيق لمعالجة المشكلات الأساسية للمجتمع عن طريق تحديد الدخل وتحديد الملكية والحد الادنى للأجور وتحديد الاستخدام لليد العاملة ونظام المشاركة في الارباح وإقامة الجمعيات الاستهلاكية التجارية. ولا يمكننا أن نسمى أياً من هذه الأساليب حلا، وإنما هي محاولات تلفيقية واصلاحية تثبت التجربة العلمية بطلانها سريعا لتعود المشكلات للتفاعل بشكل أشد.

فالجمعيات الاستهلاكية ليست سوى متاجر عادية، حيث يقوم مجموعة من الناس بإقامة متجر يديره بعضهم، في حين يواصلون هم اعمالهم العادية، وتحقق جمعيتهم الاستهلاكية ارباحا من المستهلكين، إذن فهم يمارسون التجارة الخاصة الاستغلالية ويستغلون المستهلكين، عن طريق متجر جماعي استغلالي هو الجمعية الاستهلاكية التعاونية، التي لم تحل مشكلة التجارة الاستغلالية.

أما حينما يؤسس الاصلاحيون التلفيقيون الشركات المساهمة الوطنية والتي هي عبارة عن خليط بين أموال حكومية وأخرى يقدمها الرأسماليون الاغنياء. فإن غرضهم هو وضع هيمنة محدودة من قبل الحكومة على القطاع الخاص الاستغلالي لعلهم يتمكنون من الجامه ويحدون من طغيانه، لكن ذلك لا يتحقق، وتبقى هذه الطريقة تلفيقا مجردا لا يغني عن الحل.

إلغاء الرأسمالية:

إن وجود رأسمالية هو مشكلة مهددة لتقدم المجتمع بغض النظر عن كونها رأسمالية وطنية أو أجنبية خاصة أو حكومية.. إن الحل الجذري الوحيد والسليم هو الغاء الرأسمالية بجميع أشكالها سواء أكانت رأسمالية الطبقة المستغلة أو رأسمالية الدولة.

فالرأسمالية هي الرأسمالية لا فرق فيها، فليس ثمة فرق بين العمال الذين يعملون لرب العمل الرأسمالي الفرد وبين العمال الذين يعملون لرب العمل الرأسمالي المتمثل بالحكومة الرأسمالية.. إنهم جميعا يعانون نفس الظروف، ويقاسون الاستغلال ويطالبون في الحالتين بتحسين أوضاعهم وزيادة أجورهم وتقليل ساعات عملهم.. وهم في الحالتين يثورون ضد الإدارة ويضربون ويعتصمون.. ويتظاهرون.. ولم يظهر أي اختلاف بين العامل الذي يعمل لشركة خاصة والعامل الذي يعمل لشركة حكومية، ورغم ذلك فهو حل تلفيقي فحواه المزاوجة بين النظامين رأسمالية الطبقة ورأسمالية الحكومة، بمعنى وجود القطاعين العام والخاص معا في محاولة للتعايش، ولكن ذلك لا يلبث أن يتخذ شكلا رأسماليا عاديا يسمح بمزاولة النشاط الاقتصادي بلا حدود، ويؤدى إلى أن تبتلع الشركات الكبيرة نظيراتها الصغيرة، وسرعان ما ينشأ الاحتكار الرأسمالي، فليس في مقدور الشركات الصغيرة الصمود طويلا في مواجهة الشركات الكبيرة، وليس في طبيعتهما التعايش.. بل هو أمر مستحيل لا يمكن أن يتوفر بين القطاعين العام والخاص.. ولا بد لأحدهما أن يبتلع الآخر ويطويه نهائيا في ظل أوضاع المزاحمة والصراع الرأسمالي الذي ينشأ بينهما فور محاولتهما اقتسام مجال الاستغلال الممكن لهما.

وهكذا فان محاولات الاصلاحيين من مشاركة العمال في الأرباح ومشاركتهم في الإدارة، وتحديد ساعات العمل.. وإقرار حد أدنى للأجور، ووضع التسعيرة على السلع التي تتداولها التجارة الخاصة الاستغلالية لا تعدو أن تكون محاولات تلفيقية محكومة بالفشل علميا وعمليا.

لقد صار بإمكاننا أن نستمع إلى شعار يتردد في الكثير من البلدان يقول:” يجب الضرب بيد من حديد على التجار الجشعين”. وليس هذا سوى شكوى صريحة تصدر بسبب الظلم الذي لحق الناس من جراء التجارة الخاصة الاستغلالية، وهو الأمر الذي لا علاج له سوى إلغاء هذا النوع من النشاط الاقتصادي الذي يعتمد الاستغلال وينافي قواعد النشاط الاقتصادي الاشتراكي الانتاجي. أما حين القبول بوجود مثل هذا النشاط فإن المستهلكين لا يمكنهم تحت ضغط حاجاتهم الا الإذعان لسطوة الاستغلال رغما عنهم، فيتصرفون ضد مصالحهم، حتى وأن كانوا يدركون الاضرار الناجمة عن تصرفاتهم تلك، حين خضوعهم للاستغلال، ولكنهم يبررون دائما بان لا حيلة لهم.

إن المحتاج ليس حرا في قراره واختياره، ففي الحاجة تكمن الحرية، وهو مدفوع تحت ضغط الحاجة إلى القبول، باستغلال الآخرين له.

مثال:

حين تكون محتاجا حاجة ماسة لقطعة من الارض يملكها آخر وتكون الحكومة قد وضعت تسعيرة لسعر المتر الواحد من هذه الارض بدينار مثلا، ولكن مالكها يرفض البيع حسب التسعيرة ويقرر أن يبيع في السوق السوداء بسعر أعلى أضعاف المرات، فهل ستقبل الشراء منه وفقا لما يريد؟

إن المحتاجين يقبلون دائما، وتراهم يرضخون لأساليب الاستغلال بلا تحفظ تحت ضغط حاجاتهم.

فحين تكون الأرض مقسمة بين عدد من الرأسماليين، يكون وضع تسعيرة لها عملا عبثيا لا معنى له.. وحين نسمح بملكية الأرض الزراعية لشخص أو مجموعة من الأشخاص، فإن تحديد الحد الأعلى والادنى للأرض الزراعية ليس حلا في واقع الأمر.. وحين نسمح للرأسمالية بالعمل فإن محاولة إجراء تعايش بين نماذجها المختلفة ووضع شروط. قانونية لها لن يكون حلا على الاطلاق..

وحين يكون هناك عمال وارباب عمل، فإن أي قانون نسنه ليس سوى تنظيم لعلاقة مجحفة بين سيد وعبد.. إنها مجرد تلفيق وحين نضخمها بقولنا محاولات اصلاحية لا يمكنها أن ترقي إلى مستوى الحل الجذري، الذي تكون الانظمة الاصلاحية أبعد ما تكون عنه بسبب نظامها السياسي التلفيقي.

إن الأنظمة الاصلاحية هي أفضل من الانظمة الرأسمالية التي وجد النظام الاصلاحي بسبب الثورة عليها.

إن معظم الانظمة السائدة الآن في العالم المعاصر هي انظمة إصلاحية ذات حلول تلفيقية، لا شك أنها قد بذلت جهدا من أجل الاصلاح، ولكن جهدها كله يقع داخل دائرة التلفيق، الذي يجعل منها أنظمة مؤقتة مهزوزة، تعيش. على الاستغلال والعسف، وهي مضطرة لذلك، فليس. ما يدفعها هو الخيانة أو عدم الصدق في مواجهة المشكلات التي تنتاب مجتمعاتها، وإنما بتجدد مرضها الأساسي في قصور الرؤيا لديها، وعدم وجود بديل عن الرأسمالية التي رفضتها وانتفضت ضدها، وعن الماركسية التي لم تتقبلها واعتبرها شرا آخر لا يجب الوقوع في برائنه.

وصار عليها أن تلـفق وتتـذبذب بين مختلف التوجهات مختلقة حلولا سطحية، كثيرا ما تلجأ في ايجادها إلى الرأسمالية والماركسية في محاولة للمزاوجة بينهما، ولو قدر لها أن تجد بديلا عنهما لما آلت إلى هذا التخبط والفوضى الذي تعانيه نتيجة قصور الحلول التلفيقية التي انتهجتها.

وحتى في ليبيا بعد تفجر ثورة الفاتح العظيم وقع اللجوء إلى بعض الحلول التلفيقية بسبب الرفض الشديد للرأسمالية باعتبارها تخلفا مطلقا، وبسبب عدم الاقتناع بالماركسية من حيث إنها لم تعد حلا.. ولكن التلفيق لم يكن ليستمر، فقد كان البحث يجرى عن حل جذرى، ظهر بعد ذلك في الكتاب الأخضر الذي تجاوز بطرحه الفكر المطروح رأسماليا وماركسيا، وانفسح المجال بالكتاب الاخضر لظهور فكر ما وراء الماركسية، وما وراء اليسار.. وانفسح المجال لاكتشاف امكانية قيام نظام جديد ذي حلول جذرية نهائية يتجاوز كل الحلول المطروحة في العالم المعاصر.

ولعل النظام الجديد كان نتيجة الازمة في العلاقة الجدلية بين. الرأسمالية والماركسية، فكان لا بد من البديل الثالث.

وحتى وفقا للمنطق الجدلي” الديالكتيكي” الذي تعمل به الماركسية-حين نسلم به- فإن الازمة في العلاقة الجدلية بين المعطيتين الرأسمالية والماركسية تكون نتيجتها حتما شيئا ثالثا يحل بدلا عنهما. إن هذا كاف لاقناع الماركسية تماما، ولكنه من الصعب قيام النظام الماركسي بهدم نفسه عند ايجاد نظرية جديدة.

إن أزمة حقيقية قد وجدت في العلاقة الجدلية بين الرأسمالية والماركسية بسبب أن الرأسمالية لم تحقق الحل المطلوب لمشكلات الانسان ومعاناته المزمنة وإنما أدت إلى قيام نظام استغلالي عبودي متعفن، كما لم تقدم الماركسية التي كانت رد الفعل للنظام الرأسمالي أي جديد سوى نظام عقيم، قتل الديمقراطية الشعبية وأقام دكتاتورية أبدية للحزب الماركسي، الذي تسنى له- إذا لم تتبدل الظروف- أن يهيمن على المجتمع الماركسي إلى الأبد.

ولكن، لماذا نقول يهيمن إلى الأبد؟!

لأنهم يقولون إن هيمنته ستستمر حتى تتحقق الشيوعية.. الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فتختفي الدولة ويسير المجتمع ذاتيا.. الأمر الذي لا نرى بأنه سيقع إذا كان طريقهم إليه هو الحل الماركسي، ولذلك نجزم باستمرار الدكتاتورية التي يفرضها الحزب الماركسي، الذي يرى بأن أي حديث عن رفض دكتاتوريته هذه إنما هو ردة باتجاه الرأسمالية والبرجوازية وجبت مقاومتها دمويا.. ويرى عدم الثقة بالجماهير ما لم تتحقق الشيوعية.. فيجب ألا تمنح أي قدر من السلطة، ويجب أن تقام المجالس التي يسمونها شعبية”السوفييتات” من اعضاء الحزب الماركسي وحدهم.. لأنهم موثوقون. لدى الحزب، وقادرون على تنفيذ تعاليمه الماركسية اللينينية التي تقود المجتمع باتجاه الشيوعية!..

وهكذا ستظل الجماهير الشعبية محرومة من أي ممار للديمقراطية إلى الأبد أيضا!

أما الانظمة الاصلاحية فإنه ليس بمقدورها الاستمرار في تذبذبها إلى الأبد، فهي إما غلب عليها الاتجاه اليساري وقادها إلى الماركسية، وإما انتكست باتجاه اليمين وعادت ادراجها لتلتحم بالرأسمالية.

إن أولئك الذين لم يقتنعوا بالماركسية كانوا قد ثبت لهم أنها تسير في طريق مسدود، ولا يمكنها أن تكون الحل المرجو.

وإذا استبعدنا الجانب الديني في الماركسية من تقييمنا فنحن نرفضها لأنها تفرض دكتاتورية أبدية على الجماهير الشعبية التي لا يكون لها أي دور إلا أن تنتج كمثل خلية النحل حيث تعمل الشغيلة جميعها لصالح الملكة. يقول الشيوعيون” بأنهم يبنون مجتمعا من النحل هدفه الوصول إلى الشيوعية، إننا نقف طابورا واحدا ليس له أي قيمة.. إلى أن تتحقق الشيوعية..”.

ونحن لا نقر هذه الدكتاتورية، بل ندعو إلى أن تمارس الجماهير الشعبية الديمقراطية المباشرة بشكل فعلى.

كما نرفض المذهب البيروقراطي الذي يكدس الثروة في يد الحكومة فتنفقها بمفردها- متجاوزة الجماهير الشعبية- بالصرف على برامج لم توافق الشعوب على تمويلها من مثل برنامج الفضاء أو البرنامج النووي، مع أن هذه البرامج تقتطع تكاليفها الضخمة من جهد هذه الشعوب التي لا يكلفون انفسهم حتى عناء استشارتها، حيث تصدر القرارات بشأن هذه البرامج من جهات فوق الجماهير، مثل مجالس” السوفييتات” ويعتبرون ذلك منتهى الديمقراطية حتى انهم يسمون انظمتهم بعد ذلك”بالديمقراطية الشعبية(.. حيث ان نظامها قـائم على المجـالس الشعبـية(السوفييتات). ولكنهم لا يسمحون للشعب بممارسة حياته بحرية بحجة احتوائه على البرجوازيين والرأسماليين والتحريفيين، الذين يتوقع منهم الانحراف بالمجتمع خلافا لما تراه الماركسية.

الحل:

إن الحل الذي ينقذنا من النظام الرأسمالي المتعفن والمتخلف.. ومن النظام الماركسي البيروقراطي والدكتاتوري.. ويخرجنا نهائيا من دائرة، الانظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.. هو أن نتجاوز إلى ما بعد اليسار وما وراء الماركسية، لنقضي على الازدواجية التلفيقية والثنائية الاصلاحية، ونجد حلولا جذرية مباشرة لكل المشكلات المستعصية التي نبحث لها عن حل.

فمشكلة الأرض: يمكن حلها نهائيا عندما تصبح ملكا للجميع وليست حكرا على أحد، فيمكن لكل محتاج لاستغلالها أن يستغلها لمنفعته.. وليس له الحق في تملكها ملكية رقبة.. فحين يقوم مزارع باستغلال أرض زراعية فإنه إذا مات أو تغير نوع نشاطه يترك الارض الزراعية ليستغلها مزارع غيره، ويتجه هو إما إلى المقبرة أو إلى قطعة أرض تناسب نشاطه الاقتصادي الجديد.

فحين تكون الارض ملكا للجميع وليست ملكا لأحد بعينه، فإن لكل إنسان حق استغلالها بجهده الخاص لإشباع حاجاته، دون استخدام غيره بأي عذر، ويكون هذا الحل جذريا، وقابل لترسيخ نفسه دون حاجة إلى رقابة أو منح رخصة في استخدام الأرض.. ودون الحاجة إلى سن قانون يحدد مساحة الارض التي لك أن تستغلها، حيث يقوم جهدك الخاص بمهمة تحديد هذه المساحة، فحين تأخذ محراثا وتتجه بنفسك إلى قطعة من الأرض، ويأخذ كل المزارعين مثلك محاريثهم، فإن كلا منكم سيقف عند حد معين لا يمكنه تجاوزه وفقا لجهده، في الوقت الذي لا تكون فيه الفروق بارزة.

إن الصراع والتدافع سينتهيان على الأرض حين يكون على كل فرد أن يبذل جهده فقط دون أن تتاح له فرصة استغلال غيره، وأن تكون الفرص التقنية متساوية من حيث الحصول على الآلات التي يجب أن تتوفر للجميع عندها يصل المزارعون إلى حدود كل منهم تلقائيا حين يعمل كل منهم حتى يصل إلى نهاية ما يستطيع.. ويصل في نفس اللحظة إلى بداية الارض الأخرى التي يعمل فيها مزارع آخر.

إن وجود الأرض وتساوى الفرص بين المزارعين واعتماد كل منهم على جهده الخاص هو ما نشترطه لتحقيق العدالة النهائية في شأن قضية الأرض.

أما حين تتوفر هذه الشروط فعلى كل مزارع أن يجد ويكد ليشبع حاجاته، فالذي يعمل ليل نهار سيحقق انتاجا اكثر من ذلك الذي يعمل نهارا فقط.

أما إذا لم تتوفر هذه الشروط وتحصل المزارعون على امكانات مادية متفاوتة فإنهم سيتصارعون وسيظهر الاستغلال وسيعرف لديهم الاستحواذ على أرض أكبر مما يحتاجه بعضهم فعلا مما يؤدى إلى استحواذ هؤلاء على حاجات غيرهم، وهى عندهم مجرد كماليات لكنها لاتلبث أن تكون عندهم حاجات أيضا من جراء تعودهم عليها واستخدامهم الدائم لها.

ومشكلة السكن: حيث يجب أن يكون لكل اسرة بيت، فان مقولة “البيت لساكنه” تنهى ظاهرة الاستحواذ غير المشروع من طرف الاستغلاليين على ثروة المجتمع، تلك التي يجب أن تقسم على عدد السكان بالتساوي ليتحصل كل محتاج على حاجته، فإذا زاد بعد ذلك فائض معين فهو ملك لجميع السكان، ولا يحق لأحد الاستحواذ عليه. إنه حين يتمكن مواطن من بناء عمارة تحوى خمسين شفة ويقوم بتأجير هذه المساكن لمواطنين في حاجة إليها، فإنما قام بسرقة مباشرة لحصتهم في الثروة، واستغلهم بها، وتكون هذه البيوت المؤجرة هي ملك مؤجريها، بدليل حاجتهم إليها وسكنهم فيها. فلو كنا عشرة أفراد، وتقاسمنا عشرة أقلام، فأخذ أحدنا قلمين، فلا شك أن أحدنا سيظل دون قلم، إن صاحبنا الذي أخذ قلمين هو الذي أخذ حصة زميلنا الذي لم يجد قلما. فإذا طلبنا منه إعادة القلم إلى صاحبه أصر أن القلم ملكه!

-“إني لم أتناوله من جيبه.. لم اسرقه ولم اغتصبه، وإنما أعطى القلم لي فأخذته.”.

لكن الأصل في هذه المسألة إن الأقلام العشرة ملك لكل المجموعة لكل واحدا فيها حصة، فإذا تجاوز أحدهم حصته بقى غيره بدون حصة حيث أن الذي تجاوز حصته قد يكون أخذ حصة غيره.

وهكذا هي ثروة المجتمع ملك لجميع المواطنين مقسومة بينهم بالتساوي فإذا نال أحدهم أكثر من حاجته فإن معنى ذلك هو نيله لحصة آخرين، وما ذلك إلا نوع من السرقة.


مقولات رجعية

مدخل

هل للإنسان قيمة؟

إن قيمة الإنسان في العالم المعاصر تقاس بما يملك.. أي أن قيمة الانسان في العالم المعاصر تقاس بما لديه من مال، فمن يملك مالا وفيرا، ارتفعت قيمته ومن كان فقيرا فقد أية قيمة.

وقضية قيمة الانسان ذات صلة وثيقة بمبحث الاخلاق وموضوع الفنون، وثلاثتها موضوعات تفسيرية اكثر منها أمورا عملية. ولكنها تفسر الجانب العلمي للحياة، كما تفسر تاريخ منطقة معينة لأنها تعتبر تاريخا بشكل من الاشكال وبسبب علاقتها بالتكوين القومي للمجتمع، على أن العامل القومي والعامل الاجتماعي هما محركا التاريخ وأساسا الحركة الايجابية للجماعة الانسانية وهو أمر ذو علاقة وثيقة بموضوع الوحدة القومية للامة.. وبموضوع مواجهتها للتحديات الخارجية والاستعمار.. وهو تفسير علمي يقطع الطريق على قيام الإمبريالية، بدحضه للتفسيرات المادية التي تبرر ظاهرة الاستعمار الجديد وهى ما يحاول النظام القائم على رأسمالية الدولة مقاومتها، ولكنه يقدم بدلا عنها بديلا امبرياليا هو الآخر تحدده الدعوة الى تجاهل العوامل القومية والدينية كأساس لحركة الاجتماع الإنساني.

انه إذا كانت الرأسمالية قد وصلت في استغلالها وهيمنتها الى مرحلة عالمية، بحيث تعاملت مع الاقتصاد العالمي كما لوكان ملكا خاصا بها، مقتصرا على الاستجابة لمتطلبات نشاطها الخاص، محققة ما عرف بالامبريالية الدولية، فان أطروحة الاممية هي بكل موضوعية امبريالية جديدة.

فحين نناقش موضوع الاممية دون أن ننحاز عاطفيا لأنفسنا أو لغيرنا، ونتعمق بجرأة في مناقشة قضايا كالاممية الدينية أو السياسية أو الاقتصادية، فأننا نصل إلى أن الأممية هي شعار إمبريالي.. يحقق إمبريالية جديدة بدلا عن تلك المتعارف عليها في السابق..

فالتوسع الامبريالى هو عدم احترام حدود الغير.. الجغرافية والقومية والدينية.. بقصد تحقيق مكاسب لا يمكن تحقيقها إلاعلى نطاق أوسع. فالرأسمالية تزدهر حين تقوم المؤسسات الرأسمالية بعمليات استغلال واسعة النطاق تستولي خلالها على ثروات الشعوب دون اهتمام بأديانها أو أعراقها أو حدودها الجغرافية.

ولقد كانت الحجة التي تقدمها الرأسمالية بين يدي عدوانها على الشعوب، إن الشعب الذي يمتلك ثروة ولا يستطيع استغلالها لمصلحته، يجب عليه أن يسلمها للقادرين على استغلالها من الرأسماليين. بل أن الرأسمالية وصلت في ذلك الى أبعد مستوى حين طرحت ان الرأسمالية النشطة لا يمكنها ان تراعى أصحاب الثروات الكسالى العاجزين عن عمل شئ مفيد، فقد كانت قناعات هتلر والنازية أن الكرة الأرضية هي للجميع، ولامبرر لاحد ليحتفظ لنفسه بأي قطعة منها لأي سبب من الاسباب القومية أو الدينية أوغيرها. فالشعب الألماني النشط من حقه أن يتوسع حتى حدود مجاله الحيوي، دون مراعاة أي شيء آخر. انه من السذاجة ان يتفرج شعب نشط على شعب آخر غير مستغل لثروته دون ان يكتسحه ليستغل الثروة التي لديه. أي أن الأقوياء يجب أن يبسطوا نفوذهم على حساب الضعفاء. ليتجاوز الاستغلال حدود الامة الواحدة فينشأ بذلك استغلال أممي متجاوز للحدود القومية والدينية والسياسية وهو ما اصطلح على تسميته بالإمبريالية.

كذلك فإن تجاهل القوميات والأديان بالدعوة الى الأممية، سيؤدى الى تدمير حضارات وفناء كيانات.. ونشوء صراعات بغض النظر عن المضمون الفكري للدعوة الأممية دينيا كان أم غير ديني، فالأممية بعدم احترامها للحدود بين القوميات والديانات والكيانات السياسية ستخلق وضعا يسوده قانون الغابة حيث يسيطر الاقوياء القادرون على الضعفاء العاجزين ليفرضوا معتقداتهم ويحققوا مصالحهم دون مراعاة لأي شيء آخر.

ان ذلك لا يمكنه أن يكون وضعا سليما لانه ليس وضعا طبيعيا، وبالتالي فهو يؤدى الى انهيار كامل للسلام في العالم، على نقيض ما يدعيه دعاة الأممية باعتبارها نظرية للسلام بين البشر بحجة أنها مضادة للامبريالية فحين تتهدد مصالح شعوب وأمم وأديان.. فإن أصحاب هذه المصالح القومية والدينية سيقاتلون من أجل مصالحهم وضعا امبرياليا يسعى الأقوياء لفرضه عليهم.. مما يخلق وضعا متأزما ومتفجرا بين أولئك الذين تضررت مصالحهم وتهددت كياناتهم وبين الذين أضروا بهم دون أن يلتفتوا الى المبررات النظرية التي تبرر هذا الوضع. حيث ان تلك المبررات لا تعدو كونها محاولة لتبرير امبريالية جديدة.

لقد وجب ان نضع نظرية جديدة تخلص العالم من العسف والاستغلال، فتؤدى الى انعتاق حقيقي للشعوب في كل مكان، فتنتصر الحرية بممارسة الديمقراطية الشعبية المباشرة لتتحقق آدمية الإنسان، دون ان نقع في براثن امبريالية جديدة.

فنحن لا ندعو الى اقامة جماهيرية واحدة في العالم كله، ولا نعتقد أن ذلك يمكن أن يتحقق، ولكننا ندعو الى حياة الحرية باقامة جماهيرية في كل مكان على حدة .

فبحسب التقسيمات الجغرافية والسياسية على الخريطة العالمية التي رسمتها قوى الاستغلال والدكتاتورية والإمبريالية يمكن أن تقام جماهيريات شعبية ليحل عصر الجماهير بدلا عن عصور الدكتاتورية والفاشية، فيحل بحلول عصر السلام الحقيقي بين البشر، حيث ستختفي الجيوش النظامية وسيختفي الأفراد الذين يصدرون الأوامر للجيوش باجتياح أراضى الغير واجتياز حدودهم.

وتسود الروح الديمقراطية الشعبية فيحل الشعب المسلح بدلا عن الجيش النظامي. ان الشعب المسلح بطبيعة الحال سيكون دفاعيا على نقيض الجيش النظامي الذي يعد أداة مناسبة للهجوم بفعل حجمه المحدود والمناسب للحركة والمجهز للقيام بعمليات التعرض العسكرية التي تشجع على الغزو والاحتلال، واجتياز حدود الغير بالعدوان.

ولعل جميع عمليات تهديد السلام وجميع أنواع العدوان قد اقترفتها الجيوش بكاملها، دون ان نسمع عن شعب خرج من أرضه بالكامل ليغزو شعبا آخر ويحتله. سوى في فترة الهجرات التاريخية المعروفة، حيث تترك بعض القبائل أراضيها القاحلة لتتجه الى حيث الخصب، وهى مرحلة انتهت الا من ذاكرة التاريخ.

مؤشرات أساسية :

إن الأخلاق والفنون وبالتالي قيمة الإنسان تتأثر بشكل مباشر بأمور ثلاثة هامة هي السياسة، والاجتماع، والثورة. ولذلك فهي تختلف كلما خضعت لتأثير عامل منها دون العاملين الآخرين، أو كلما نظر اليها من خلال زاوية من هذه الزوايا المختلفة. فينبغي لكل منا أن يفهم قيمة الانسان وتلك القيم جميعا عبر كل زاوية من هذه الزوايا، حيث إن جهلها يعد ضعفا يؤدى الى الهزيمة العقائدية والنظرية التي تؤدى بدورها الى هزيمة سياسية واقتصادية وعسكرية. فمن زاوية علم الاجتماع ننظر الى هذه القيم كما هي دون تغيير، فعلم الاجتماع لا يدرس امكانية تغيير هذه القيم ولا ما ينبغي لها أن تكون، وانما يدرسها كما هي متحققة في الواقع المعاش. فهو لا يأتي بجديد وانما يكشف عن الواقع الاجتماعي المتيقن الوجود. وقد يخدع الثوريون الذين يدرسون تلك القيم اجتماعيا اذا لم يكونوا على دراية سياسية وثورية، حيث أن الدراسة الاجتماعية لا تخلص إلى أصدر أحكام قيميه بحق الظواهر الاجتماعية موضوع الدراسة، فليس لها ان تحدد الخير والشر أو الحلال والحرام. فذلك ليس مجال علم الاجتماع الذى يتناول الموجود بشكل طبيعي دون أن يغيره، فهو يدرس الظواهر التي ربما تكون قد شهدت تطورات سلبية حتى فسدت كما تفسد المادة المتخمرة، ثم تنحرف بعد ذلك نتيجة تخمرها.

ان قيمة الإنسان في مجتمع استغلالي متخلف أو تسيطر عليه الرأسمالية والطبقات الاجتماعية الرجعية العميلة لها يكون أساسها المال..

حيث النظام الاجتماعي في مجتمع كهذا يقرر بأن قيمة الانسان تكون بقدر ما لديه من أموال، فيعترف هذا المجتمع بكل طرق السلب والنهب والاستغلال للحصول على المال بغرض احراز قيمة.

فحين يسود قانون الغاب فان أكثر الأفراد قيمة هو الاكثر شراسة ووحشية وبالتالي، فان الغش والسرقة واستغلال جهد الآخرين تعد أمورا مباحة في مثل هذا المجتمع ليصل متقنوها الى احتلال حيز من القيمة يناسب ذكاءهم وحذقهم وقدرتهم على جمع أكبر قدر من المال.

ان الذين يعيشون في مجتمع يمارس الدجل السياسي يعرفون أن أكثر الافراد قدرة على الكذب والنفاق والديماغوجية هم الذين يصلون دائما الى السلطة، لانهم يجيدون القفز على جميع الحبال دون أن يصابوا بأذى.

ولقد عرفنا في العالم الثالث اندثار حركات التحرر الحقيقية وبروز مجموعات من عملاء الاستعمار الأوروبي مكانها، دون أن تفسر تفسيرا عميقا كيف استطاعت حركات رجعية أن تصمد حتى النهاية لتقطف ثمارا لم تبذل جهدا في إنباتها أو إنضاجها، ولكن الذين عاصروها أو علموا حقيقتها أدركوا ان الحركات الرجعية ليست سوى مجموعات من العملاء المنافقين أشبه بقطيع من القطط يسيرون على الحبال أو يتسلقون الجدران، دون أن يحملوا في جرابهم شيئا من القيم الوطنية أو التقدمية، ودون ان تسمع يوما بأن قطا قد انكسر لانه تسلق جدارا.

ان علم الاجتماع لا يصنع أخلاقا، ولكن الواقع الاجتماعي يصنع أخلاقه، ومن هنا فان أوضاع الاستغلال قد جعلت سلب جهد الآخرين واستغفالهم وقهرهم عملا أخلاقيا مقبولا في ظلها، يصرح به القانون وتسمح به السلطات السياسية وتوفر جهدا خاصا لحمايته.

ان كل شيء في مجتمعات الاستغلال يعلن عن مستغل فاللافتات والشوارع والمباني تعلن عن وجود السارقين والناهبين من شركات الإنشاءات والمقاولات والمتاجر التي تملك رخصا قانونية في مزاولة استغلالها..

ان أي مواطن في العالم يمكنه أن يقرأ مئات الاعلانات التي تعد أخلاقية ومشروعة في عالم الاستغلال من تلك التي تدل على بيوت للايجار أو اراض للبيع أو مواصفات لخادمة منزلية، مقرونة بهاتف صاحب الاعلان أو صندوق بريده حيث لا يضطره شيء الى الاختفاء والتستر، فالمجتمع لا يعتبر مثل هذه الإعمال مشينة أخلاقيا أو ملاحقة قانونا!..

ان كل مجتمع استغلالي في العالم المعاصر يتضمن طبقة من المستغلين والسراق الذين يستحوذون على ثرواته المادية وممتلكاته وامكاناته كلها ثم يحددون علاقة ظالمة مجحفة تربط بينهم وبين باقي الأفراد، دون أن يشعروا بحرج أخلاقي أو يواجهوا بمقاومة قانونية من حيث إن ذلك كله مباح ويعد مقبولا من الناحية الاخلاقية المعمول وفقها من جميعمجتمعات الاستغلال. بل انهم يعلنون عن مشروعية ذلك وقانونيته بحمل رخص تسمح بممارسته.

ان قيمة الإنسان في عالم الاجتماع لاتنبئنا عن قيمته الحقيقية التي كانت له قبل فساد المجتمعات الإنسانية أو تكون له بعد تدمير هذه المجتمعات. كذلك فان السياسة لا تقدم لنا صورة حقيقية عن قيمة الإنسان. كما تعتبر الفنون في مجتمعات الاستغلال عن الوقع الموجود أوهي تكون صورة عنه وتقوم بتبريره من خلال جميع النماذج الفنية المتاحة.

أما علم السياسة فهو لا يقدم الاشياء كما هي ولكنه يتدخل فيها بغرض استغلالها سياسيا، فتناوله للظواهر الاجتماعية تناول مزيف، إذ ليس من مصلحة السياسة أن تقدم الأمور على حقيقتها وخاصة تلك التي تضر بالسياسة فتكيفها لمصلحتها بتزييفها وهكذا تتعرض جميع الظواهر الاجتماعية لتزييفها من قبل السياسة. فالحكومات تمارس تزييف الظواهر الاجتماعية لاستغلالها سياسيا فتخدع أفراد المجتمع بأن تغييرا ايجابيا يجرى احداثه في المجتمع في الوقت الذى تقوم فيه بعمليات تزييف سياسية للواقع الاجتماعي بقصد توظيفه لمصلحة النظام السياسي القائم.

ان خلطا تحليليا يحدث بين التزييف السياسي للواقع الاجتماعي وبين البحث العلمي في الظواهر الاجتماعية. سببه فقدان المنهج الفقهي الثوري الذى يضع مواصفات التحليل العلمي للواقع الاجتماعي، فبغياب الفقه العلمي الثوري سيطر منهج التزييف السياسي في التحليل الاجتماعي واستطاع ان يطيل عمر النظم الدكتاتورية الفاشية المعادية للجماهير الشعبية، بخلط الرؤى الفكرية وتفريغ النضالات الشعبية من محتواها الثوري الجذري المتجه نحو تدمير الهياكل الاجتماعية الظالمة التي بنتها القوى الاجتماعية الرجعية في المجتمعات الإنسانية..

وهكذا فان وجود ثوار يتسلحون بفقه ثوري علمي هو ما يجب ان يتوافر قبل كل شيء لإلغاء المنهج التزييفى في تفسير الظواهر الاجتماعية، وكذلك لكشف زيف التركيبات الاجتماعية المعادية للتقدم والحرية.. وزيف الديمقراطية التقليدية المعاصرة.. ذات المفهوم الشكلي في التعامل مع المشكل السياسي عموما ومع حرية الافراد بشكل خاص. ولكشف حقيقة الدكتاتورية والعسف والاستغلال والتجهيل في المجتمعات الإنسانية المعاصرة..

فيقومون بتحريض الجماهير على الثورة ضد هذه المجتمعات الرجعية لتدميرها واقامة مجتمع جماهيري. خال من الظلم والتخلف.

ان فقها ثوريا علميا تدرسه مجموعة من الثوار ويعلمونه للجماهير هو أخطر ما يواجهه النظام الاستغلالي العالمي المعاصر، لانه العامل الوحيد الذى يخلق مواجهة حادة مع هذا النظام لينسفه نسفا جذريا لمصلحة الشعوب ولمصلحة الحرية والتقدم والاشتراكية.

ان القوى الاجتماعية الرجعية تدافع عن الواقع الإجتماعي القائم وتحافظ عليه لتبرر عن طريقه وجودها ومصالحها. فهي تتخذه حجة وسندا لمقاومة وإجهاض عمليات التغيير التي تستهدف مصالحها،كما أنها تستخدمه أداة قمع للقوى الثورية بهدف منع حدوث عمليات التغيير الثوري، بل تجريمها باعتبارها عملا غير شرعي يترتب عنه انهيار النظام الاجتماعي كله وبالتالي انعدام الامن والنظام، ويستدلون على ذلك بأن المجتمع كوحدة واحدة، لا يمكن المساس بطرف فيه دون تأثر الاطراف الأخرى. وقد بنى المجتمع بشكل كلى متماسك بحيث ان أي عملية تبديل مهما كانت بسيطة تجر وراءها انهيارات متتالية لا تلبث ان تغير المجتمع تغييرا كليا.. ولذا فان القوى الاجتماعية الرجعية لا تسمح حتى بأجراء تغيير جزئي في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة لأنها تعرف ان ذلك سيؤدى الى تغييرات أعمق في جميع البنى الاجتماعية ذات العلاقة بذلك.

فهم لا يسمحون إطلاقا بإجراء تغيير في علاقات الملكية مثلا مهما كان التغيير بسيطا..ان الرجعية تستخدم القيم والأخلاق السائدة بالمجتمعات الرجعية لتبرير العلاقات الظالمة التي تستغل من خلالها الإنسان المسحوق في هذه المجتمعات.. كما أنها تقاوم القيم الجديدة والعلاقات العادلة باعتبارها سلوكا اجراميا مضادا للمجتمع وقيمه وعلاقاته.. وباعتبارها بدعا ضالة.. وضارة بالحياة الاجتماعية والمصالح العامة..

وتستخدم الرجعية الدين أيضا، وفق مصلحتها لتحارب عن طريف عمليات التغيير، مثلما اختلفت مقولتها التي نسبتها الى النبي محمد عليه السلام ونصها “كل بدعة ضلالة.. وكل ضلالة في النار…

فإذا كان النبي محمد عليه السلام قد قال ذلك فإنما يريد البدع الدينية الضارة بالعقيدة، كإسقاط الصلاة أو الصوم أو الجهاد في سبيل الحق أو غير ذلك من التبديل والتحريف كأن يبتدع مبتدع بأن الصلاة مرة واحدة في اليوم أو ان الصيام عشرة أيام في السنة عوضا عن شهر “الا ان القوى الاجتماعية الرجعية تحرف الكلام عن مواضعه وتسخره لاستعباد البشر وتثبيت الاستغلال بالقضاء على مبادرات الافراد والجماعات في التخلص من الواقع الظالم الذى يعانون منه، فهم يحاولون ان يجعلوا من عبارة كهذه ينسبونها الى نبي أو يزجونها في كتاب من كتب الاديان المختلفة نصا قطعيا بتجريم أي محاولة للتحرر من هيمنة الرجعية واستعبادها وقهرها للبشر، فبتجريمهم لكل جديد، تصبح الحرية جريمة والاشتراكية جريمة والجماهيرية جريمة بينما تستمر القوى الرجعية في ابتداع كل جديد لممارسة اجرامها التاريخي في قهر الإنسان، فهي تزيف الأديان وتشوه القيم وتخلق علاقات الظلم دون توقف، موهمة الناس بأن ذلك كان هكذا منذ القدم، لتغيب وعى الجماهير فتشل بذلك قدرتها على مواجهة الاستغلال.

ان الرجعية تدافع عن مصالحها الخاصة وتنطلق في ذلك من اعتبار الواقع الاجتماعي الذى خلقته قاعدة صحيحة يجب احترامها ولا يحق لاحد اختراقها.

وتقوم في ظل ذلك بتزييف الواقع الاجتماعي أيضا واستغلاله لمصلحة نظامها السياسي، فالرجعية لا تكتفي فقط باستغلال الواقع الاجتماعي بل أنها تقوم بعملية فرز لجزئيات هذا الواقع الاجتماعي، حيث تبقى على الاجزاء المناسبة لمصلحتها، وتزيف الأجزاء الأخرى بما يناسبها.

ان عمليات الفرز هذه وعمليات التزييف التي تواكبها لجزئيات الواقع الاجتماعي، تعقبها دائما تعديلات معينة في الجانب الاجتماعي توحي بشكل سطحي لغير المثقفين ثوريا بأن تغييرات هامة تحدث على الصعيد الاجتماعي تهيئ لحركة تقدم اجتماعي ملائم لطموحات الجماهير ولعل أنظمة تعارف الناس على وصفها بالتقدمية هي ام مناسبة لذلك من حيث انها خبيرة في تزييف الواقع الاجتماعي واستغلاله لمصلحة نظمها السياسية، لاطالة بقائها في السلطة.. حيث أنها تتحدث عن الاشتراكية وترسيخ واقعا رأسماليا.. تتحدث عن الحرية وتفرض نظاما قمعيا دكتاتوريا.. وتحلل الديمقراطية الشعبية وتفرض نظام الأقلية المسيطرة في كل شيء.

إن أنظمة متعددة في العالم الثالث ترفع لافتة تقدمية لا تقوم ألا بعمليات تزييف الواقع الاجتماعي المعاش لملاءمته مع مصالحها السياسية، وما عمليات التبديل والتعديل التي تجريها لا الا تلفيقات وترقيعات للثغرات التي تكتشفها في جدار نظامها السيـاسي، محاولة سدها.. وتعويضها، للحيلولة دون تغييرها جذريا حيث ان عمليات التغيير الجذري إذا وقعت فستقذف بهذه النظم السياسية الى دائرة النسيان خارج ذاكرة الإنسان.. في الوقت الذي تسعى فيه هذه الأنظمة السياسية الى إطالة عمرها فقط تمشيا مع تركيبتها الأساسية التي تتحد في انها انظمة تلفيقية زيفت الواقع الاجتماعي، وسرقت اللافتات الثورية بغرض استغلالها مصلحيا.. فليست أنظمة ثورية ولا تقدمية، وانما وجدت نفسها مضطرة بحكم المصلحة أن ترتب عمليات استغفال متكررة، وان تخوض عمليات تزييف وخداع الجماهير فركبت التقليعة التقليدية التي تقتضي تبنيها قضايا الجماهير المسحوقة والمضطهدة.. وإذ كان الأمر كذلك لم يبق امامها الا ادعاء الثورة.. والاشتراكية.. والتقدمية.

حتى تلك الأحزاب التي وصلت الى السلطة باسم دكتاتورية العمال سعت الى التزييف السياسي بتصويرها لاوضاع العمال المسحوقين بقيود الأجرة تصويرا مخالفا للحقيقة حيث تدعى بأنها حررتهم من استعباد الرأسمالية لهم.. وعلى بقية عمال العالم أن يلحقوا بعمال الدول التي أقيمت فيها دكتاتورية البروليتاريا حيث هيمن العمال على كل شيء وسيطروا على الدولة.

ان التزييف هنا يكمن في تصويرهم لاستيلاء احزابهم على السلطة بأنه انتصار للعمال وتحرر لهم من ربقة العلاقات الظالمة وهو أمر لم يتحقق للعمال بعد بسبب تحولهم الى عبيد لارباب عمل جديد، ومعاناتهم ذل الاجرة مجددا، وسيطرة الحزب الواحد على الدولة وتسييرها لمصلحته السياسية متسترا بالمصطلحات الديمقراطية والشعبية.

القيمة المادية للانسان :

إن الأخلاق والفنون وقبل ذلك قيمة الانسان ليس من المتيسر تفسيرها علميا بالاعتماد على علم الاجتماع أو السياسة من حيث إن علم الاجتماع يقدمها كما لو أنها لا تقبل التغيير في حين تقدمها السياسة كما لوأنها في صورتها المثلى التي لا يجب ان تتجاوزها.

وإذا كانت الأخلاق هي دائما إباحة السائد وتحريم الجديد نتيجة سيطرة القوى الاجتماعية الرجعية على المجتمع، وتوظيفها له وفق مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، فإن الفنون هي التعبير المباشر وغير المباشر عن الوضع السائد بطريقة فكرية تستهدف تبريره وترسيخه وتقاوم تغييره.

إن قيمة الانسان في المجتمعات الرأسمالية سواء تلك التي تخضع لنظام رأسمالية الطبقة أو تلك التي تطبق نظام رأسمالية الحكومة هي قيمة مادية بحثة لا اكثر.ففي نظام رأسمالية الطبقة تقدر قيمة الأفراد بما يملكون من ثروات وعقارات.

أما في نظام رأسمالية الحكومة فان قيمة كل فرد تقاس بما يقدم من جهده الخاص لمصلحة الحكومة. فبقدر إنتاجه تتحدد قيمته، بما يشبه خلية نحل جميع من فيها من الشغيلة يسند اليه دور معين تقدر قيمته بإنتاجه، أي بما يقدم من منفعة مادية للخلية. ولا قيمة لمن لا ينتجون انتاجا ماديا يقدمونه للمجتمع.

وهكذا فان المجتمع الرأسمالي بشقيه، يجبر الأفراد على السعي المتواصل لامتلاك المقدرة المادية بقصد الحصول على القيمة لانفسهم.

ففي نظام رأسمالية الطبقة يسعى كل فرد الى تكديس الملكية بالقدر الذى يستطيع وبمختلف الطرق بما فيها السرقة والغش والارتشاء وغير ذلك من اساليب ضارة بحياة الأفراد والشعوب، تجعل المجتمع كغابة الوحوش، لا مكان فيه لغير الشرسين، الذين يتمكنون من القضاء

على غيرهم بافتراسهم، والاستيلاء على املاكهم وحقوقهم. أما في نظام رأسمالية الحكومة فان كل فرد يسعى الى بذل ما لديه من طاقة ليتمكن من العيش في مجتمع من البشر دون ان يراوده أي نوع من الطموح الإنساني بتغير وضعه اللهم الا ان يعترف المجتمع بانسانيته والا يتم التخلص منه ، بحجة عدم فائدته وانعدام قيمته بسبب انه لم يساهم في تكديس الإنتاج ليتمكن المجتمع من ان يصل الى وضع يقدم فيه كل فرد ما يستطيع من جهده لينال من الثروة حسب حاجته.

وهو وضع كان كافيا لالهاب حماس الشغيلة للتنازل عن اكبر قدر من انتاجهم لمصالح الدولة الرأسمالية لتتمكن من مواجهة الطبقات الرأسمالية الغنية والمالكة للقدرات التقنية المتفوقة، والمنظمة في احلافها الاقتصادية والعسكرية. والناهبة لثروات الشعوب في جميع القارات.

حيث تحظى مواجهة الامبريالية بالاهتمام كله لأنها النقيض السياسي لنظام رأسمالية الحكومة وهى الخطر الأساسي الذى يتهدده ولذلك فإن الدولة الرأسمالية مضطرة للدخول في برنامج تقشف طويل الامد تتكبد ثمنه اجيال متعاقبة من البشر تقتطع من قوتها واحتياجاتها المختلفة لتجعل المواجهة ممكنة فقط، دون ان يتكدس شيء من الإنتاج، فليس هناك قدر يمكن ان يبقى كفائض ليشكل في النهاية وضع الوفرة ويخلق الرخاء والرفاهية. بل ان العجز مستمر ودائم نتيجة استهلاك الانتاج كله. وحتى لو تضاعف الانتاج أضعافا أخرى، لتبين ان نقصا كبيرا ينبغي تغطيته في تكاليف برامج الدولة العصرية في ظل النظام الرأسمالي بشقيه، فلو اطلعنا على برنامج واحد من تلك البرامج الباهظة كبرنامج الفضاء مثلا أو برنامج تطوير الصواريخ، أو تكاليف العمل العسكري في حوض البحر الابيض المتوسط فأننا قادرون على ان نستنتج منه الأفق الذى لا نهاية له والسراب الذى تتجه اليه اعناق الشغيلة الظامئة لبعض ما يمنونها به من رخاء، وبالتالي استحالة ما تطمح إليه من قيمة فردية وجماعية.

القيمة الاجتماعية للانسان :

إنه إذا لم يكن للانسان الا قيمته المادية، والفائدة التي يمكنه ان يقدمها للمجتمع، فان الطفل العاجز عن تقديم ذلك يكون آنئذ لا قيمة له، لانه لا فائدة له. فالطفل لا ثروة له ولا يمتلك عقارات ولا أرصدة، وليس قادرا على تقديم انتاج مهما كان قليلا، بل انه يحتاج اشد الحاجة الى رعاية مكثفة، ليبقى على قيد الحياة. وبهذا فان الطفل يفقد أية قيمة وفقا للمنظور الرأسمالي بشقيه- رأسمالية الطبقة ورأسمالية الحكومة.

الا إذا تعلل الرأسماليون بان الطفل في واقع الأمر هو نوع من الاستثمار، أي انه مشروع قيد التنفيذ، فهو سيكون يوما ما قادرا على تقديم المرجو منه بالشكل الذى يناسب الطريقة التي اعد بها. وحين تكون النظرة الى الطفل هكذا فانه لا قيمة له الا قيمته المادية وفي هذه الحالة فان عالم البشر- هذا سيتحول الى جحيم حقيقي.. وسيكون الناس جماعة متخلفة حتى إذا قيسوا بالحيوانات في الغابة تلك التي تربي صغارها دون ان تعتبرهم سلعة مربحة. وإذا استطاع أحد ان يتعلل بان الطفل مشروع استثماري، فمن يستطيع ان يقول ذلك في العجزة؟ ان العجزة لا فائدة مادية ترجى منهم لا أجلا ولا عاجلا. فوالدا أي إنسان عندما يهرمان ويعجزان لن يطمع ان يجنى منهما أي فائدة مادية، وهما لا يستطيعان ان يقوما بأي إنتاج يكفيهما. ولكن الإنسان لا يستطيع التخلي عن والديه وأقربائه العاجزين وهو مشدود الى رعايتهم والعطف عليهم والرأفة بهم، انه يرتبط بهم بشكل ما، ويحس بان لذلك قيمة كبيرة. أنها القيمة الاجتماعية للإنسان. ويمكن لأي منا ان يتحدث مليا عن القيمة المادية المرتبطة بالمال والملكية، فيقول ان مالك العمارة ذات العشر شقق، قيمته تكمن في تأجيره لهذه المساكن لعدد من الآسر، يستغلها ويؤجر لها سكنا. ومالك الأرض التي تسع مائة فلاح قيمته تكمن في تفضله على المجتمع بتسخير مائة عبد لديه في أرضه يكدس انتاجهم لمصلحته. و صاحب المركوب قيمته في تفضله على آخرين بحملهم الى وجهتهم أو تأجيره المركوب لهم.. وهكذا يعتبر متيسرا لنا ان نقدر القيمة المادية للإفراد، فصانع الكراسي وصانع الصواريخ وصانع المشددات وصانع الحاسبة الإلية، “وعتالو” المواني، نستطيع ان نقدر القيمة المادية لأي منهم بسهولة ويسر، كما نستطيع ان نفاضل بينهم وفقا لذلك بتحديد الوزن أو الطول أو الثمن لما يقدمونه من فائدة مادية، لكنا لا نستطيع ان نقدر القيمة الاجتماعية لأي فرد مهما كان. فالقيمة الاجتماعية لا يمكن قياسها بالوزن أو العملة أو غير ذلك من المقاييس فهي لا تقيم ماديا. ولعل البحث في تحديد قيمة مادية لها هو متاهة لا يخلص داخلها الى نتيجة مفيدة. غير ان البحث والدرس يجب ان يتناول القيمة الاجتماعية في ذاتها، من حيث اهميتها ومؤثراتها. وهو أمر معقد وهام أيضا، ويحتاج ان يتناوله الباحثون بالدراسة الجادة على ضوء الطرح الفكري الجديد للنظرية العالمية الثالثة.

فوفق منظور هذه النظرية نجد أن قيمة الانسان والأخلاق والفنون مختلفة اختلافا جذريا عما وصفناه آنفا. فليست الأخلاق من منظور ثوري مطابقة للأخلاق من منظور اجتماعي. كما انهما معا لا يتطابقان مع الأخلاق من المنظور السياسي. فالأخلاق اجتماعيا هي تحديد لقيم الواقع الأخلاقية بما هو موجود. والأخلاق سياسيا هي الواقع الاجتماعي المزيف لمصلحة السياسة. والأخلاق ثوريا ترفض جذريا الواقع الاجتماعي الفاسد والتزييف السياسي، دون ان تتجاهل الواقع الاجتماعي.فعلم الثورة يتناول الظواهر الاجتماعية بالتحليل والتفسير ليكشف الفساد الذى اعتراها أو التزييف الذي شوهها، ليصل من وراء ذلك الى القضاء على الجوانب الاجتماعية الفاسدة وتدمير التزييف السياسي الذى افتعلته الانظمة السياسية للمحافظة على مصالحها. هادفا من ذلك الى بناء القيم الحقيقية والصحيحة. التي هي قيم الثورة. ان الذين يدمرون القيم الفاسدة ويبنون قيما سليمة انما يقومون بالثورة ليحققوا القيمة الحقيقية للإنسان، حيث يكتسحون بالثورة كل رواسب التضليل والتزييف السياسي والفساد الاجتماعي الذى تولد عن الاستغلال والعسف. فحينما يتحكم الاستغلال في رقاب الناس وتسيطر مجموعة قليلة على ثروة المجتمع، وتكدسها لحسابها الخاص وتستعملها في البناء والاستثمار، فإن قوانين تلفيقية كقانون الإيجار أو وضع حد ادني للأجرة هو مجرد تزييف سياسي.. وحينما يتمكن الرأسمالي من استخدام العمال لصالحه فان العلاقة بينهما هي علاقة السيد بالعبد، فإذا قدم السيد أجرة لعبيده فانما ليبقيهم على قيد الحياة ليستمروا في الإنتاج لمصلحته، وهذا هو تفسير الأجور في النظام الرأسمالي بشقيه، وبالتالي فان وضع قانون يمنع الفصل التعسفي.. أو يبح التمتع بالعطلات هو مجرد تزييف سياسي للواقع الاجتماعي البشع لتلوينه وزخرفته حتى لا يضر بالنظام السياسي القائم. وهكذا فإن العمل الثوري هو الذى يناط به تدمير هذا الواقع المشوه، ليخلق الوضع الذى تتحقق فيه آدمية الانسان وحريته وكرامته.

ان الفعل الثوري التاريخي الذى هو نقيض التزييف والديماغوجية هو الذى يحقق القيمة الفعلية للانسان بتحرره من جميع القيود التي تحد من حريته، وبالتالي تطمس وجوده الفعال.

الخلاصة :

ان الخضوع للواقع الاجتماعي مرفوض ثوريا مهما تشبث الناس به، أو اعتادوه. فإذا كان الواقع الاجتماعي فاسدا فإن الثورة كعمل إرادي يتدخل عمدا لتغيير الأوضاع القائمة وتكييفها وفق مصلحة جميع أفراد المجتمع. وهو نقيض ما تقوم به السياسة كفعل ارادى ايضا يتدخل لتزييف الظواهر الاجتماعية وتكييفها وفق مصلحة النظام السياسي القائم. وفي ظل ذلك تعكس الفنون الواقع الاجتماعي الذى زيفته السياسة وتكون صدى له. ان السياسة لا تسعى الى التبشير بشيء جديد ولا يهمها أن تحرض الناس على شئ مفيد، ولكن همها كله ينصب على المحافظة على الواقع السياسي، وتزييف الواقع الاجتماعي بما يحقق ذلك. ان الرجعية تحافظ على الواقع الاجتماعي القائم وتبرر استمراره، بقصد مقاومة تغييره. حفاظا على مصالحها. ولكن الثورة تكتشف فساد النظم القائمة وتقدم البديل العلمي عنها، وتقوم بتحريض الناس على تدمير الواقع القائم وتبشرهم بالبديل. ويقوم الفن الثوري بمهمة كشف التزييف السياسي والفساد الاجتماعي والسعى الى تدميره وبناء الحياة السليمة للمجتمع ببناء مجتمع جديد، حر وسعيد. إن الفن الثوري ليس صدى عن الواقع القائم ولكنه تمرد عليه وتجاوز له، وتحقيق عملي لتكامل الفعل الثوري ونضجه بتجسيده فنيا. إن الفن الثوري هو نقيض للديماغوجية من حيث انها اثارة وتزييف يقصد من ورائها استغفال الجماهير الشعبية، في حين يكون الفن الثوري معلما للجماهير يبشرها بغذها المشرق ويحدد لها طريقها الى النصر، بتقديمه الأمور على حقيقتها، وبتقديسه للقيمة الحقيقية للانسان.

علم اقتصاد جديد

بين الاستغلال . . والأجرة :

إن كل الأنماط الاقتصادية التي يجري تنفيذها وتطبيقها في العالم هي أنماط رأسمالية، بداية من البيع والشراء وحتى الإنتاج والاستهلاك ، فالشركات والمؤسسات الاقتصادية والمرافق تتعامل كلها بطريقة رأسمالية، على أساس من الربح والنقود، وهي نفسها التي تشكل المناهج الاقتصادية في الكليات والمعاهد. وبالتالي فان الاقتصاديين والمحاسبين يطبقون الطرق التي تعلموها في دراستهم الرأسمالية، مما يجعلنا بحاجة إلى إيجاد علم اقتصاد جديد كليا يمكن عن طريقه حل المعضلات الجديدة التي تواجه المجتمع الجماهيرى . كما يمكن عن طريقه تجاوز الدراسات الاقتصادية التقليدية وفتح افاق جديدة هي آفاق عصر الجماهير وعالم الشركاء الأحرار. ليقام النظام الجماهيرى وتبنى الاشتراكية القائمة على رد الانتاج لأصحابه وإلغاء الأجرة والايجار والاتجار.

إن علم اقتصاد جديدا هو أمر ضروري ليتمكن العالم معه من مواجهة المعضلات الاقتصادية الخطيرة التى يعانيها ، وليتمكن من إيجاد حلول لها. وأولى هذه المعضلات الاقتصادية الخطيرة هي معضلة الاستغلال، وثانيتها هي معضلة الأجرة. وخطورة هاتين المعضلتين تكمن في أنه حين يم القضاء على إحداهما يتم الوقوع فى براثن الاخرى. ففي مجتمع رأسمالية الطبقة، حيث اطلقت يد رب العمل كليا لاستغلال المنتجين، صار الاستغلال فى ظل ذلك مطلقا ، ذلك أن(المذهب الحر)- بحسب التعبير التقليدي- يوفر حرية للباحثين عن عمل، ليختاروا العمل الذي يريدون، في الوقت الذى لا تكون فيه الدولة ملزمة بإيجاد عمل لمن يتعطلون عنه، ويوفر في ذات الوقت حرية لأرباب العمل ليستخدموا من يشاءون. إن للعاملين مطلق الحرية فى قبول العمل الذى يعنى استغلالهم أو رفضه فيصبحون عاطلين عن العمل. ولأرباب العمل أيضا مطلق الحرية فى أن يعرضوا فرص عمل أو أن لا يعرضوها، وأن يقبلوا لها من يريدون. فهم يتعاملون مع العمال(كبضاعة في سوق العمل) لا أكثر ولا أقل. إن عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في سنة 1982م منهم 12 مليونا فى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها هم حصيلة هذا الصراع المميت بين سلعة في السوق يعرض منها أضعاف ما يرغب أرباب العمل في استخدامه في ظل انعدام أي دور لأية جهة- كالدولة مثلا- في إيجاد عمل لمن لا يتوفر لهم في السوق، وبين مستغل يختار السلعة التي تناسبه، وبالطريقة التي يراها مربحة له دون أن تلزمه جهة ما- كالدولة مثلا- بفرض قيود على اختياره، أو حتى بالتدخل لتعديل مفاهيمه عن العمل والعمال. إننا في غنى عن القول بأن حصيلة البطالة هي مزيد من الاستغلال ومن البطالة أيضا، وهكذا فان الاستغلال في( ظل المذهب الحر) يتصاعد دون حد. أما في مجتمع رأسمالية الحكومة، فان رغبة القضاء على الاستغلال وإنقاذ العمال من كارثة البطالة، أدت إلى رفض( المذهب الحر) واعتماد نموذج بديل عنه، يتحدد في قيام الدولة بعبء تشغيل جميع القادرين على العمل، مع التدخل في طبيعة العمل ونظام الأجرة وبشكل كامل. وقد استطاعت بعض المجتمعات التي انتهجت هذا النظام الاقتصادي الرأسمالي القضاء على البطالة، وربط جميع الناس بأعمال محددة. وعند هذه النقطة بدأت المناظرة بين المجتمعين المذكورين، حيث يعيب النظام الأول على النظام الثاني تقييده الشغيلة بالأجرة فلا يكون الأجراء أحرارا في اختيار عملهم، ولا في اختيار مجال نشاطهم، ولا في مقدار الأجرة التي يحصلون عليها، حيث تشغل الدولة جميع الناس كأجراء لديها، ويحظر النشاط الحر كليا. فلا يوجد تاجر حر، ولا مقاول حر، ولا عامل حر ليختار عمله أو مهنته. كذلك يعاب على النظام الأول اعتماده الربح كغاية للنشاط الاقتصادي، فهو يدعي بعدم إمكان إيجاد نظام اقتصادي بديل ينسجم مع الحضارة المعاصرة دون أن يعتمد الربح كاساس للعملية الانتاجية برمتها. ويستدل على ذلك بعدم قدرة النظام الثاني على إيجاد هذا البديل ونعامله وفق أطروحة الربح ذاتها، مما يرتب في نهاية المطاف الاقتناع منطقيا بتركز رأس المال في يد طبقة واحدة تسعى لمضاعفة أرباحها بزيادة سعر السلعة أو حجم المادة المستهلكة عن طريق إيجاد أسواق جديدة لتصريف إنتاجها، وتوفير المواد الخام بكل الطرق بما في ذلك عمليات الغزو المسلح بما يبرر حركة الاستعمار تلك التي انطلقت بكل قوتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من أوروبا فى اتجاه العالم الثالث. واعتبرها الناس بعد ذلك سببا أساسيا في انحراف الحضارة المعاصرة، وفي المآسي التي تعانيها الانسانية باعتبارها حركة معادية للانسانية والحرية والتقدم بتوجهها للاغتصاب والاستغلال؟ حيث انحصرت نتيجتها في تفوق أوروبا وسيطرتها على بقية الشعوب ونجاحها في سرقة مقدراتها المادية وتشويه مقوماتها المعنوية القومية والدينية. غير أن فشل نظام رأسمالية الحكومة في إيجاد علم اقتصاد بديل عن الاقتصاد الرأسمالي الاستغلالي المعتمد على الربح، ليس حجة علمية يمكن الركون اليها لتبرير استمرار نظام الاستغلال. كما أن السعي الحثيث لتدمير نظام الاستغلال ليس مبررا للوقوع في براثن هيمنة الحكومة لتحل محل أرباب العمل الرأسماليين، فيستمر بهيمنتها نظام الاستغلال المتمثل في الأجرة والايجار والاتجار. وحتى يمكن الخروج من الاستغلال والأجرة معا، بات منطقيا ضرورة إيجاد علم اقتصاد بديل ينجح في حل المشكلات الاقتصادية جذريا، لينعتق الانسان من كل القيود، فيصبح حرا ويصير بالتالى سعيدا.

إنه بنجاح النظرية العالمية الثالثة في القضاء على الاستغلال وعلى الأجرة معا يهل على البشرية عصر جديد، ويخلق فيها عالم سعيد لانسان حر سعيد، قضى على الاستغلال والأجرة ووصل إلى الفردوس المفقود الذى هو المجتمع الجماهيري.

موقف الدولة :

فى ظل (المذهب الحر) تمكن أرباب العمل من تسخير الدولة لحماية مصالحهم، واناطوا بها مهمة سن القوانين ومهمة رعايتها، وحتى وضع الخطط الخاصة بتدكيس الثروات لديهم. إن عمليات الغزو والاستعمار الجديد بشركاته متعددة الجنسيات ليس إلا تعبيرا عن الدور الذي لعبته الدولة تحت سيطرة الرأسماليين. فلا يكون ثمة مجال أمام هذا المذهب فى الانتقاد الذى وجهه له (المذهب الاشتراكي التقليدي) أو مذهب هيمنة الدولة الذى عبر عنه في( شروح الكتاب الاخضر) (مذهب رأسمالية الحكومة) فحين استغلت الدولة( المذهب الحر) كأداة حماية للاستغلال، وكشرطي يحرس مصالح الرأسماليين لا يهمها المنتجون فى شيء كثير أو قليل سواء حصلوا على عمل حقير أو طحنتهم البطالة، فان المسافة التي تفصل المذهبين تكون قد قاربت على التلاشي بسبب التشابه الكبير الذي حققه المذهبان في مختلف اطارات الفكر في الحلول العلمية، وكذلك التطبيقات في شأن تدخل الدولة في الحالتين، مرة لتحمي استغلال أرباب العمل للعمال وفي المرة الأخرى لتنظيم فرص العمل. وفى هذه الأخيرة يتم تحويل الجميع إلى أجراء لدى الدولة، والجمعيات التعاونية التي هي المرحلة الثالثة في تطور مجتمع رأسمالية الحكومة، ستتحول إلى مزارع حكومية ملكا للحكومة ويتحول الفلاحون فيها إلى أجراء لدى الدولة، وبالتالي يسجل هذا المجتمع عودة فعلية إلى زمن الاقطاع الجماعي. فحين تنشئ الحكومة مزرعة جماعية لكل ألف شخص فانها في واقع الأمر تنشئ إقطاعية منفصلة بألف شخص. وهكذا فان آلاف الاقطاعيات تنشأ بهذا الشكل وتحوى ملايين الأجراء الواقعين تحت هيمنة الاقطاعي الجديد الشديد الوطأة الذي هو الدولة.

وفي هذا الوضع نجد أن أصحاب المزارع التعاونية يبيعون إنتاجهم بالطريقة الرأسمالية للمستهلكين ليحصلوا على قدر عال من الأرباح. ويعترض المستهلكون على ذلك، فتحاول الحكومة التدخل للتوسط بين الجمعيات التعاونية والمستهلكين، الأمر الذي جعل الدولة تقع في منزلق لا يليق بها كدولة اشتراكية، حيث تجد نفسها دولة رأسمالية تقليدية، وهذا يعنى أن المشكلة لم تحل بعد. فالصراع مستمر بين الحكومة الرأسمالية هذه، وبين الجمعيات التعاونية، بسبب تدخل الحكومة لدى الجمعيات لتخفيض أسعار المواد الزراعية للمستهلكين، والجمعيات ليست راضية عن هذا. كما أن المستهلكين يضغطون على الحكومة أيضا كي تتدخل للحد من غلاء منتجات الجمعيات التعاونية. وتتوسع رقعة الصراع بين المستهلك والمنتج وأصحاب الجمعيات التعاونية كل على حدة. ثم إن الدولة تحاسب الجمعيات التعاونية وتنال منها الضرائب وتتأكد ما إذا كانت هذه الجمعيات ناجحة أم لا، وهي تحاسبها بمقاييس رأسمالية عن طريق السؤال عن الدخل والأرباح التي تم جمعها، وهو الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفة سعر السلعة دون زيادة في عدد وحداتها.

المحاسبة :

السلعة هي وحدة إشباع الحاجة، وبتسويقها يتمكن المذهبان المذكوران من الحصول على أرباح عن طريق مضاعفة سعرها، فأصبح الطباشير مثلا إذا كلف صاحب المصنع عشرة دراهم فانه يبيعه بعشرين درهما، فيعد والحالة هذه رابحا بمنطق المحاسبة الرأسمالية التى تحصي سعر التكلفة منفصلا عن الدخل الذي يجب أن يزيد في هذه الحالة قدر ما يسمونه ربحا. إن دخله فقط هو الذي زاد أما السلعة فأنها باقية بقدرها نفسه، دون أي زيادة. هذا هو المقياس الرأسمالي في حساب الأرباح، وليس هناك أدنى اهتمام بزيادة السلعة، وحين يريد صاحب مصنع الطباشير أن يبالغ في أرباحه فليس أمامه إلا أن يبيع اصبع طباشيره ذاك بثلاثين درهما ليتضاعف ربحه مرة أخرى. وتقدم التقارير في هذه الحالة باعتبار أن المصنع ناجح وأن اقتصاد الدولة رابح ومزدهر وفقا للمحاسبة الرأسمالية.. ولكن، هل هذا المقياس المحاسبي صحيح؟ حين نضاعف سعر اصبع الطباشير، من أين تاتي الفروق التي نعتبرها ربحا للمصنع؟ انها تاتي من المستهلكين الذين اشتروا الطباشير، وكذلك الفروق في جميع السلع التى نعتبرها مربحة يدفعها المستهلكون، فهم يتحملون وزر رفع الأسعار وهم الذين يتضررون من وجود أرباح على أي سلعة في المجتمع، وحين يتضرر جميع المستهلكين وتصبح حياتهم صعبة لا تطاق بفعل غلاء السلع وارتفاع أسعارها، فهل نعتبر اقتصاد هذه الدولة مزدهرا. في الواقع، إن اقتصاد هذه الدولة يعاني أزمة فعلية، حيث إنه بازدياد الأسعار تتكدس أموال المستهلكين فى جيوب الرأسماليين افرادا كانوا أم حكومات، وبالتالى تقل مقدرتهم في الحصول على حاجاتهم. فلو أراد مستهلك الحصول على اصبع الطباشير كان عليه في السابق أن يدفع مقابله عشرة دراهم لكنه لن يحصل عليه فى ظل ارتفاع الأسعار- بقصد جمع أكبر قدر من الأرباح- الا إذا دفع ثلاثين درهما فماذا يعني ذلك؟ إنه التضخم. فعندما تقل القوة الشرائية للعملة، يحتاج المستهلكون إلى مقادير مضاعفة من وحدات العملة للحصول على حاجاتهم، فتضطر المصارف المركزية إلى طبع نقود كثيرة لاستعمالها في أيدى المستهلكين ، وهكذا يكون المتداول من العملة كثيرا، ويكون مردوده من السلع قليلا. فإذا كان راتب شخص ما مائة دينار في وضعه العادي، فهو مضطر لأن يصبح راتبه ثلاثمائة دينار ليفي بحاجته في ظل التضخم.

وبالتالي، فان الزيادة في الرواتب هي علاج تلفيقي لمشكل مستعص اخر هو فقدان العملة لقيمتها من ناحية، وزيادة أرباح الرأسمالية من ناحية أخرى، بما يصبح معه المستهلكون مجرد حمالين لحزم الأوراق النقدية التى يقبضونها كمرتبات، ويحملونها إلى خزائن الرأسماليين في أسواق السلع الاستهلاكية. ولو أن المستهلكين كانوا يدركون السر في زيادة رواتبهم لما قبلوا بهذه الزيادة، ولسعوا إلى حل جذري غير هذا الحل التلفيقي.

إن الاقتصاد المزدهر هو أن ينجح المصنع في زيادة عدد وحدات السلعة، فبدلا من اصبع طباشير واحد، ينتج ثلاث أصابع، فيتوفر للمستهلكين حاجتهم من السلعة، ويزداد دخل المصنع بمقدار الزيادة في الانتاج.

إن علم الاقتصاد الجديد يجب أن يقام على هذا الأساس، ليلغي بعد ذلك علم الاقتصاد الرأسمالي المتخلف المعتمد على زيادة الربح الذي يطبقه المجتمع الصناعي، ويفرضه على العالم في شكل معاملات يومية ومناهج دراسية، دون أن يمنح الشعوب وجماهير الكادحين فرصة تمحيصه وايجاد بديل منه.

اقتصاد جديد :

إن الضرر الذي يلحقه علم الاقتصاد التقليدي والنظام الاقتصادي المطبق في العالم الصناعي بالحضارة يتضح أثره الكبير في تفتت الجماعات البشرية، وانهيارها، وتدمير كياناتها القومية والدينية. وإذا كانت إرادتنا تتمحور حول إيجاد مجتمع حر وسعيد، فان تخلصنا من الاستغلال ومن الأجرة، هو أول الطريق لبناء علم اقتصاد جديد.

ففي ليبيا، لكي يقوم المثل الجماهيري للمجتمع الحر السعيد كانت هناك ضرورة ملحة- لا يمكن الاستهانة بها- هي كيف نحول دون سرقة أموال المستهلكين من قبل المستغلين الذين يسعون علنا الى السرقة وتكديس (الأرباح) إن الفا وأربعمائة مليون دينار كل سنة على سبيل المثال، كان السماسرة و السراق يعتبرونها أرباحا، وهي فى الواقع مرتبات الذين يؤدون خدمة عامة فى المجتمع، وكان عليهم أن يدفعوها مقابل حصولهم على حاجتهم المعاشية الأساس. تلك الحاجات التي احتكرها بعض النصابين من التجار والسماسرة وحالوا بينهم وبينها، فارضين إتاوة مالية عليها بحجة البحث عن الربح.. الأمر الذي يعد حصول المحتاجين على حاجاتهم في ظله مستحيلا دون حدوث عملية الاستغلال والسرقة لهم. وليس من سبيل للحيلولة دون وقوع عمليات الاستغلال والسرقة تلك الا بالغاء علم الاقتصاد التقليدي ونظام المحاسبة التابع له.

ومعنى ذلك هو إلغاء كافة النشاطات الاقتصادية الخاصة غير الانتاجية باعتبارها مصدر ذلك الاستغلال. فالسمسرة الحرة والمقاولات والتجارة الخاصة وما يماثلها من نشاطات اقتصادية غير إنتاجية تعد مرفوضة بشكل قاطع لضررها البالغ بالمستهلكين وأثرها السلبي على السلعة، وبالتالي تأثيرها فى انهيار الإنتاج وحدوث التضخم.

إن التجارة الخاصة هي نشاط استهلاكي غير إنتاجي. والتاجر ينصب اهتمامه على جلب البضائع ليعرضها باسعار مضاعفة، ولا يوجد أي مبرر لذلك. فالشعب أقدر على توفير البضائع ليستخدمها بسعر التكلفة دون أية زيادة في أسعارها.

واذ يبيح النظام الرأسمالي التجارة الحرة التي لا يمكن تقييدها بسبب سعي أصحابها إلى زيادة أرباحهم.. يكون قد أباح نشاطا استغلاليا. وخلق ضغوطا قاهرة على إنسان آخر ماديا ومعنويا هو المستهلك الذي تم إفقاره، والغاء حريته.

إن ذلك لا يتلاءم قطعا مع المنطق الديمقراطي، بل هو لا يتلاءم حتى مع الديمقراطية التقليدية الزائفة، لأنه يمنح الحرية لفرد واحد ليقهر الأغلبية ويسلبها حريتها. لكنهم يقولون بأنه حر وليس باجير.. وهذا يكفي لاستمراره كمستغل.

والحلاقة التى هي مهنة تافهة جدا، يعيش مزاولها على ما يتقاضاه مقابل حلاقته لشعر الآخرين. هو حر في الواقع لأنه ليس أجيرا، ويستطيع أن يعمل أو يرفض العمل، غير أنه فرد غير منتج.. فحالقو الشعر يشكلون. مهنة استهلاكية غير منتجة تعيش بشكل طفيلي على حساب الآخرين. ان فئة من الكسالى والتنابلة تضاف إلى رصيد التخلف بالقبول بمثل هذه المهنة. وليس أمام المجتمع الاشتراكي ليتمكن من تحقيق التقدم إلا القضاء على جميع الفئات الاستهلاكية غير المنتجة. لأن بقاءها سيدفع باعداد كبيرة من الناس إلى مزاولتها لبساطتها وسرعة مردودها وكثرة أرباحها، فينحط المجتمع وينهار اقتصاده بتكالب كثير من الناس على مزاولة نشاطات اقتصادية سلبية كهذه تضر بمصلحة المجتمع.

استغلال .. أو أجرة :

إن رفض النشاطات الخاص غير الإنتاجية والغاءها، لا يعنى على الاطلاق أن يتحرر المنتجون إذا ما استبدل نظام الاستغلال المعروف (بالمذهب الحر) بنظام الأجرة وملكية الحكومة المعروف (بمذهب ملكية الدولة). فحيث تصبح المصانع والمزارع الجماعية وجميع الحرف والمهن ملكا للدولة وباشرافها.. ويكون جميع المنتجين في هذه المواقع الإنتاجية مجرد أجراء لديها تتسلم منهم الإنتاج وتسلمهم مقابله أجرة، فان المجتمع في هذه الحالة يكون قد وقع في المحظور الذي هو (الأجرة) بعد أن حاول التخلص من الاستغلال. والأجراء ليسوا سعداء، لانهم ليسوا أحرارا. فهم غير مطمئنين على مستقبلهم المربوط بأجرة يتحكم فيها غيرهم. ويكون من يتحكم فى أجرتهم سيدا لهم، ويكنون عبيدا له. ولا شك أن كفاح الأجراء سيستمر دون توقف حتى تتحقق حريتهم، أو يستشهدوا من أجلها. فلابد أن يتحرر الانسان فوق الأرض لكي يكون سعيدا، والا فليس هناك داع لأن يعيش. وتظل المسافة التي تفصل الأجراء عن الحرية أو الاستشهاد هي كلها زمن العبودية. وهو زمن مرفوض تنظم الجماهير صفوفها من اجل تدميره بالثورة الشعبية. فاما أن تنتصر الحرية وإما أن ينتصر الاستشهاد.. فليست الثورة بمفاهيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية سوى الخلاص، من وضع العبودية. وحين يثور المطحونون بالعبودية، فانهم يحققون خلاصهم النهائي بالنصر أو الاستشهاد. ان الانتقال من رأسمالية الطبقة الى رأسمالية الحكومة. هو انتقال من عبودية الاستغلال إلى عبودية الأجرة. انهما وجهان لعملة واحدة تنقلب عن أحد وجهيها إلى الوجه الآخر دون أن تتبدل حقيقتها ودون أن يتغير جوهرها. ويعاني المستغلون والأجراء في ظل الوضعين معا ظروفا قاسية ومأسوية، ليس إلى تحقيق سعادتهم في ظلها من سبيل لانهم يفقدون حريتهم، وتسلط أدوات قهرية ودكتاتورية عليهم، صاروا عبيدا حقيقيي ، رهنوا حياتهم مقابل أجرة لأرباب عملهم أفرادا كانوا أو مؤسسات، الأمر الذي يجعل انعتاقهم مستحيلا دون الخروج على الوضعين معا وتجاوزهما عمليا وتطبيقيا. والعلاقة الجدلية القائمة بين المذهبين وتناقضهما مع مصلحة المنتجين أدت جدليا- أيضا- إلى إيجاد حل لهذه المعضلة يتمثل في النظرية العالمية الثالثة التي خلصت المنتجين من النطاق المضروب حولهم بتأرجحهم بين الاستغلال والأجرة فاجتازوا هذه العقبة نهائيا، بالغاء الاستغلال وإلغاء الأجرة كليهما بحتمية تحقيقهم لمجتمع الشركاء .

شركاء لا أجراء:

إن تدمير الاستغلال كان محفوفا دوما بالخوف من الوقوع في المحظور الخطير الاخر وهو الأجرة. فحين قامت ثورة المنتجين في ليبيا. سيطر المنتجون على المنشآت الإنتاجية من الناحية الادارية عن طريق مؤتمراتهم الشعبية الإنتاجية ولجانهم الشعبية الادارية التي كانت قبل ذلك تحت سيطرة ملاكها من الرأسماليين أو تحت سيطرة الدولة.غير أن المنتجين الذين سيطروا على هذه المنشآت، استمروا يتقاضون أجرة على إنتاجهم، كما كانوا يفعلون من قبل دون أن يطرأ أي تغيير على وضعهم كاجراء. وقد تحجج المنتجون الذين لا يملكون وعيا علميا، بأن أجرهم أكبر من المقدار الذي سيعود عليهم من إنتاجهم فيما لو طبقوا نظام المشاركة في الإنتاج. في حين تعلل البيروقراطيون، ليحولوا دون تطبيق نظام المشاركة هذا بأن عائد الإنتاج في ظل المشاركة سيكون صفرا، بسبب انعدام الربح بشكل نهائي. وبهذا يكون الاقتصاد فاشلا وخاسرا بمنظور علم الاقتصاد الرأسمالي الرجعي. غير أن علم الاقتصاد الاشتراكي، الذي يعتمد إشباع الحاجات كغاية لجميع أنواع النشاط الاقتصادي. يعتبر حرية العمال هي الأساس الذي تقاس به مصلحتهم، ولا يعير اهتماما لمقدار الكسب المادي الذي يحققونه في ظله، كنظام ظالم وقاهر يطحن العمال بقيوده الثقيلة، ويظل. تحريرهم من قبضته هدفا مقدسا دونه الموت. على أن جهد المنتجين هو الذي يحدد وحده مقدار الاشباع الممكن لحاجاتهم. بمعنى أنه حين يكون على المنتجين إشباع حاجاتهم بشكل كامل ومثالي، فانهم يزيدون إنتاجهم ويضاعفونه ليتمكنوا من ذلك بحيث لا يمكن إشباع الحاجات في ظل التقاعس أو في ظل عدم الإنتاج.كما أن علم الاقتصاد الاشتراكي يعتبر وجود الربح في حد ذاته عملا شائنا وسرقة واضحة، ويرى النتيجة الصفر التي ينتقدها البيروقراطيون بناء على رؤيتهم الاقتصادية الرجعية المستخلصة من النظريات الاقتصادية التقليدية هي النتيجة الصحيحة الوحيدة لتطبيق اقتصاد اشتراكيى علمي يعود فيه الإنتاج لأيدى أصحابه، ليشبعوا عن طريقه حاجاتهم الماسة دون حاجة إلى أي نوع من الزيادة الخاطئة فوق سعر التكلفة، لتعتبر بعد ذلك ربحا. وعلى هذا الأساس فان (النتيجة الصفرية) هذه التي تنتهي اليها العملية المحاسبية في ظل النظام الاقتصادي الاشتراكى العلمي الجديد، لا تسمح إطلاقا بوجود تراكم أو تركز في رؤوس الأموال، كما أنها تستهجن وترفض السعي الحثيث الذي تواصله الشركات الاحتكارية والمتجاوزة للجنسيات، والذي تمارسه الدول الرأسمالية لزيادة أرباحها برفع أسعار المواد المصنعة، وباحتكار المواد الخام واحتكار التقنية، وباحتلال مصادر الطاقة، وبالهيمنة على الشعوب الصغيرة والفقيرة والمتخلفة، وبنشر القواعد العسكرية لغرض الهيمنة السياسية والاقتصادية ووضع الأمم في دوامة الصراع البربري الذي لا يهدأ، والوصول بالعالم إلى الانهيار الكامل، وتدمير الحضارة الإنسانية وإفناء الحياة على الأرض. كل ذلك من أجل السيطرة على السلعة وعلى أسواقها ليتمكن الامبرياليون من زيادة الأسعار. وحرمان أصحاب الثروات الأصليين. من إشباع حاجاتهم المادية، وفرض التخلف، جهلا وفقرا ومرضا على جميع الشعوب. ان الاقتصاد الرجعي الذي يبيح الربح هو الذي أوصل العالم المعاصر إلى مرحلة الامبريالية ومرحلة الاحتكار الشامل، التي ينهار بسببها العالم المعاصر كله، ويخضع من جرائها إلى مخاض عسير. قد يؤدي به إلى الهلاك الشامل إذا لم يتداركه المنتجون في العالم بتفجير ثورتهم، وفرض نظام المشاركة في جميع المؤسسات الإنتاجية، وأن يجعلوا من (إشباع الحاجات) غاية وحيدة لجميع أنواع النشاط الاقتصادي، لينتهي إلى الأبد كل نشاط اقتصادي يهدف إلى الاستغلال.

إن ثورة المنتجين ليست مجرد شعار ، إن هدفها هو تخليص المنتجين من الاستغلال ومن الأجرة . وهذا ما سيفجر الثورة الشعبية في العالم كله ليتخلص الناس من الاستغلال والأجرة، فيصبحوا أحرارا وسعداء.. بعد أن يكونوا شركاء في الإنتاج. إن الثورة الشعبية هي ثورة الجماهير الكادحة، من أجل حريتها وتمتعها بإنتاجها. وستدافع هذه الجماهير عن ثورتها دون أن تكون في حاجة إلى أجهزة تقليدية للدفاع عنها.. كالشرطة والمباحث والجيش وغيرها. فالجماهير بدفاعها عن ثورتها، انما تدافع عن نفسها، فليس ثمة نظام قاهر، ولا طبقة مستغلة ولا فرد يتعالى على الجماهير.. بل إن الجماهير قد أصبحت حرة، ملزمة بالدفاع عن الحرية والحفاظ عليها بشرط أن تكون حرية حقيقية تعيها جماهير الشغيلة وعيا عقائديا. ويظل تأجيج وعي الشغيلة إلى القدر الذي يكونون فيه قادرين على إدراك الأوضاع النقيضة للحرية من نماذج استغلال مختلفة ونماذج أجرة، وليكون في إمكانهم الدفاع عن ثورتهم وتجذيرها علميا وتطبيقيا، هو أساس انتصار الشغيلة في ثورتها ، وأساس تحررها أيضا.

الفلاحون :

في علم الاقتصاد الاشتراكي الجديد، يمكن للفلاح في المزرعة أن يملك إنتاج مزرعته، وأن يتصرف فيه بالطريقة التي تتناسب مع مصلحته، شرط ألا يكون قد استأجر غيره للعمل في المزرعة. وبشرط ألا يغفل حقوق الآخرين الذين لهم علاقة اقتصادية به من المحتاجين لانتاجه في إشباع حاجاتهم. وتظل ملكية الفلاح لمزرعته ملكية انتفاع قادر على التصرف بها بالشكل المناسب له، دون أن يملك أحد الأرض ملكية رقبة.

إن الأرض ملك أفراد المجتمع، ويملكها المنتفع للانتفاع بها، فإذا تخلى عن ذلك سقطت حقوقه فيها.

ويصبح باستطاعة آخر أن يحوزها للانتفاع بها. فالفلاح الذي يحوز مزرعة دون أن يستأجره أحد أو يستأجر هو أحدا آخر، يظل حرا في الانتفاع بها، حتى يتخلى عنها بسبب تغيير نوع نشاطه مثلا، أو بسبب عدم قدرته، أو بسبب عدم حاجته، فيسقط تلقائيا حقه فيها، وتؤول لغيره لينتفع بها.

إن الفلاحة مهنة حرة، فإذا ما تناقضت مع مصلحة المجتمع الاشتراكي فان من حق هذا المجتمع أن يعالجها بالشكل الذي يراه مناسبا له. لقد وجدنا أن التجارة حرة وكذلك الحلاقة، غير أنها مهن استغلالية وغير إنتاجية، كذلك فان السمسرة والمقاولات مهن حرة هي الاخرى، غير أن المجتمع الاشتراكي يرفضها باعتبارها مهنا استغلالية وغير إنتاجية، وعلى هذه القاعدة فإن أية مهنة سواء الفلاحة أو غيرها، يتضح أنها استغلالية وغير إنتاجية، فان المجتمع الاشتراكي ينتزعها من أيدي أصحابها، ويحولها إلى نشاط اشتراكي إنتاجي للمجتمع دون أن يحول أصحاب هذه المهنة إلى اجراء لدى الدولة، لان ذلك يعي أننا وقعنا في مشكلة جديدة، هي الأجرة، وبرغم أن الفلاح منتج ويختلف عن التاجر وعن المقاول و السمسار والحلاق، الذين لا ينتجون شيئا إلا أنه حين يزرع كيسا من الشعير وينتج عشرة أكياس فهو يستهلك خمسة منها، ويبيع بعد ذلك الخمسة الأكياس الأخرى. وعملية البيع هذه تعيد التجارة إلينا كرة أخرى ونقع في الاستغلال مجددا بسعي الفلاح الى استغلال المستهلكين بزيادة أسعار السلع الزراعية من أجل الحصول على أكبر قدر من الربح، وفي هذه الحالة لم يخرج الوضع عن المحظور الأول الذي هو الاستغلال.

بين المجانية والمقابل :

إن المجانية قضية هامة وخطيرة كما أنها ليست مفهومة في ذات الوقت، بسبب توجه النظم الإصلاحية ذات الحلول التلفيقية إلى نهج المجانية هذه، في كثير من مجالات الخدمات، كالتعليم و العلاج و المواصلات والكهرباء والمياه وغيرها.

وهي قد انتهجت هذه السياسة الاصلاحية التلفيقية بسبب عدم تمكنها من إيجاد حل جذري للمشكلات الاجتماعية، ويوضح اتجاهها هذا مدى التخبط والارتباك والتذبذب وضبابية الرؤية التي تعانيها هذه الأنظمة القاصرة فكريا وعمليا، فتعالج قصورها وانحطاطها بدغدغة نوازع الاستهلاك لدى الأفراد في محاولة للحفاظ على البقاء في السلطة . إذ ليس هناك ما يبرر المجانية إطلاقا، ما دام كل فرد يأخذ عائد عمله دون أن يبقى منه شيئا في الخزينة العامة للمجتمع. ولو كانت الضروريات هي التي يجب أن تكون مجانية، فان الأكل واللباس مثلا أكثر ضرورة من كل تلك الأشياء التي يطالب بعض الناس بمجانيتها. وبرغم ذلك فاننا لا نجد من يتجرأ ليطالب بمجانية الأكل واللباس.. وغير ذلك من الضروريات الأولية.

غير أن سياسة المجانية هذه، ليست سوى عملية ترميم رأسمالية يقوم بها نظام إصلاحي تلفيقي بقصد الاستغلال، ولسبب العجز في مواجهة المشكلات الحيوية للمجتمع، وعدم ايجاد حلول جذرية صحيحة لها، وعدم القدرة على إقناع الناس بالسياسة المتخلفة التي تنتهجها هذه الأنظمة على مختلف الأصعدة.

وعند هذه النقطة جاءت المجانية كممارسة الخداع والغش، لتمرير السياسات الفاسدة، وإلا فهل يستطيع أحد أن يجيبنا، لماذا المجانية؟

لماذا المجانية والجميع يعملون ويتقاضون رواتبهم؟ من أجل ماذا يتقاضون هذه الرواتب؟ أليس من أجل إشباع حاجاتهم!

عندما يعمل هؤلاء الناس ويأخذون مقابل عملهم، ماذا يبقى في يد المجتمع أو في يد أي أحد آخر ليقدم الخدمات لجميع الأفراد مجانا؟!

من هو الذي سيتصدق على جميع الناس، ومن أين له، وقد نال الناس أموالهم، دون أن يتركوا منها شيئا؟!

من هو الذي سيقدم الخدمات مجانا وقد نال كل فرد إنتاجه دون أن يبقى منه شيئا. إنه حين يطلب أحد الناس خدمة مجانية فانها ليست كذلك بالنسبة للمجتمع بل هي بثمنها. وحيث لم يبق في يد المجتمع أي قدر من المال فكيف يمكنه أن يقدم خدمة دون مقابل؟! إن المجانية تتحقق في حالة واحدة، وهي عندما يعمل الجميع ويتنازلون عن إنتاجهم لصالح المجتمع، عندئذ تكون خزانة المجتمع قادرة على تقديم جميع الخدمات دون مقابل.

إن المجتمع الاشتراكي لا يمكنه أن يؤاخي بين المجانية والمقابل، فإما أن يتنازل المنتجون عن المقابل الذي يتقاضونه وإما أن يتحملوا ثمن الخدمات التي يتلقونها من هذا المقابل الذي يأخذونه على شكل راتب.

فالمجتمع الاشتراكي الجديد مبني على قواعد علمية وقوانين ثابتة لا يمكن تجاوزها، وإلا انهار البناء كاملا بل اننا لن نكون قادرين على فهم بنية هذا المجتمع، وتحليل فكرته ما لم نلم بهذه القوانين، الماما تاما، فكأى مسألة جبرية أو هندسية يلزم لها استخدام قانون محدد للتمكن من معرفة نتيجتها، كذلك يلزم الالمام بقانون المجتمع الجماهيرى، وقواعده العلمية التي نتج عنها. وتلك التي ترتبت على وجوده، من أجل مواجهة المعضلات العلمية التي تحتاج إلى تقديم حل لها، وتقتضي معالجة خاصة في ضوء ذلك بحيث يستقيم وضعها مع البنية الهيكلية للمجتمع الجماهيرى.

ان المؤتمرات الشعبية الاساسية واللجان الشعبية التنفيذية، واللجان الثورية ذات المهمة التحريضية والترشيدية ليست منفصلة عن تدمير المجتمع التقليدي السابق على الدولة الجماهيرية، كما انها لا يمكن ان تنبثق عن نظام ليس جماهيريا، ومثلها في ذلك مسألة المجانية والمقابل لا يمكنهما ان يلتقيا معا في ظل الاشتراكية، ولعل بعض الذين لم يستوعبوا قوانين المجتمع الجماهيري سيفاجئون اذا الغي المجتمع الجماهيري مجانية التعليم مثلا، وسيعتبرون ذلك- في وسط استغفال شديد- نكسة حقيقية وردة كبيرة في اطار التعليم ورعاية الدولة له، ربما لانهم سيرون في ذلك توجها رأسماليا مناقضا للاشتراكية بمفهومها التقليدي الاصلاحي فيتخذ مثل هؤلاء مواقف عاطفية خاطئة مناقضة للعلم الاشتراكي وفقا للمجتمع الجماهيري ومناقضة لنظام الشركاء الاحرار المسؤولين بانفسهم عن اشباع حاجتهم.

ان استيعاب القوانين التي قام عليها المجتمع الجماهيري سيجعل أي ثوري يتساءل بالحاح من اين جاءت المجانية؟ فحين يكون المجتمع اشتراكيا جماهيريا فلا وجود للمجانية، لان المجانية من طبيعة النظام الرأسمالي، وهي برنامج مخدر من برامج الانظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.

ان الدليل على التلفيق الواضح فيها انها تقدم بالمجان اشياء تافهة واخرى هامة نسبيا، غير انها لا تقدم مجانا ما هو اهم من كل الاشياء اذ ان الضروريات الاساس للانسان ليست مجانية.

فالطعام والسكن واللباس والمركوب، تلك التى لا يستطيع الانسان ان يعيش بدونها، يطلب من محتاجيها تسديد أثمانها مضاعفة في بعض الأحيان خاصة حين يتحكم فيها الاستغلاليون من السماسرة والتجار والمقاولين.

وحين تكون المجانية مفيدة ونافعة، يجب أن تكون شاملة أو تحوى على الاقل الضروريات الملحة للانسان وعندها يجب التنازل عن المقابل، ليتمكن المجتمع من تعميم المجانية.

وبهذا نصل إلى الأطروحة التي أكدناها مرارا وهي ضرورة التخلص من الأجرة، ولابد إذن- ترتيبا على ذلك- من التخلص من المرتب لكي نصبح أحرارا، فحين ننتج مجانا، لا نكون بحاجة إلى رواتب ما دامت حاجاتنا متوفرة مجانا.

أما إذا كنا نتقاضى رواتبنا، فليس امامنا إلا أن نسدد ثمن الدواء والتعليم وتذكرة الحافلة وقائمة الهاتف ومستحقات الكهرباء والمياه وكل مستلزماتنا.

إذ أن المال لا يأتي من مصدر سحري، وليست ميزانية المجتمع إلا إنتاج افراده فقط، إن النجاح في هذا الأمر يعنى أن انسانا جديدا قد بنى نفسه وفق أسس المجتمع الجماهيري الجديد.

عالم جديد :

ان عصر الرقيق لا يمكن أن يكون قد انتهى ما دمنا نرى حتى يومنا هذا عشرات الملايين من الأجراء الذين يسحقهم ارباب العمل، النائبين عن الاقطاع، إن العبيد الذين يعانون ظلم أسيادهم ، ويخضعون في ضروريات حياتهم لغيرهم، ليسوا إلا طبقة واحدة مستمرة البقاء لم يتغير فيها إلا اسمها ليصبح في عصرنا (العمال الأجراء)، حتى إذا قضي ذات يوم على الأجرة وتحرر العمال من جورها. أمكن يومئذ القول بأن هذه الطبقة قد انتهت.

بعد كل ما قدمناه، يحق لنا أن نتساءل بجدية إلى أين تقودنا الأطروحات العلمية في الكتاب الأخضر؟

اذا بني هيكل المجتمع الانساني وفق النظرية الجماهيرية وتكيفت النشاطات الاقتصادية بمقتضى ذلك، بحيث أصبحت كل النشاطات الاقتصادية من أجل إشباع الحاجات، وقام افراد المجتمع الجماهيري بنشاطات اقتصادية أشبعت حاجاتهم.. فأى لون تكون علاقات الأفراد ببعضهم في ظل هذا المجتمع؟

كيف تشكل المثل والقيم الاجتماعية وكيف تتم مراعاتها؟! كيف يكون .نظام الأسرة ونظام التعليم وقضية الدين؟

إن ذلك كله سيكون جديدا بلا شك وتكون صعوبته في انه جديد، ويختلف جذريا وكليا عما يسود الان حياة البشر المعاصرين.

ان المجتمع الجديد.. سيكون صورة جديدة لا عهد للانسان بها، ولقد حدثنا التاريخ عن الماضى وعن المجتمع البدائي بالتحديد، حيث كانت الأسرة تحرث الأرض وتزرعها، وتربي فيها الحيوانات لتستخدم أصوافها وشعرها وجلودها، وتحقق من خلال ذلك اكتفاءها الذاتي. إن كل أسرة آنئذ كانت تنتج طعامها وملابسها وبيوتها ذاتيا، بل تجد في يدها ما تتفضل به من الفائض على الضعفاء وعابري السبيل وغير ذلك مما تجب مراعاته وفق مفاهيم ذلك المجتمع البدائي.

وإذا تجاوز البشر ذلك المجتمع البدائي، وتكون مجتمعنا المعاصر على أنقاضه، فان حياتنا ستكون لها صورة مختلفة فيما لو نجح مجتمع عصري في القيام بنشاطات اقتصادية يتماثل غرضها مع المجتمع البدائي فى أغراضه الاقتصادية. فكيف يكون شكل مجتمع عصري تكتفي فيه الأسرة ذاتيا؟

هل يحتاج بلدية ودولة؟ وأن تكون لهذه الدولة حدود مفتوحة أو مغلقة؟

وكيف يكون شكل هذا المجتمع إذا كانت بقية العالم مازالت في وضعها التقليدى من حكومات وجيوش وصراع على مصادر الطاقة؟ بل لنقل أي مصير للعالم، إذا لم يتجه نحو تحقيق النظام الجماهيرى، أي مصير ينتظر الانسان؟!

إن مفكري الإنسانية ملزمون بإيجاد اجابات لكل معضلة من هذه المعضلات ، وتحويل إسهاماتهم إلى منهج علمي يتلقاه مثقفونا بدل تلك الترهات التى أودت بحياة الانسان إلى الجحيم.. ان هذا هو الأمل الوحيد.

علم اقتصاد جديد

بين الاستغلال . . والأجرة :

إن كل الأنماط الاقتصادية التي يجري تنفيذها وتطبيقها في العالم هي أنماط رأسمالية، بداية من البيع والشراء وحتى الإنتاج والاستهلاك ، فالشركات والمؤسسات الاقتصادية والمرافق تتعامل كلها بطريقة رأسمالية، على أساس من الربح والنقود، وهي نفسها التي تشكل المناهج الاقتصادية في الكليات والمعاهد. وبالتالي فان الاقتصاديين والمحاسبين يطبقون الطرق التي تعلموها في دراستهم الرأسمالية، مما يجعلنا بحاجة إلى إيجاد علم اقتصاد جديد كليا يمكن عن طريقه حل المعضلات الجديدة التي تواجه المجتمع الجماهيرى . كما يمكن عن طريقه تجاوز الدراسات الاقتصادية التقليدية وفتح افاق جديدة هي آفاق عصر الجماهير وعالم الشركاء الأحرار. ليقام النظام الجماهيرى وتبنى الاشتراكية القائمة على رد الانتاج لأصحابه وإلغاء الأجرة والايجار والاتجار.

إن علم اقتصاد جديدا هو أمر ضروري ليتمكن العالم معه من مواجهة المعضلات الاقتصادية الخطيرة التى يعانيها ، وليتمكن من إيجاد حلول لها. وأولى هذه المعضلات الاقتصادية الخطيرة هي معضلة الاستغلال، وثانيتها هي معضلة الأجرة. وخطورة هاتين المعضلتين تكمن في أنه حين يم القضاء على إحداهما يتم الوقوع فى براثن الاخرى. ففي مجتمع رأسمالية الطبقة، حيث اطلقت يد رب العمل كليا لاستغلال المنتجين، صار الاستغلال فى ظل ذلك مطلقا ، ذلك أن(المذهب الحر)- بحسب التعبير التقليدي- يوفر حرية للباحثين عن عمل، ليختاروا العمل الذي يريدون، في الوقت الذى لا تكون فيه الدولة ملزمة بإيجاد عمل لمن يتعطلون عنه، ويوفر في ذات الوقت حرية لأرباب العمل ليستخدموا من يشاءون. إن للعاملين مطلق الحرية فى قبول العمل الذى يعنى استغلالهم أو رفضه فيصبحون عاطلين عن العمل. ولأرباب العمل أيضا مطلق الحرية فى أن يعرضوا فرص عمل أو أن لا يعرضوها، وأن يقبلوا لها من يريدون. فهم يتعاملون مع العمال(كبضاعة في سوق العمل) لا أكثر ولا أقل. إن عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في سنة 1982م منهم 12 مليونا فى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها هم حصيلة هذا الصراع المميت بين سلعة في السوق يعرض منها أضعاف ما يرغب أرباب العمل في استخدامه في ظل انعدام أي دور لأية جهة- كالدولة مثلا- في إيجاد عمل لمن لا يتوفر لهم في السوق، وبين مستغل يختار السلعة التي تناسبه، وبالطريقة التي يراها مربحة له دون أن تلزمه جهة ما- كالدولة مثلا- بفرض قيود على اختياره، أو حتى بالتدخل لتعديل مفاهيمه عن العمل والعمال. إننا في غنى عن القول بأن حصيلة البطالة هي مزيد من الاستغلال ومن البطالة أيضا، وهكذا فان الاستغلال في( ظل المذهب الحر) يتصاعد دون حد. أما في مجتمع رأسمالية الحكومة، فان رغبة القضاء على الاستغلال وإنقاذ العمال من كارثة البطالة، أدت إلى رفض( المذهب الحر) واعتماد نموذج بديل عنه، يتحدد في قيام الدولة بعبء تشغيل جميع القادرين على العمل، مع التدخل في طبيعة العمل ونظام الأجرة وبشكل كامل. وقد استطاعت بعض المجتمعات التي انتهجت هذا النظام الاقتصادي الرأسمالي القضاء على البطالة، وربط جميع الناس بأعمال محددة. وعند هذه النقطة بدأت المناظرة بين المجتمعين المذكورين، حيث يعيب النظام الأول على النظام الثاني تقييده الشغيلة بالأجرة فلا يكون الأجراء أحرارا في اختيار عملهم، ولا في اختيار مجال نشاطهم، ولا في مقدار الأجرة التي يحصلون عليها، حيث تشغل الدولة جميع الناس كأجراء لديها، ويحظر النشاط الحر كليا. فلا يوجد تاجر حر، ولا مقاول حر، ولا عامل حر ليختار عمله أو مهنته. كذلك يعاب على النظام الأول اعتماده الربح كغاية للنشاط الاقتصادي، فهو يدعي بعدم إمكان إيجاد نظام اقتصادي بديل ينسجم مع الحضارة المعاصرة دون أن يعتمد الربح كاساس للعملية الانتاجية برمتها. ويستدل على ذلك بعدم قدرة النظام الثاني على إيجاد هذا البديل ونعامله وفق أطروحة الربح ذاتها، مما يرتب في نهاية المطاف الاقتناع منطقيا بتركز رأس المال في يد طبقة واحدة تسعى لمضاعفة أرباحها بزيادة سعر السلعة أو حجم المادة المستهلكة عن طريق إيجاد أسواق جديدة لتصريف إنتاجها، وتوفير المواد الخام بكل الطرق بما في ذلك عمليات الغزو المسلح بما يبرر حركة الاستعمار تلك التي انطلقت بكل قوتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من أوروبا فى اتجاه العالم الثالث. واعتبرها الناس بعد ذلك سببا أساسيا في انحراف الحضارة المعاصرة، وفي المآسي التي تعانيها الانسانية باعتبارها حركة معادية للانسانية والحرية والتقدم بتوجهها للاغتصاب والاستغلال؟ حيث انحصرت نتيجتها في تفوق أوروبا وسيطرتها على بقية الشعوب ونجاحها في سرقة مقدراتها المادية وتشويه مقوماتها المعنوية القومية والدينية. غير أن فشل نظام رأسمالية الحكومة في إيجاد علم اقتصاد بديل عن الاقتصاد الرأسمالي الاستغلالي المعتمد على الربح، ليس حجة علمية يمكن الركون اليها لتبرير استمرار نظام الاستغلال. كما أن السعي الحثيث لتدمير نظام الاستغلال ليس مبررا للوقوع في براثن هيمنة الحكومة لتحل محل أرباب العمل الرأسماليين، فيستمر بهيمنتها نظام الاستغلال المتمثل في الأجرة والايجار والاتجار. وحتى يمكن الخروج من الاستغلال والأجرة معا، بات منطقيا ضرورة إيجاد علم اقتصاد بديل ينجح في حل المشكلات الاقتصادية جذريا، لينعتق الانسان من كل القيود، فيصبح حرا ويصير بالتالى سعيدا.

إنه بنجاح النظرية العالمية الثالثة في القضاء على الاستغلال وعلى الأجرة معا يهل على البشرية عصر جديد، ويخلق فيها عالم سعيد لانسان حر سعيد، قضى على الاستغلال والأجرة ووصل إلى الفردوس المفقود الذى هو المجتمع الجماهيري.

موقف الدولة :

فى ظل (المذهب الحر) تمكن أرباب العمل من تسخير الدولة لحماية مصالحهم، واناطوا بها مهمة سن القوانين ومهمة رعايتها، وحتى وضع الخطط الخاصة بتدكيس الثروات لديهم. إن عمليات الغزو والاستعمار الجديد بشركاته متعددة الجنسيات ليس إلا تعبيرا عن الدور الذي لعبته الدولة تحت سيطرة الرأسماليين. فلا يكون ثمة مجال أمام هذا المذهب فى الانتقاد الذى وجهه له (المذهب الاشتراكي التقليدي) أو مذهب هيمنة الدولة الذى عبر عنه في( شروح الكتاب الاخضر) (مذهب رأسمالية الحكومة) فحين استغلت الدولة( المذهب الحر) كأداة حماية للاستغلال، وكشرطي يحرس مصالح الرأسماليين لا يهمها المنتجون فى شيء كثير أو قليل سواء حصلوا على عمل حقير أو طحنتهم البطالة، فان المسافة التي تفصل المذهبين تكون قد قاربت على التلاشي بسبب التشابه الكبير الذي حققه المذهبان في مختلف اطارات الفكر في الحلول العلمية، وكذلك التطبيقات في شأن تدخل الدولة في الحالتين، مرة لتحمي استغلال أرباب العمل للعمال وفي المرة الأخرى لتنظيم فرص العمل. وفى هذه الأخيرة يتم تحويل الجميع إلى أجراء لدى الدولة، والجمعيات التعاونية التي هي المرحلة الثالثة في تطور مجتمع رأسمالية الحكومة، ستتحول إلى مزارع حكومية ملكا للحكومة ويتحول الفلاحون فيها إلى أجراء لدى الدولة، وبالتالي يسجل هذا المجتمع عودة فعلية إلى زمن الاقطاع الجماعي. فحين تنشئ الحكومة مزرعة جماعية لكل ألف شخص فانها في واقع الأمر تنشئ إقطاعية منفصلة بألف شخص. وهكذا فان آلاف الاقطاعيات تنشأ بهذا الشكل وتحوى ملايين الأجراء الواقعين تحت هيمنة الاقطاعي الجديد الشديد الوطأة الذي هو الدولة.

وفي هذا الوضع نجد أن أصحاب المزارع التعاونية يبيعون إنتاجهم بالطريقة الرأسمالية للمستهلكين ليحصلوا على قدر عال من الأرباح. ويعترض المستهلكون على ذلك، فتحاول الحكومة التدخل للتوسط بين الجمعيات التعاونية والمستهلكين، الأمر الذي جعل الدولة تقع في منزلق لا يليق بها كدولة اشتراكية، حيث تجد نفسها دولة رأسمالية تقليدية، وهذا يعنى أن المشكلة لم تحل بعد. فالصراع مستمر بين الحكومة الرأسمالية هذه، وبين الجمعيات التعاونية، بسبب تدخل الحكومة لدى الجمعيات لتخفيض أسعار المواد الزراعية للمستهلكين، والجمعيات ليست راضية عن هذا. كما أن المستهلكين يضغطون على الحكومة أيضا كي تتدخل للحد من غلاء منتجات الجمعيات التعاونية. وتتوسع رقعة الصراع بين المستهلك والمنتج وأصحاب الجمعيات التعاونية كل على حدة. ثم إن الدولة تحاسب الجمعيات التعاونية وتنال منها الضرائب وتتأكد ما إذا كانت هذه الجمعيات ناجحة أم لا، وهي تحاسبها بمقاييس رأسمالية عن طريق السؤال عن الدخل والأرباح التي تم جمعها، وهو الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفة سعر السلعة دون زيادة في عدد وحداتها.

المحاسبة :

السلعة هي وحدة إشباع الحاجة، وبتسويقها يتمكن المذهبان المذكوران من الحصول على أرباح عن طريق مضاعفة سعرها، فأصبح الطباشير مثلا إذا كلف صاحب المصنع عشرة دراهم فانه يبيعه بعشرين درهما، فيعد والحالة هذه رابحا بمنطق المحاسبة الرأسمالية التى تحصي سعر التكلفة منفصلا عن الدخل الذي يجب أن يزيد في هذه الحالة قدر ما يسمونه ربحا. إن دخله فقط هو الذي زاد أما السلعة فأنها باقية بقدرها نفسه، دون أي زيادة. هذا هو المقياس الرأسمالي في حساب الأرباح، وليس هناك أدنى اهتمام بزيادة السلعة، وحين يريد صاحب مصنع الطباشير أن يبالغ في أرباحه فليس أمامه إلا أن يبيع اصبع طباشيره ذاك بثلاثين درهما ليتضاعف ربحه مرة أخرى. وتقدم التقارير في هذه الحالة باعتبار أن المصنع ناجح وأن اقتصاد الدولة رابح ومزدهر وفقا للمحاسبة الرأسمالية.. ولكن، هل هذا المقياس المحاسبي صحيح؟ حين نضاعف سعر اصبع الطباشير، من أين تاتي الفروق التي نعتبرها ربحا للمصنع؟ انها تاتي من المستهلكين الذين اشتروا الطباشير، وكذلك الفروق في جميع السلع التى نعتبرها مربحة يدفعها المستهلكون، فهم يتحملون وزر رفع الأسعار وهم الذين يتضررون من وجود أرباح على أي سلعة في المجتمع، وحين يتضرر جميع المستهلكين وتصبح حياتهم صعبة لا تطاق بفعل غلاء السلع وارتفاع أسعارها، فهل نعتبر اقتصاد هذه الدولة مزدهرا. في الواقع، إن اقتصاد هذه الدولة يعاني أزمة فعلية، حيث إنه بازدياد الأسعار تتكدس أموال المستهلكين فى جيوب الرأسماليين افرادا كانوا أم حكومات، وبالتالى تقل مقدرتهم في الحصول على حاجاتهم. فلو أراد مستهلك الحصول على اصبع الطباشير كان عليه في السابق أن يدفع مقابله عشرة دراهم لكنه لن يحصل عليه فى ظل ارتفاع الأسعار- بقصد جمع أكبر قدر من الأرباح- الا إذا دفع ثلاثين درهما فماذا يعني ذلك؟ إنه التضخم. فعندما تقل القوة الشرائية للعملة، يحتاج المستهلكون إلى مقادير مضاعفة من وحدات العملة للحصول على حاجاتهم، فتضطر المصارف المركزية إلى طبع نقود كثيرة لاستعمالها في أيدى المستهلكين ، وهكذا يكون المتداول من العملة كثيرا، ويكون مردوده من السلع قليلا. فإذا كان راتب شخص ما مائة دينار في وضعه العادي، فهو مضطر لأن يصبح راتبه ثلاثمائة دينار ليفي بحاجته في ظل التضخم.

وبالتالي، فان الزيادة في الرواتب هي علاج تلفيقي لمشكل مستعص اخر هو فقدان العملة لقيمتها من ناحية، وزيادة أرباح الرأسمالية من ناحية أخرى، بما يصبح معه المستهلكون مجرد حمالين لحزم الأوراق النقدية التى يقبضونها كمرتبات، ويحملونها إلى خزائن الرأسماليين في أسواق السلع الاستهلاكية. ولو أن المستهلكين كانوا يدركون السر في زيادة رواتبهم لما قبلوا بهذه الزيادة، ولسعوا إلى حل جذري غير هذا الحل التلفيقي.

إن الاقتصاد المزدهر هو أن ينجح المصنع في زيادة عدد وحدات السلعة، فبدلا من اصبع طباشير واحد، ينتج ثلاث أصابع، فيتوفر للمستهلكين حاجتهم من السلعة، ويزداد دخل المصنع بمقدار الزيادة في الانتاج.

إن علم الاقتصاد الجديد يجب أن يقام على هذا الأساس، ليلغي بعد ذلك علم الاقتصاد الرأسمالي المتخلف المعتمد على زيادة الربح الذي يطبقه المجتمع الصناعي، ويفرضه على العالم في شكل معاملات يومية ومناهج دراسية، دون أن يمنح الشعوب وجماهير الكادحين فرصة تمحيصه وايجاد بديل منه.

اقتصاد جديد :

إن الضرر الذي يلحقه علم الاقتصاد التقليدي والنظام الاقتصادي المطبق في العالم الصناعي بالحضارة يتضح أثره الكبير في تفتت الجماعات البشرية، وانهيارها، وتدمير كياناتها القومية والدينية. وإذا كانت إرادتنا تتمحور حول إيجاد مجتمع حر وسعيد، فان تخلصنا من الاستغلال ومن الأجرة، هو أول الطريق لبناء علم اقتصاد جديد.

ففي ليبيا، لكي يقوم المثل الجماهيري للمجتمع الحر السعيد كانت هناك ضرورة ملحة- لا يمكن الاستهانة بها- هي كيف نحول دون سرقة أموال المستهلكين من قبل المستغلين الذين يسعون علنا الى السرقة وتكديس (الأرباح) إن الفا وأربعمائة مليون دينار كل سنة على سبيل المثال، كان السماسرة و السراق يعتبرونها أرباحا، وهي فى الواقع مرتبات الذين يؤدون خدمة عامة فى المجتمع، وكان عليهم أن يدفعوها مقابل حصولهم على حاجتهم المعاشية الأساس. تلك الحاجات التي احتكرها بعض النصابين من التجار والسماسرة وحالوا بينهم وبينها، فارضين إتاوة مالية عليها بحجة البحث عن الربح.. الأمر الذي يعد حصول المحتاجين على حاجاتهم في ظله مستحيلا دون حدوث عملية الاستغلال والسرقة لهم. وليس من سبيل للحيلولة دون وقوع عمليات الاستغلال والسرقة تلك الا بالغاء علم الاقتصاد التقليدي ونظام المحاسبة التابع له.

ومعنى ذلك هو إلغاء كافة النشاطات الاقتصادية الخاصة غير الانتاجية باعتبارها مصدر ذلك الاستغلال. فالسمسرة الحرة والمقاولات والتجارة الخاصة وما يماثلها من نشاطات اقتصادية غير إنتاجية تعد مرفوضة بشكل قاطع لضررها البالغ بالمستهلكين وأثرها السلبي على السلعة، وبالتالي تأثيرها فى انهيار الإنتاج وحدوث التضخم.

إن التجارة الخاصة هي نشاط استهلاكي غير إنتاجي. والتاجر ينصب اهتمامه على جلب البضائع ليعرضها باسعار مضاعفة، ولا يوجد أي مبرر لذلك. فالشعب أقدر على توفير البضائع ليستخدمها بسعر التكلفة دون أية زيادة في أسعارها.

واذ يبيح النظام الرأسمالي التجارة الحرة التي لا يمكن تقييدها بسبب سعي أصحابها إلى زيادة أرباحهم.. يكون قد أباح نشاطا استغلاليا. وخلق ضغوطا قاهرة على إنسان آخر ماديا ومعنويا هو المستهلك الذي تم إفقاره، والغاء حريته.

إن ذلك لا يتلاءم قطعا مع المنطق الديمقراطي، بل هو لا يتلاءم حتى مع الديمقراطية التقليدية الزائفة، لأنه يمنح الحرية لفرد واحد ليقهر الأغلبية ويسلبها حريتها. لكنهم يقولون بأنه حر وليس باجير.. وهذا يكفي لاستمراره كمستغل.

والحلاقة التى هي مهنة تافهة جدا، يعيش مزاولها على ما يتقاضاه مقابل حلاقته لشعر الآخرين. هو حر في الواقع لأنه ليس أجيرا، ويستطيع أن يعمل أو يرفض العمل، غير أنه فرد غير منتج.. فحالقو الشعر يشكلون. مهنة استهلاكية غير منتجة تعيش بشكل طفيلي على حساب الآخرين. ان فئة من الكسالى والتنابلة تضاف إلى رصيد التخلف بالقبول بمثل هذه المهنة. وليس أمام المجتمع الاشتراكي ليتمكن من تحقيق التقدم إلا القضاء على جميع الفئات الاستهلاكية غير المنتجة. لأن بقاءها سيدفع باعداد كبيرة من الناس إلى مزاولتها لبساطتها وسرعة مردودها وكثرة أرباحها، فينحط المجتمع وينهار اقتصاده بتكالب كثير من الناس على مزاولة نشاطات اقتصادية سلبية كهذه تضر بمصلحة المجتمع.

استغلال .. أو أجرة :

إن رفض النشاطات الخاص غير الإنتاجية والغاءها، لا يعنى على الاطلاق أن يتحرر المنتجون إذا ما استبدل نظام الاستغلال المعروف (بالمذهب الحر) بنظام الأجرة وملكية الحكومة المعروف (بمذهب ملكية الدولة). فحيث تصبح المصانع والمزارع الجماعية وجميع الحرف والمهن ملكا للدولة وباشرافها.. ويكون جميع المنتجين في هذه المواقع الإنتاجية مجرد أجراء لديها تتسلم منهم الإنتاج وتسلمهم مقابله أجرة، فان المجتمع في هذه الحالة يكون قد وقع في المحظور الذي هو (الأجرة) بعد أن حاول التخلص من الاستغلال. والأجراء ليسوا سعداء، لانهم ليسوا أحرارا. فهم غير مطمئنين على مستقبلهم المربوط بأجرة يتحكم فيها غيرهم. ويكون من يتحكم فى أجرتهم سيدا لهم، ويكنون عبيدا له. ولا شك أن كفاح الأجراء سيستمر دون توقف حتى تتحقق حريتهم، أو يستشهدوا من أجلها. فلابد أن يتحرر الانسان فوق الأرض لكي يكون سعيدا، والا فليس هناك داع لأن يعيش. وتظل المسافة التي تفصل الأجراء عن الحرية أو الاستشهاد هي كلها زمن العبودية. وهو زمن مرفوض تنظم الجماهير صفوفها من اجل تدميره بالثورة الشعبية. فاما أن تنتصر الحرية وإما أن ينتصر الاستشهاد.. فليست الثورة بمفاهيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية سوى الخلاص، من وضع العبودية. وحين يثور المطحونون بالعبودية، فانهم يحققون خلاصهم النهائي بالنصر أو الاستشهاد. ان الانتقال من رأسمالية الطبقة الى رأسمالية الحكومة. هو انتقال من عبودية الاستغلال إلى عبودية الأجرة. انهما وجهان لعملة واحدة تنقلب عن أحد وجهيها إلى الوجه الآخر دون أن تتبدل حقيقتها ودون أن يتغير جوهرها. ويعاني المستغلون والأجراء في ظل الوضعين معا ظروفا قاسية ومأسوية، ليس إلى تحقيق سعادتهم في ظلها من سبيل لانهم يفقدون حريتهم، وتسلط أدوات قهرية ودكتاتورية عليهم، صاروا عبيدا حقيقيي ، رهنوا حياتهم مقابل أجرة لأرباب عملهم أفرادا كانوا أو مؤسسات، الأمر الذي يجعل انعتاقهم مستحيلا دون الخروج على الوضعين معا وتجاوزهما عمليا وتطبيقيا. والعلاقة الجدلية القائمة بين المذهبين وتناقضهما مع مصلحة المنتجين أدت جدليا- أيضا- إلى إيجاد حل لهذه المعضلة يتمثل في النظرية العالمية الثالثة التي خلصت المنتجين من النطاق المضروب حولهم بتأرجحهم بين الاستغلال والأجرة فاجتازوا هذه العقبة نهائيا، بالغاء الاستغلال وإلغاء الأجرة كليهما بحتمية تحقيقهم لمجتمع الشركاء .

شركاء لا أجراء:

إن تدمير الاستغلال كان محفوفا دوما بالخوف من الوقوع في المحظور الخطير الاخر وهو الأجرة. فحين قامت ثورة المنتجين في ليبيا. سيطر المنتجون على المنشآت الإنتاجية من الناحية الادارية عن طريق مؤتمراتهم الشعبية الإنتاجية ولجانهم الشعبية الادارية التي كانت قبل ذلك تحت سيطرة ملاكها من الرأسماليين أو تحت سيطرة الدولة.غير أن المنتجين الذين سيطروا على هذه المنشآت، استمروا يتقاضون أجرة على إنتاجهم، كما كانوا يفعلون من قبل دون أن يطرأ أي تغيير على وضعهم كاجراء. وقد تحجج المنتجون الذين لا يملكون وعيا علميا، بأن أجرهم أكبر من المقدار الذي سيعود عليهم من إنتاجهم فيما لو طبقوا نظام المشاركة في الإنتاج. في حين تعلل البيروقراطيون، ليحولوا دون تطبيق نظام المشاركة هذا بأن عائد الإنتاج في ظل المشاركة سيكون صفرا، بسبب انعدام الربح بشكل نهائي. وبهذا يكون الاقتصاد فاشلا وخاسرا بمنظور علم الاقتصاد الرأسمالي الرجعي. غير أن علم الاقتصاد الاشتراكي، الذي يعتمد إشباع الحاجات كغاية لجميع أنواع النشاط الاقتصادي. يعتبر حرية العمال هي الأساس الذي تقاس به مصلحتهم، ولا يعير اهتماما لمقدار الكسب المادي الذي يحققونه في ظله، كنظام ظالم وقاهر يطحن العمال بقيوده الثقيلة، ويظل. تحريرهم من قبضته هدفا مقدسا دونه الموت. على أن جهد المنتجين هو الذي يحدد وحده مقدار الاشباع الممكن لحاجاتهم. بمعنى أنه حين يكون على المنتجين إشباع حاجاتهم بشكل كامل ومثالي، فانهم يزيدون إنتاجهم ويضاعفونه ليتمكنوا من ذلك بحيث لا يمكن إشباع الحاجات في ظل التقاعس أو في ظل عدم الإنتاج.كما أن علم الاقتصاد الاشتراكي يعتبر وجود الربح في حد ذاته عملا شائنا وسرقة واضحة، ويرى النتيجة الصفر التي ينتقدها البيروقراطيون بناء على رؤيتهم الاقتصادية الرجعية المستخلصة من النظريات الاقتصادية التقليدية هي النتيجة الصحيحة الوحيدة لتطبيق اقتصاد اشتراكيى علمي يعود فيه الإنتاج لأيدى أصحابه، ليشبعوا عن طريقه حاجاتهم الماسة دون حاجة إلى أي نوع من الزيادة الخاطئة فوق سعر التكلفة، لتعتبر بعد ذلك ربحا. وعلى هذا الأساس فان (النتيجة الصفرية) هذه التي تنتهي اليها العملية المحاسبية في ظل النظام الاقتصادي الاشتراكى العلمي الجديد، لا تسمح إطلاقا بوجود تراكم أو تركز في رؤوس الأموال، كما أنها تستهجن وترفض السعي الحثيث الذي تواصله الشركات الاحتكارية والمتجاوزة للجنسيات، والذي تمارسه الدول الرأسمالية لزيادة أرباحها برفع أسعار المواد المصنعة، وباحتكار المواد الخام واحتكار التقنية، وباحتلال مصادر الطاقة، وبالهيمنة على الشعوب الصغيرة والفقيرة والمتخلفة، وبنشر القواعد العسكرية لغرض الهيمنة السياسية والاقتصادية ووضع الأمم في دوامة الصراع البربري الذي لا يهدأ، والوصول بالعالم إلى الانهيار الكامل، وتدمير الحضارة الإنسانية وإفناء الحياة على الأرض. كل ذلك من أجل السيطرة على السلعة وعلى أسواقها ليتمكن الامبرياليون من زيادة الأسعار. وحرمان أصحاب الثروات الأصليين. من إشباع حاجاتهم المادية، وفرض التخلف، جهلا وفقرا ومرضا على جميع الشعوب. ان الاقتصاد الرجعي الذي يبيح الربح هو الذي أوصل العالم المعاصر إلى مرحلة الامبريالية ومرحلة الاحتكار الشامل، التي ينهار بسببها العالم المعاصر كله، ويخضع من جرائها إلى مخاض عسير. قد يؤدي به إلى الهلاك الشامل إذا لم يتداركه المنتجون في العالم بتفجير ثورتهم، وفرض نظام المشاركة في جميع المؤسسات الإنتاجية، وأن يجعلوا من (إشباع الحاجات) غاية وحيدة لجميع أنواع النشاط الاقتصادي، لينتهي إلى الأبد كل نشاط اقتصادي يهدف إلى الاستغلال.

إن ثورة المنتجين ليست مجرد شعار ، إن هدفها هو تخليص المنتجين من الاستغلال ومن الأجرة . وهذا ما سيفجر الثورة الشعبية في العالم كله ليتخلص الناس من الاستغلال والأجرة، فيصبحوا أحرارا وسعداء.. بعد أن يكونوا شركاء في الإنتاج. إن الثورة الشعبية هي ثورة الجماهير الكادحة، من أجل حريتها وتمتعها بإنتاجها. وستدافع هذه الجماهير عن ثورتها دون أن تكون في حاجة إلى أجهزة تقليدية للدفاع عنها.. كالشرطة والمباحث والجيش وغيرها. فالجماهير بدفاعها عن ثورتها، انما تدافع عن نفسها، فليس ثمة نظام قاهر، ولا طبقة مستغلة ولا فرد يتعالى على الجماهير.. بل إن الجماهير قد أصبحت حرة، ملزمة بالدفاع عن الحرية والحفاظ عليها بشرط أن تكون حرية حقيقية تعيها جماهير الشغيلة وعيا عقائديا. ويظل تأجيج وعي الشغيلة إلى القدر الذي يكونون فيه قادرين على إدراك الأوضاع النقيضة للحرية من نماذج استغلال مختلفة ونماذج أجرة، وليكون في إمكانهم الدفاع عن ثورتهم وتجذيرها علميا وتطبيقيا، هو أساس انتصار الشغيلة في ثورتها ، وأساس تحررها أيضا.

الفلاحون :

في علم الاقتصاد الاشتراكي الجديد، يمكن للفلاح في المزرعة أن يملك إنتاج مزرعته، وأن يتصرف فيه بالطريقة التي تتناسب مع مصلحته، شرط ألا يكون قد استأجر غيره للعمل في المزرعة. وبشرط ألا يغفل حقوق الآخرين الذين لهم علاقة اقتصادية به من المحتاجين لانتاجه في إشباع حاجاتهم. وتظل ملكية الفلاح لمزرعته ملكية انتفاع قادر على التصرف بها بالشكل المناسب له، دون أن يملك أحد الأرض ملكية رقبة.

إن الأرض ملك أفراد المجتمع، ويملكها المنتفع للانتفاع بها، فإذا تخلى عن ذلك سقطت حقوقه فيها.

ويصبح باستطاعة آخر أن يحوزها للانتفاع بها. فالفلاح الذي يحوز مزرعة دون أن يستأجره أحد أو يستأجر هو أحدا آخر، يظل حرا في الانتفاع بها، حتى يتخلى عنها بسبب تغيير نوع نشاطه مثلا، أو بسبب عدم قدرته، أو بسبب عدم حاجته، فيسقط تلقائيا حقه فيها، وتؤول لغيره لينتفع بها.

إن الفلاحة مهنة حرة، فإذا ما تناقضت مع مصلحة المجتمع الاشتراكي فان من حق هذا المجتمع أن يعالجها بالشكل الذي يراه مناسبا له. لقد وجدنا أن التجارة حرة وكذلك الحلاقة، غير أنها مهن استغلالية وغير إنتاجية، كذلك فان السمسرة والمقاولات مهن حرة هي الاخرى، غير أن المجتمع الاشتراكي يرفضها باعتبارها مهنا استغلالية وغير إنتاجية، وعلى هذه القاعدة فإن أية مهنة سواء الفلاحة أو غيرها، يتضح أنها استغلالية وغير إنتاجية، فان المجتمع الاشتراكي ينتزعها من أيدي أصحابها، ويحولها إلى نشاط اشتراكي إنتاجي للمجتمع دون أن يحول أصحاب هذه المهنة إلى اجراء لدى الدولة، لان ذلك يعي أننا وقعنا في مشكلة جديدة، هي الأجرة، وبرغم أن الفلاح منتج ويختلف عن التاجر وعن المقاول و السمسار والحلاق، الذين لا ينتجون شيئا إلا أنه حين يزرع كيسا من الشعير وينتج عشرة أكياس فهو يستهلك خمسة منها، ويبيع بعد ذلك الخمسة الأكياس الأخرى. وعملية البيع هذه تعيد التجارة إلينا كرة أخرى ونقع في الاستغلال مجددا بسعي الفلاح الى استغلال المستهلكين بزيادة أسعار السلع الزراعية من أجل الحصول على أكبر قدر من الربح، وفي هذه الحالة لم يخرج الوضع عن المحظور الأول الذي هو الاستغلال.

بين المجانية والمقابل :

إن المجانية قضية هامة وخطيرة كما أنها ليست مفهومة في ذات الوقت، بسبب توجه النظم الإصلاحية ذات الحلول التلفيقية إلى نهج المجانية هذه، في كثير من مجالات الخدمات، كالتعليم و العلاج و المواصلات والكهرباء والمياه وغيرها.

وهي قد انتهجت هذه السياسة الاصلاحية التلفيقية بسبب عدم تمكنها من إيجاد حل جذري للمشكلات الاجتماعية، ويوضح اتجاهها هذا مدى التخبط والارتباك والتذبذب وضبابية الرؤية التي تعانيها هذه الأنظمة القاصرة فكريا وعمليا، فتعالج قصورها وانحطاطها بدغدغة نوازع الاستهلاك لدى الأفراد في محاولة للحفاظ على البقاء في السلطة . إذ ليس هناك ما يبرر المجانية إطلاقا، ما دام كل فرد يأخذ عائد عمله دون أن يبقى منه شيئا في الخزينة العامة للمجتمع. ولو كانت الضروريات هي التي يجب أن تكون مجانية، فان الأكل واللباس مثلا أكثر ضرورة من كل تلك الأشياء التي يطالب بعض الناس بمجانيتها. وبرغم ذلك فاننا لا نجد من يتجرأ ليطالب بمجانية الأكل واللباس.. وغير ذلك من الضروريات الأولية.

غير أن سياسة المجانية هذه، ليست سوى عملية ترميم رأسمالية يقوم بها نظام إصلاحي تلفيقي بقصد الاستغلال، ولسبب العجز في مواجهة المشكلات الحيوية للمجتمع، وعدم ايجاد حلول جذرية صحيحة لها، وعدم القدرة على إقناع الناس بالسياسة المتخلفة التي تنتهجها هذه الأنظمة على مختلف الأصعدة.

وعند هذه النقطة جاءت المجانية كممارسة الخداع والغش، لتمرير السياسات الفاسدة، وإلا فهل يستطيع أحد أن يجيبنا، لماذا المجانية؟

لماذا المجانية والجميع يعملون ويتقاضون رواتبهم؟ من أجل ماذا يتقاضون هذه الرواتب؟ أليس من أجل إشباع حاجاتهم!

عندما يعمل هؤلاء الناس ويأخذون مقابل عملهم، ماذا يبقى في يد المجتمع أو في يد أي أحد آخر ليقدم الخدمات لجميع الأفراد مجانا؟!

من هو الذي سيتصدق على جميع الناس، ومن أين له، وقد نال الناس أموالهم، دون أن يتركوا منها شيئا؟!

من هو الذي سيقدم الخدمات مجانا وقد نال كل فرد إنتاجه دون أن يبقى منه شيئا. إنه حين يطلب أحد الناس خدمة مجانية فانها ليست كذلك بالنسبة للمجتمع بل هي بثمنها. وحيث لم يبق في يد المجتمع أي قدر من المال فكيف يمكنه أن يقدم خدمة دون مقابل؟! إن المجانية تتحقق في حالة واحدة، وهي عندما يعمل الجميع ويتنازلون عن إنتاجهم لصالح المجتمع، عندئذ تكون خزانة المجتمع قادرة على تقديم جميع الخدمات دون مقابل.

إن المجتمع الاشتراكي لا يمكنه أن يؤاخي بين المجانية والمقابل، فإما أن يتنازل المنتجون عن المقابل الذي يتقاضونه وإما أن يتحملوا ثمن الخدمات التي يتلقونها من هذا المقابل الذي يأخذونه على شكل راتب.

فالمجتمع الاشتراكي الجديد مبني على قواعد علمية وقوانين ثابتة لا يمكن تجاوزها، وإلا انهار البناء كاملا بل اننا لن نكون قادرين على فهم بنية هذا المجتمع، وتحليل فكرته ما لم نلم بهذه القوانين، الماما تاما، فكأى مسألة جبرية أو هندسية يلزم لها استخدام قانون محدد للتمكن من معرفة نتيجتها، كذلك يلزم الالمام بقانون المجتمع الجماهيرى، وقواعده العلمية التي نتج عنها. وتلك التي ترتبت على وجوده، من أجل مواجهة المعضلات العلمية التي تحتاج إلى تقديم حل لها، وتقتضي معالجة خاصة في ضوء ذلك بحيث يستقيم وضعها مع البنية الهيكلية للمجتمع الجماهيرى.

ان المؤتمرات الشعبية الاساسية واللجان الشعبية التنفيذية، واللجان الثورية ذات المهمة التحريضية والترشيدية ليست منفصلة عن تدمير المجتمع التقليدي السابق على الدولة الجماهيرية، كما انها لا يمكن ان تنبثق عن نظام ليس جماهيريا، ومثلها في ذلك مسألة المجانية والمقابل لا يمكنهما ان يلتقيا معا في ظل الاشتراكية، ولعل بعض الذين لم يستوعبوا قوانين المجتمع الجماهيري سيفاجئون اذا الغي المجتمع الجماهيري مجانية التعليم مثلا، وسيعتبرون ذلك- في وسط استغفال شديد- نكسة حقيقية وردة كبيرة في اطار التعليم ورعاية الدولة له، ربما لانهم سيرون في ذلك توجها رأسماليا مناقضا للاشتراكية بمفهومها التقليدي الاصلاحي فيتخذ مثل هؤلاء مواقف عاطفية خاطئة مناقضة للعلم الاشتراكي وفقا للمجتمع الجماهيري ومناقضة لنظام الشركاء الاحرار المسؤولين بانفسهم عن اشباع حاجتهم.

ان استيعاب القوانين التي قام عليها المجتمع الجماهيري سيجعل أي ثوري يتساءل بالحاح من اين جاءت المجانية؟ فحين يكون المجتمع اشتراكيا جماهيريا فلا وجود للمجانية، لان المجانية من طبيعة النظام الرأسمالي، وهي برنامج مخدر من برامج الانظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.

ان الدليل على التلفيق الواضح فيها انها تقدم بالمجان اشياء تافهة واخرى هامة نسبيا، غير انها لا تقدم مجانا ما هو اهم من كل الاشياء اذ ان الضروريات الاساس للانسان ليست مجانية.

فالطعام والسكن واللباس والمركوب، تلك التى لا يستطيع الانسان ان يعيش بدونها، يطلب من محتاجيها تسديد أثمانها مضاعفة في بعض الأحيان خاصة حين يتحكم فيها الاستغلاليون من السماسرة والتجار والمقاولين.

وحين تكون المجانية مفيدة ونافعة، يجب أن تكون شاملة أو تحوى على الاقل الضروريات الملحة للانسان وعندها يجب التنازل عن المقابل، ليتمكن المجتمع من تعميم المجانية.

وبهذا نصل إلى الأطروحة التي أكدناها مرارا وهي ضرورة التخلص من الأجرة، ولابد إذن- ترتيبا على ذلك- من التخلص من المرتب لكي نصبح أحرارا، فحين ننتج مجانا، لا نكون بحاجة إلى رواتب ما دامت حاجاتنا متوفرة مجانا.

أما إذا كنا نتقاضى رواتبنا، فليس امامنا إلا أن نسدد ثمن الدواء والتعليم وتذكرة الحافلة وقائمة الهاتف ومستحقات الكهرباء والمياه وكل مستلزماتنا.

إذ أن المال لا يأتي من مصدر سحري، وليست ميزانية المجتمع إلا إنتاج افراده فقط، إن النجاح في هذا الأمر يعنى أن انسانا جديدا قد بنى نفسه وفق أسس المجتمع الجماهيري الجديد.

عالم جديد :

ان عصر الرقيق لا يمكن أن يكون قد انتهى ما دمنا نرى حتى يومنا هذا عشرات الملايين من الأجراء الذين يسحقهم ارباب العمل، النائبين عن الاقطاع، إن العبيد الذين يعانون ظلم أسيادهم ، ويخضعون في ضروريات حياتهم لغيرهم، ليسوا إلا طبقة واحدة مستمرة البقاء لم يتغير فيها إلا اسمها ليصبح في عصرنا (العمال الأجراء)، حتى إذا قضي ذات يوم على الأجرة وتحرر العمال من جورها. أمكن يومئذ القول بأن هذه الطبقة قد انتهت.

بعد كل ما قدمناه، يحق لنا أن نتساءل بجدية إلى أين تقودنا الأطروحات العلمية في الكتاب الأخضر؟

اذا بني هيكل المجتمع الانساني وفق النظرية الجماهيرية وتكيفت النشاطات الاقتصادية بمقتضى ذلك، بحيث أصبحت كل النشاطات الاقتصادية من أجل إشباع الحاجات، وقام افراد المجتمع الجماهيري بنشاطات اقتصادية أشبعت حاجاتهم.. فأى لون تكون علاقات الأفراد ببعضهم في ظل هذا المجتمع؟

كيف تشكل المثل والقيم الاجتماعية وكيف تتم مراعاتها؟! كيف يكون .نظام الأسرة ونظام التعليم وقضية الدين؟

إن ذلك كله سيكون جديدا بلا شك وتكون صعوبته في انه جديد، ويختلف جذريا وكليا عما يسود الان حياة البشر المعاصرين.

ان المجتمع الجديد.. سيكون صورة جديدة لا عهد للانسان بها، ولقد حدثنا التاريخ عن الماضى وعن المجتمع البدائي بالتحديد، حيث كانت الأسرة تحرث الأرض وتزرعها، وتربي فيها الحيوانات لتستخدم أصوافها وشعرها وجلودها، وتحقق من خلال ذلك اكتفاءها الذاتي. إن كل أسرة آنئذ كانت تنتج طعامها وملابسها وبيوتها ذاتيا، بل تجد في يدها ما تتفضل به من الفائض على الضعفاء وعابري السبيل وغير ذلك مما تجب مراعاته وفق مفاهيم ذلك المجتمع البدائي.

وإذا تجاوز البشر ذلك المجتمع البدائي، وتكون مجتمعنا المعاصر على أنقاضه، فان حياتنا ستكون لها صورة مختلفة فيما لو نجح مجتمع عصري في القيام بنشاطات اقتصادية يتماثل غرضها مع المجتمع البدائي فى أغراضه الاقتصادية. فكيف يكون شكل مجتمع عصري تكتفي فيه الأسرة ذاتيا؟

هل يحتاج بلدية ودولة؟ وأن تكون لهذه الدولة حدود مفتوحة أو مغلقة؟

وكيف يكون شكل هذا المجتمع إذا كانت بقية العالم مازالت في وضعها التقليدى من حكومات وجيوش وصراع على مصادر الطاقة؟ بل لنقل أي مصير للعالم، إذا لم يتجه نحو تحقيق النظام الجماهيرى، أي مصير ينتظر الانسان؟!

إن مفكري الإنسانية ملزمون بإيجاد اجابات لكل معضلة من هذه المعضلات ، وتحويل إسهاماتهم إلى منهج علمي يتلقاه مثقفونا بدل تلك الترهات التى أودت بحياة الانسان إلى الجحيم.. ان هذا هو الأمل الوحيد.

علم اقتصاد جديد

بين الاستغلال . . والأجرة :

إن كل الأنماط الاقتصادية التي يجري تنفيذها وتطبيقها في العالم هي أنماط رأسمالية، بداية من البيع والشراء وحتى الإنتاج والاستهلاك ، فالشركات والمؤسسات الاقتصادية والمرافق تتعامل كلها بطريقة رأسمالية، على أساس من الربح والنقود، وهي نفسها التي تشكل المناهج الاقتصادية في الكليات والمعاهد. وبالتالي فان الاقتصاديين والمحاسبين يطبقون الطرق التي تعلموها في دراستهم الرأسمالية، مما يجعلنا بحاجة إلى إيجاد علم اقتصاد جديد كليا يمكن عن طريقه حل المعضلات الجديدة التي تواجه المجتمع الجماهيرى . كما يمكن عن طريقه تجاوز الدراسات الاقتصادية التقليدية وفتح افاق جديدة هي آفاق عصر الجماهير وعالم الشركاء الأحرار. ليقام النظام الجماهيرى وتبنى الاشتراكية القائمة على رد الانتاج لأصحابه وإلغاء الأجرة والايجار والاتجار.

إن علم اقتصاد جديدا هو أمر ضروري ليتمكن العالم معه من مواجهة المعضلات الاقتصادية الخطيرة التى يعانيها ، وليتمكن من إيجاد حلول لها. وأولى هذه المعضلات الاقتصادية الخطيرة هي معضلة الاستغلال، وثانيتها هي معضلة الأجرة. وخطورة هاتين المعضلتين تكمن في أنه حين يم القضاء على إحداهما يتم الوقوع فى براثن الاخرى. ففي مجتمع رأسمالية الطبقة، حيث اطلقت يد رب العمل كليا لاستغلال المنتجين، صار الاستغلال فى ظل ذلك مطلقا ، ذلك أن(المذهب الحر)- بحسب التعبير التقليدي- يوفر حرية للباحثين عن عمل، ليختاروا العمل الذي يريدون، في الوقت الذى لا تكون فيه الدولة ملزمة بإيجاد عمل لمن يتعطلون عنه، ويوفر في ذات الوقت حرية لأرباب العمل ليستخدموا من يشاءون. إن للعاملين مطلق الحرية فى قبول العمل الذى يعنى استغلالهم أو رفضه فيصبحون عاطلين عن العمل. ولأرباب العمل أيضا مطلق الحرية فى أن يعرضوا فرص عمل أو أن لا يعرضوها، وأن يقبلوا لها من يريدون. فهم يتعاملون مع العمال(كبضاعة في سوق العمل) لا أكثر ولا أقل. إن عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في سنة 1982م منهم 12 مليونا فى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها هم حصيلة هذا الصراع المميت بين سلعة في السوق يعرض منها أضعاف ما يرغب أرباب العمل في استخدامه في ظل انعدام أي دور لأية جهة- كالدولة مثلا- في إيجاد عمل لمن لا يتوفر لهم في السوق، وبين مستغل يختار السلعة التي تناسبه، وبالطريقة التي يراها مربحة له دون أن تلزمه جهة ما- كالدولة مثلا- بفرض قيود على اختياره، أو حتى بالتدخل لتعديل مفاهيمه عن العمل والعمال. إننا في غنى عن القول بأن حصيلة البطالة هي مزيد من الاستغلال ومن البطالة أيضا، وهكذا فان الاستغلال في( ظل المذهب الحر) يتصاعد دون حد. أما في مجتمع رأسمالية الحكومة، فان رغبة القضاء على الاستغلال وإنقاذ العمال من كارثة البطالة، أدت إلى رفض( المذهب الحر) واعتماد نموذج بديل عنه، يتحدد في قيام الدولة بعبء تشغيل جميع القادرين على العمل، مع التدخل في طبيعة العمل ونظام الأجرة وبشكل كامل. وقد استطاعت بعض المجتمعات التي انتهجت هذا النظام الاقتصادي الرأسمالي القضاء على البطالة، وربط جميع الناس بأعمال محددة. وعند هذه النقطة بدأت المناظرة بين المجتمعين المذكورين، حيث يعيب النظام الأول على النظام الثاني تقييده الشغيلة بالأجرة فلا يكون الأجراء أحرارا في اختيار عملهم، ولا في اختيار مجال نشاطهم، ولا في مقدار الأجرة التي يحصلون عليها، حيث تشغل الدولة جميع الناس كأجراء لديها، ويحظر النشاط الحر كليا. فلا يوجد تاجر حر، ولا مقاول حر، ولا عامل حر ليختار عمله أو مهنته. كذلك يعاب على النظام الأول اعتماده الربح كغاية للنشاط الاقتصادي، فهو يدعي بعدم إمكان إيجاد نظام اقتصادي بديل ينسجم مع الحضارة المعاصرة دون أن يعتمد الربح كاساس للعملية الانتاجية برمتها. ويستدل على ذلك بعدم قدرة النظام الثاني على إيجاد هذا البديل ونعامله وفق أطروحة الربح ذاتها، مما يرتب في نهاية المطاف الاقتناع منطقيا بتركز رأس المال في يد طبقة واحدة تسعى لمضاعفة أرباحها بزيادة سعر السلعة أو حجم المادة المستهلكة عن طريق إيجاد أسواق جديدة لتصريف إنتاجها، وتوفير المواد الخام بكل الطرق بما في ذلك عمليات الغزو المسلح بما يبرر حركة الاستعمار تلك التي انطلقت بكل قوتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من أوروبا فى اتجاه العالم الثالث. واعتبرها الناس بعد ذلك سببا أساسيا في انحراف الحضارة المعاصرة، وفي المآسي التي تعانيها الانسانية باعتبارها حركة معادية للانسانية والحرية والتقدم بتوجهها للاغتصاب والاستغلال؟ حيث انحصرت نتيجتها في تفوق أوروبا وسيطرتها على بقية الشعوب ونجاحها في سرقة مقدراتها المادية وتشويه مقوماتها المعنوية القومية والدينية. غير أن فشل نظام رأسمالية الحكومة في إيجاد علم اقتصاد بديل عن الاقتصاد الرأسمالي الاستغلالي المعتمد على الربح، ليس حجة علمية يمكن الركون اليها لتبرير استمرار نظام الاستغلال. كما أن السعي الحثيث لتدمير نظام الاستغلال ليس مبررا للوقوع في براثن هيمنة الحكومة لتحل محل أرباب العمل الرأسماليين، فيستمر بهيمنتها نظام الاستغلال المتمثل في الأجرة والايجار والاتجار. وحتى يمكن الخروج من الاستغلال والأجرة معا، بات منطقيا ضرورة إيجاد علم اقتصاد بديل ينجح في حل المشكلات الاقتصادية جذريا، لينعتق الانسان من كل القيود، فيصبح حرا ويصير بالتالى سعيدا.

إنه بنجاح النظرية العالمية الثالثة في القضاء على الاستغلال وعلى الأجرة معا يهل على البشرية عصر جديد، ويخلق فيها عالم سعيد لانسان حر سعيد، قضى على الاستغلال والأجرة ووصل إلى الفردوس المفقود الذى هو المجتمع الجماهيري.

موقف الدولة :

فى ظل (المذهب الحر) تمكن أرباب العمل من تسخير الدولة لحماية مصالحهم، واناطوا بها مهمة سن القوانين ومهمة رعايتها، وحتى وضع الخطط الخاصة بتدكيس الثروات لديهم. إن عمليات الغزو والاستعمار الجديد بشركاته متعددة الجنسيات ليس إلا تعبيرا عن الدور الذي لعبته الدولة تحت سيطرة الرأسماليين. فلا يكون ثمة مجال أمام هذا المذهب فى الانتقاد الذى وجهه له (المذهب الاشتراكي التقليدي) أو مذهب هيمنة الدولة الذى عبر عنه في( شروح الكتاب الاخضر) (مذهب رأسمالية الحكومة) فحين استغلت الدولة( المذهب الحر) كأداة حماية للاستغلال، وكشرطي يحرس مصالح الرأسماليين لا يهمها المنتجون فى شيء كثير أو قليل سواء حصلوا على عمل حقير أو طحنتهم البطالة، فان المسافة التي تفصل المذهبين تكون قد قاربت على التلاشي بسبب التشابه الكبير الذي حققه المذهبان في مختلف اطارات الفكر في الحلول العلمية، وكذلك التطبيقات في شأن تدخل الدولة في الحالتين، مرة لتحمي استغلال أرباب العمل للعمال وفي المرة الأخرى لتنظيم فرص العمل. وفى هذه الأخيرة يتم تحويل الجميع إلى أجراء لدى الدولة، والجمعيات التعاونية التي هي المرحلة الثالثة في تطور مجتمع رأسمالية الحكومة، ستتحول إلى مزارع حكومية ملكا للحكومة ويتحول الفلاحون فيها إلى أجراء لدى الدولة، وبالتالي يسجل هذا المجتمع عودة فعلية إلى زمن الاقطاع الجماعي. فحين تنشئ الحكومة مزرعة جماعية لكل ألف شخص فانها في واقع الأمر تنشئ إقطاعية منفصلة بألف شخص. وهكذا فان آلاف الاقطاعيات تنشأ بهذا الشكل وتحوى ملايين الأجراء الواقعين تحت هيمنة الاقطاعي الجديد الشديد الوطأة الذي هو الدولة.

وفي هذا الوضع نجد أن أصحاب المزارع التعاونية يبيعون إنتاجهم بالطريقة الرأسمالية للمستهلكين ليحصلوا على قدر عال من الأرباح. ويعترض المستهلكون على ذلك، فتحاول الحكومة التدخل للتوسط بين الجمعيات التعاونية والمستهلكين، الأمر الذي جعل الدولة تقع في منزلق لا يليق بها كدولة اشتراكية، حيث تجد نفسها دولة رأسمالية تقليدية، وهذا يعنى أن المشكلة لم تحل بعد. فالصراع مستمر بين الحكومة الرأسمالية هذه، وبين الجمعيات التعاونية، بسبب تدخل الحكومة لدى الجمعيات لتخفيض أسعار المواد الزراعية للمستهلكين، والجمعيات ليست راضية عن هذا. كما أن المستهلكين يضغطون على الحكومة أيضا كي تتدخل للحد من غلاء منتجات الجمعيات التعاونية. وتتوسع رقعة الصراع بين المستهلك والمنتج وأصحاب الجمعيات التعاونية كل على حدة. ثم إن الدولة تحاسب الجمعيات التعاونية وتنال منها الضرائب وتتأكد ما إذا كانت هذه الجمعيات ناجحة أم لا، وهي تحاسبها بمقاييس رأسمالية عن طريق السؤال عن الدخل والأرباح التي تم جمعها، وهو الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفة سعر السلعة دون زيادة في عدد وحداتها.

المحاسبة :

السلعة هي وحدة إشباع الحاجة، وبتسويقها يتمكن المذهبان المذكوران من الحصول على أرباح عن طريق مضاعفة سعرها، فأصبح الطباشير مثلا إذا كلف صاحب المصنع عشرة دراهم فانه يبيعه بعشرين درهما، فيعد والحالة هذه رابحا بمنطق المحاسبة الرأسمالية التى تحصي سعر التكلفة منفصلا عن الدخل الذي يجب أن يزيد في هذه الحالة قدر ما يسمونه ربحا. إن دخله فقط هو الذي زاد أما السلعة فأنها باقية بقدرها نفسه، دون أي زيادة. هذا هو المقياس الرأسمالي في حساب الأرباح، وليس هناك أدنى اهتمام بزيادة السلعة، وحين يريد صاحب مصنع الطباشير أن يبالغ في أرباحه فليس أمامه إلا أن يبيع اصبع طباشيره ذاك بثلاثين درهما ليتضاعف ربحه مرة أخرى. وتقدم التقارير في هذه الحالة باعتبار أن المصنع ناجح وأن اقتصاد الدولة رابح ومزدهر وفقا للمحاسبة الرأسمالية.. ولكن، هل هذا المقياس المحاسبي صحيح؟ حين نضاعف سعر اصبع الطباشير، من أين تاتي الفروق التي نعتبرها ربحا للمصنع؟ انها تاتي من المستهلكين الذين اشتروا الطباشير، وكذلك الفروق في جميع السلع التى نعتبرها مربحة يدفعها المستهلكون، فهم يتحملون وزر رفع الأسعار وهم الذين يتضررون من وجود أرباح على أي سلعة في المجتمع، وحين يتضرر جميع المستهلكين وتصبح حياتهم صعبة لا تطاق بفعل غلاء السلع وارتفاع أسعارها، فهل نعتبر اقتصاد هذه الدولة مزدهرا. في الواقع، إن اقتصاد هذه الدولة يعاني أزمة فعلية، حيث إنه بازدياد الأسعار تتكدس أموال المستهلكين فى جيوب الرأسماليين افرادا كانوا أم حكومات، وبالتالى تقل مقدرتهم في الحصول على حاجاتهم. فلو أراد مستهلك الحصول على اصبع الطباشير كان عليه في السابق أن يدفع مقابله عشرة دراهم لكنه لن يحصل عليه فى ظل ارتفاع الأسعار- بقصد جمع أكبر قدر من الأرباح- الا إذا دفع ثلاثين درهما فماذا يعني ذلك؟ إنه التضخم. فعندما تقل القوة الشرائية للعملة، يحتاج المستهلكون إلى مقادير مضاعفة من وحدات العملة للحصول على حاجاتهم، فتضطر المصارف المركزية إلى طبع نقود كثيرة لاستعمالها في أيدى المستهلكين ، وهكذا يكون المتداول من العملة كثيرا، ويكون مردوده من السلع قليلا. فإذا كان راتب شخص ما مائة دينار في وضعه العادي، فهو مضطر لأن يصبح راتبه ثلاثمائة دينار ليفي بحاجته في ظل التضخم.

وبالتالي، فان الزيادة في الرواتب هي علاج تلفيقي لمشكل مستعص اخر هو فقدان العملة لقيمتها من ناحية، وزيادة أرباح الرأسمالية من ناحية أخرى، بما يصبح معه المستهلكون مجرد حمالين لحزم الأوراق النقدية التى يقبضونها كمرتبات، ويحملونها إلى خزائن الرأسماليين في أسواق السلع الاستهلاكية. ولو أن المستهلكين كانوا يدركون السر في زيادة رواتبهم لما قبلوا بهذه الزيادة، ولسعوا إلى حل جذري غير هذا الحل التلفيقي.

إن الاقتصاد المزدهر هو أن ينجح المصنع في زيادة عدد وحدات السلعة، فبدلا من اصبع طباشير واحد، ينتج ثلاث أصابع، فيتوفر للمستهلكين حاجتهم من السلعة، ويزداد دخل المصنع بمقدار الزيادة في الانتاج.

إن علم الاقتصاد الجديد يجب أن يقام على هذا الأساس، ليلغي بعد ذلك علم الاقتصاد الرأسمالي المتخلف المعتمد على زيادة الربح الذي يطبقه المجتمع الصناعي، ويفرضه على العالم في شكل معاملات يومية ومناهج دراسية، دون أن يمنح الشعوب وجماهير الكادحين فرصة تمحيصه وايجاد بديل منه.

اقتصاد جديد :

إن الضرر الذي يلحقه علم الاقتصاد التقليدي والنظام الاقتصادي المطبق في العالم الصناعي بالحضارة يتضح أثره الكبير في تفتت الجماعات البشرية، وانهيارها، وتدمير كياناتها القومية والدينية. وإذا كانت إرادتنا تتمحور حول إيجاد مجتمع حر وسعيد، فان تخلصنا من الاستغلال ومن الأجرة، هو أول الطريق لبناء علم اقتصاد جديد.

ففي ليبيا، لكي يقوم المثل الجماهيري للمجتمع الحر السعيد كانت هناك ضرورة ملحة- لا يمكن الاستهانة بها- هي كيف نحول دون سرقة أموال المستهلكين من قبل المستغلين الذين يسعون علنا الى السرقة وتكديس (الأرباح) إن الفا وأربعمائة مليون دينار كل سنة على سبيل المثال، كان السماسرة و السراق يعتبرونها أرباحا، وهي فى الواقع مرتبات الذين يؤدون خدمة عامة فى المجتمع، وكان عليهم أن يدفعوها مقابل حصولهم على حاجتهم المعاشية الأساس. تلك الحاجات التي احتكرها بعض النصابين من التجار والسماسرة وحالوا بينهم وبينها، فارضين إتاوة مالية عليها بحجة البحث عن الربح.. الأمر الذي يعد حصول المحتاجين على حاجاتهم في ظله مستحيلا دون حدوث عملية الاستغلال والسرقة لهم. وليس من سبيل للحيلولة دون وقوع عمليات الاستغلال والسرقة تلك الا بالغاء علم الاقتصاد التقليدي ونظام المحاسبة التابع له.

ومعنى ذلك هو إلغاء كافة النشاطات الاقتصادية الخاصة غير الانتاجية باعتبارها مصدر ذلك الاستغلال. فالسمسرة الحرة والمقاولات والتجارة الخاصة وما يماثلها من نشاطات اقتصادية غير إنتاجية تعد مرفوضة بشكل قاطع لضررها البالغ بالمستهلكين وأثرها السلبي على السلعة، وبالتالي تأثيرها فى انهيار الإنتاج وحدوث التضخم.

إن التجارة الخاصة هي نشاط استهلاكي غير إنتاجي. والتاجر ينصب اهتمامه على جلب البضائع ليعرضها باسعار مضاعفة، ولا يوجد أي مبرر لذلك. فالشعب أقدر على توفير البضائع ليستخدمها بسعر التكلفة دون أية زيادة في أسعارها.

واذ يبيح النظام الرأسمالي التجارة الحرة التي لا يمكن تقييدها بسبب سعي أصحابها إلى زيادة أرباحهم.. يكون قد أباح نشاطا استغلاليا. وخلق ضغوطا قاهرة على إنسان آخر ماديا ومعنويا هو المستهلك الذي تم إفقاره، والغاء حريته.

إن ذلك لا يتلاءم قطعا مع المنطق الديمقراطي، بل هو لا يتلاءم حتى مع الديمقراطية التقليدية الزائفة، لأنه يمنح الحرية لفرد واحد ليقهر الأغلبية ويسلبها حريتها. لكنهم يقولون بأنه حر وليس باجير.. وهذا يكفي لاستمراره كمستغل.

والحلاقة التى هي مهنة تافهة جدا، يعيش مزاولها على ما يتقاضاه مقابل حلاقته لشعر الآخرين. هو حر في الواقع لأنه ليس أجيرا، ويستطيع أن يعمل أو يرفض العمل، غير أنه فرد غير منتج.. فحالقو الشعر يشكلون. مهنة استهلاكية غير منتجة تعيش بشكل طفيلي على حساب الآخرين. ان فئة من الكسالى والتنابلة تضاف إلى رصيد التخلف بالقبول بمثل هذه المهنة. وليس أمام المجتمع الاشتراكي ليتمكن من تحقيق التقدم إلا القضاء على جميع الفئات الاستهلاكية غير المنتجة. لأن بقاءها سيدفع باعداد كبيرة من الناس إلى مزاولتها لبساطتها وسرعة مردودها وكثرة أرباحها، فينحط المجتمع وينهار اقتصاده بتكالب كثير من الناس على مزاولة نشاطات اقتصادية سلبية كهذه تضر بمصلحة المجتمع.

استغلال .. أو أجرة :

إن رفض النشاطات الخاص غير الإنتاجية والغاءها، لا يعنى على الاطلاق أن يتحرر المنتجون إذا ما استبدل نظام الاستغلال المعروف (بالمذهب الحر) بنظام الأجرة وملكية الحكومة المعروف (بمذهب ملكية الدولة). فحيث تصبح المصانع والمزارع الجماعية وجميع الحرف والمهن ملكا للدولة وباشرافها.. ويكون جميع المنتجين في هذه المواقع الإنتاجية مجرد أجراء لديها تتسلم منهم الإنتاج وتسلمهم مقابله أجرة، فان المجتمع في هذه الحالة يكون قد وقع في المحظور الذي هو (الأجرة) بعد أن حاول التخلص من الاستغلال. والأجراء ليسوا سعداء، لانهم ليسوا أحرارا. فهم غير مطمئنين على مستقبلهم المربوط بأجرة يتحكم فيها غيرهم. ويكون من يتحكم فى أجرتهم سيدا لهم، ويكنون عبيدا له. ولا شك أن كفاح الأجراء سيستمر دون توقف حتى تتحقق حريتهم، أو يستشهدوا من أجلها. فلابد أن يتحرر الانسان فوق الأرض لكي يكون سعيدا، والا فليس هناك داع لأن يعيش. وتظل المسافة التي تفصل الأجراء عن الحرية أو الاستشهاد هي كلها زمن العبودية. وهو زمن مرفوض تنظم الجماهير صفوفها من اجل تدميره بالثورة الشعبية. فاما أن تنتصر الحرية وإما أن ينتصر الاستشهاد.. فليست الثورة بمفاهيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية سوى الخلاص، من وضع العبودية. وحين يثور المطحونون بالعبودية، فانهم يحققون خلاصهم النهائي بالنصر أو الاستشهاد. ان الانتقال من رأسمالية الطبقة الى رأسمالية الحكومة. هو انتقال من عبودية الاستغلال إلى عبودية الأجرة. انهما وجهان لعملة واحدة تنقلب عن أحد وجهيها إلى الوجه الآخر دون أن تتبدل حقيقتها ودون أن يتغير جوهرها. ويعاني المستغلون والأجراء في ظل الوضعين معا ظروفا قاسية ومأسوية، ليس إلى تحقيق سعادتهم في ظلها من سبيل لانهم يفقدون حريتهم، وتسلط أدوات قهرية ودكتاتورية عليهم، صاروا عبيدا حقيقيي ، رهنوا حياتهم مقابل أجرة لأرباب عملهم أفرادا كانوا أو مؤسسات، الأمر الذي يجعل انعتاقهم مستحيلا دون الخروج على الوضعين معا وتجاوزهما عمليا وتطبيقيا. والعلاقة الجدلية القائمة بين المذهبين وتناقضهما مع مصلحة المنتجين أدت جدليا- أيضا- إلى إيجاد حل لهذه المعضلة يتمثل في النظرية العالمية الثالثة التي خلصت المنتجين من النطاق المضروب حولهم بتأرجحهم بين الاستغلال والأجرة فاجتازوا هذه العقبة نهائيا، بالغاء الاستغلال وإلغاء الأجرة كليهما بحتمية تحقيقهم لمجتمع الشركاء .

شركاء لا أجراء:

إن تدمير الاستغلال كان محفوفا دوما بالخوف من الوقوع في المحظور الخطير الاخر وهو الأجرة. فحين قامت ثورة المنتجين في ليبيا. سيطر المنتجون على المنشآت الإنتاجية من الناحية الادارية عن طريق مؤتمراتهم الشعبية الإنتاجية ولجانهم الشعبية الادارية التي كانت قبل ذلك تحت سيطرة ملاكها من الرأسماليين أو تحت سيطرة الدولة.غير أن المنتجين الذين سيطروا على هذه المنشآت، استمروا يتقاضون أجرة على إنتاجهم، كما كانوا يفعلون من قبل دون أن يطرأ أي تغيير على وضعهم كاجراء. وقد تحجج المنتجون الذين لا يملكون وعيا علميا، بأن أجرهم أكبر من المقدار الذي سيعود عليهم من إنتاجهم فيما لو طبقوا نظام المشاركة في الإنتاج. في حين تعلل البيروقراطيون، ليحولوا دون تطبيق نظام المشاركة هذا بأن عائد الإنتاج في ظل المشاركة سيكون صفرا، بسبب انعدام الربح بشكل نهائي. وبهذا يكون الاقتصاد فاشلا وخاسرا بمنظور علم الاقتصاد الرأسمالي الرجعي. غير أن علم الاقتصاد الاشتراكي، الذي يعتمد إشباع الحاجات كغاية لجميع أنواع النشاط الاقتصادي. يعتبر حرية العمال هي الأساس الذي تقاس به مصلحتهم، ولا يعير اهتماما لمقدار الكسب المادي الذي يحققونه في ظله، كنظام ظالم وقاهر يطحن العمال بقيوده الثقيلة، ويظل. تحريرهم من قبضته هدفا مقدسا دونه الموت. على أن جهد المنتجين هو الذي يحدد وحده مقدار الاشباع الممكن لحاجاتهم. بمعنى أنه حين يكون على المنتجين إشباع حاجاتهم بشكل كامل ومثالي، فانهم يزيدون إنتاجهم ويضاعفونه ليتمكنوا من ذلك بحيث لا يمكن إشباع الحاجات في ظل التقاعس أو في ظل عدم الإنتاج.كما أن علم الاقتصاد الاشتراكي يعتبر وجود الربح في حد ذاته عملا شائنا وسرقة واضحة، ويرى النتيجة الصفر التي ينتقدها البيروقراطيون بناء على رؤيتهم الاقتصادية الرجعية المستخلصة من النظريات الاقتصادية التقليدية هي النتيجة الصحيحة الوحيدة لتطبيق اقتصاد اشتراكيى علمي يعود فيه الإنتاج لأيدى أصحابه، ليشبعوا عن طريقه حاجاتهم الماسة دون حاجة إلى أي نوع من الزيادة الخاطئة فوق سعر التكلفة، لتعتبر بعد ذلك ربحا. وعلى هذا الأساس فان (النتيجة الصفرية) هذه التي تنتهي اليها العملية المحاسبية في ظل النظام الاقتصادي الاشتراكى العلمي الجديد، لا تسمح إطلاقا بوجود تراكم أو تركز في رؤوس الأموال، كما أنها تستهجن وترفض السعي الحثيث الذي تواصله الشركات الاحتكارية والمتجاوزة للجنسيات، والذي تمارسه الدول الرأسمالية لزيادة أرباحها برفع أسعار المواد المصنعة، وباحتكار المواد الخام واحتكار التقنية، وباحتلال مصادر الطاقة، وبالهيمنة على الشعوب الصغيرة والفقيرة والمتخلفة، وبنشر القواعد العسكرية لغرض الهيمنة السياسية والاقتصادية ووضع الأمم في دوامة الصراع البربري الذي لا يهدأ، والوصول بالعالم إلى الانهيار الكامل، وتدمير الحضارة الإنسانية وإفناء الحياة على الأرض. كل ذلك من أجل السيطرة على السلعة وعلى أسواقها ليتمكن الامبرياليون من زيادة الأسعار. وحرمان أصحاب الثروات الأصليين. من إشباع حاجاتهم المادية، وفرض التخلف، جهلا وفقرا ومرضا على جميع الشعوب. ان الاقتصاد الرجعي الذي يبيح الربح هو الذي أوصل العالم المعاصر إلى مرحلة الامبريالية ومرحلة الاحتكار الشامل، التي ينهار بسببها العالم المعاصر كله، ويخضع من جرائها إلى مخاض عسير. قد يؤدي به إلى الهلاك الشامل إذا لم يتداركه المنتجون في العالم بتفجير ثورتهم، وفرض نظام المشاركة في جميع المؤسسات الإنتاجية، وأن يجعلوا من (إشباع الحاجات) غاية وحيدة لجميع أنواع النشاط الاقتصادي، لينتهي إلى الأبد كل نشاط اقتصادي يهدف إلى الاستغلال.

إن ثورة المنتجين ليست مجرد شعار ، إن هدفها هو تخليص المنتجين من الاستغلال ومن الأجرة . وهذا ما سيفجر الثورة الشعبية في العالم كله ليتخلص الناس من الاستغلال والأجرة، فيصبحوا أحرارا وسعداء.. بعد أن يكونوا شركاء في الإنتاج. إن الثورة الشعبية هي ثورة الجماهير الكادحة، من أجل حريتها وتمتعها بإنتاجها. وستدافع هذه الجماهير عن ثورتها دون أن تكون في حاجة إلى أجهزة تقليدية للدفاع عنها.. كالشرطة والمباحث والجيش وغيرها. فالجماهير بدفاعها عن ثورتها، انما تدافع عن نفسها، فليس ثمة نظام قاهر، ولا طبقة مستغلة ولا فرد يتعالى على الجماهير.. بل إن الجماهير قد أصبحت حرة، ملزمة بالدفاع عن الحرية والحفاظ عليها بشرط أن تكون حرية حقيقية تعيها جماهير الشغيلة وعيا عقائديا. ويظل تأجيج وعي الشغيلة إلى القدر الذي يكونون فيه قادرين على إدراك الأوضاع النقيضة للحرية من نماذج استغلال مختلفة ونماذج أجرة، وليكون في إمكانهم الدفاع عن ثورتهم وتجذيرها علميا وتطبيقيا، هو أساس انتصار الشغيلة في ثورتها ، وأساس تحررها أيضا.

الفلاحون :

في علم الاقتصاد الاشتراكي الجديد، يمكن للفلاح في المزرعة أن يملك إنتاج مزرعته، وأن يتصرف فيه بالطريقة التي تتناسب مع مصلحته، شرط ألا يكون قد استأجر غيره للعمل في المزرعة. وبشرط ألا يغفل حقوق الآخرين الذين لهم علاقة اقتصادية به من المحتاجين لانتاجه في إشباع حاجاتهم. وتظل ملكية الفلاح لمزرعته ملكية انتفاع قادر على التصرف بها بالشكل المناسب له، دون أن يملك أحد الأرض ملكية رقبة.

إن الأرض ملك أفراد المجتمع، ويملكها المنتفع للانتفاع بها، فإذا تخلى عن ذلك سقطت حقوقه فيها.

ويصبح باستطاعة آخر أن يحوزها للانتفاع بها. فالفلاح الذي يحوز مزرعة دون أن يستأجره أحد أو يستأجر هو أحدا آخر، يظل حرا في الانتفاع بها، حتى يتخلى عنها بسبب تغيير نوع نشاطه مثلا، أو بسبب عدم قدرته، أو بسبب عدم حاجته، فيسقط تلقائيا حقه فيها، وتؤول لغيره لينتفع بها.

إن الفلاحة مهنة حرة، فإذا ما تناقضت مع مصلحة المجتمع الاشتراكي فان من حق هذا المجتمع أن يعالجها بالشكل الذي يراه مناسبا له. لقد وجدنا أن التجارة حرة وكذلك الحلاقة، غير أنها مهن استغلالية وغير إنتاجية، كذلك فان السمسرة والمقاولات مهن حرة هي الاخرى، غير أن المجتمع الاشتراكي يرفضها باعتبارها مهنا استغلالية وغير إنتاجية، وعلى هذه القاعدة فإن أية مهنة سواء الفلاحة أو غيرها، يتضح أنها استغلالية وغير إنتاجية، فان المجتمع الاشتراكي ينتزعها من أيدي أصحابها، ويحولها إلى نشاط اشتراكي إنتاجي للمجتمع دون أن يحول أصحاب هذه المهنة إلى اجراء لدى الدولة، لان ذلك يعي أننا وقعنا في مشكلة جديدة، هي الأجرة، وبرغم أن الفلاح منتج ويختلف عن التاجر وعن المقاول و السمسار والحلاق، الذين لا ينتجون شيئا إلا أنه حين يزرع كيسا من الشعير وينتج عشرة أكياس فهو يستهلك خمسة منها، ويبيع بعد ذلك الخمسة الأكياس الأخرى. وعملية البيع هذه تعيد التجارة إلينا كرة أخرى ونقع في الاستغلال مجددا بسعي الفلاح الى استغلال المستهلكين بزيادة أسعار السلع الزراعية من أجل الحصول على أكبر قدر من الربح، وفي هذه الحالة لم يخرج الوضع عن المحظور الأول الذي هو الاستغلال.

بين المجانية والمقابل :

إن المجانية قضية هامة وخطيرة كما أنها ليست مفهومة في ذات الوقت، بسبب توجه النظم الإصلاحية ذات الحلول التلفيقية إلى نهج المجانية هذه، في كثير من مجالات الخدمات، كالتعليم و العلاج و المواصلات والكهرباء والمياه وغيرها.

وهي قد انتهجت هذه السياسة الاصلاحية التلفيقية بسبب عدم تمكنها من إيجاد حل جذري للمشكلات الاجتماعية، ويوضح اتجاهها هذا مدى التخبط والارتباك والتذبذب وضبابية الرؤية التي تعانيها هذه الأنظمة القاصرة فكريا وعمليا، فتعالج قصورها وانحطاطها بدغدغة نوازع الاستهلاك لدى الأفراد في محاولة للحفاظ على البقاء في السلطة . إذ ليس هناك ما يبرر المجانية إطلاقا، ما دام كل فرد يأخذ عائد عمله دون أن يبقى منه شيئا في الخزينة العامة للمجتمع. ولو كانت الضروريات هي التي يجب أن تكون مجانية، فان الأكل واللباس مثلا أكثر ضرورة من كل تلك الأشياء التي يطالب بعض الناس بمجانيتها. وبرغم ذلك فاننا لا نجد من يتجرأ ليطالب بمجانية الأكل واللباس.. وغير ذلك من الضروريات الأولية.

غير أن سياسة المجانية هذه، ليست سوى عملية ترميم رأسمالية يقوم بها نظام إصلاحي تلفيقي بقصد الاستغلال، ولسبب العجز في مواجهة المشكلات الحيوية للمجتمع، وعدم ايجاد حلول جذرية صحيحة لها، وعدم القدرة على إقناع الناس بالسياسة المتخلفة التي تنتهجها هذه الأنظمة على مختلف الأصعدة.

وعند هذه النقطة جاءت المجانية كممارسة الخداع والغش، لتمرير السياسات الفاسدة، وإلا فهل يستطيع أحد أن يجيبنا، لماذا المجانية؟

لماذا المجانية والجميع يعملون ويتقاضون رواتبهم؟ من أجل ماذا يتقاضون هذه الرواتب؟ أليس من أجل إشباع حاجاتهم!

عندما يعمل هؤلاء الناس ويأخذون مقابل عملهم، ماذا يبقى في يد المجتمع أو في يد أي أحد آخر ليقدم الخدمات لجميع الأفراد مجانا؟!

من هو الذي سيتصدق على جميع الناس، ومن أين له، وقد نال الناس أموالهم، دون أن يتركوا منها شيئا؟!

من هو الذي سيقدم الخدمات مجانا وقد نال كل فرد إنتاجه دون أن يبقى منه شيئا. إنه حين يطلب أحد الناس خدمة مجانية فانها ليست كذلك بالنسبة للمجتمع بل هي بثمنها. وحيث لم يبق في يد المجتمع أي قدر من المال فكيف يمكنه أن يقدم خدمة دون مقابل؟! إن المجانية تتحقق في حالة واحدة، وهي عندما يعمل الجميع ويتنازلون عن إنتاجهم لصالح المجتمع، عندئذ تكون خزانة المجتمع قادرة على تقديم جميع الخدمات دون مقابل.

إن المجتمع الاشتراكي لا يمكنه أن يؤاخي بين المجانية والمقابل، فإما أن يتنازل المنتجون عن المقابل الذي يتقاضونه وإما أن يتحملوا ثمن الخدمات التي يتلقونها من هذا المقابل الذي يأخذونه على شكل راتب.

فالمجتمع الاشتراكي الجديد مبني على قواعد علمية وقوانين ثابتة لا يمكن تجاوزها، وإلا انهار البناء كاملا بل اننا لن نكون قادرين على فهم بنية هذا المجتمع، وتحليل فكرته ما لم نلم بهذه القوانين، الماما تاما، فكأى مسألة جبرية أو هندسية يلزم لها استخدام قانون محدد للتمكن من معرفة نتيجتها، كذلك يلزم الالمام بقانون المجتمع الجماهيرى، وقواعده العلمية التي نتج عنها. وتلك التي ترتبت على وجوده، من أجل مواجهة المعضلات العلمية التي تحتاج إلى تقديم حل لها، وتقتضي معالجة خاصة في ضوء ذلك بحيث يستقيم وضعها مع البنية الهيكلية للمجتمع الجماهيرى.

ان المؤتمرات الشعبية الاساسية واللجان الشعبية التنفيذية، واللجان الثورية ذات المهمة التحريضية والترشيدية ليست منفصلة عن تدمير المجتمع التقليدي السابق على الدولة الجماهيرية، كما انها لا يمكن ان تنبثق عن نظام ليس جماهيريا، ومثلها في ذلك مسألة المجانية والمقابل لا يمكنهما ان يلتقيا معا في ظل الاشتراكية، ولعل بعض الذين لم يستوعبوا قوانين المجتمع الجماهيري سيفاجئون اذا الغي المجتمع الجماهيري مجانية التعليم مثلا، وسيعتبرون ذلك- في وسط استغفال شديد- نكسة حقيقية وردة كبيرة في اطار التعليم ورعاية الدولة له، ربما لانهم سيرون في ذلك توجها رأسماليا مناقضا للاشتراكية بمفهومها التقليدي الاصلاحي فيتخذ مثل هؤلاء مواقف عاطفية خاطئة مناقضة للعلم الاشتراكي وفقا للمجتمع الجماهيري ومناقضة لنظام الشركاء الاحرار المسؤولين بانفسهم عن اشباع حاجتهم.

ان استيعاب القوانين التي قام عليها المجتمع الجماهيري سيجعل أي ثوري يتساءل بالحاح من اين جاءت المجانية؟ فحين يكون المجتمع اشتراكيا جماهيريا فلا وجود للمجانية، لان المجانية من طبيعة النظام الرأسمالي، وهي برنامج مخدر من برامج الانظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.

ان الدليل على التلفيق الواضح فيها انها تقدم بالمجان اشياء تافهة واخرى هامة نسبيا، غير انها لا تقدم مجانا ما هو اهم من كل الاشياء اذ ان الضروريات الاساس للانسان ليست مجانية.

فالطعام والسكن واللباس والمركوب، تلك التى لا يستطيع الانسان ان يعيش بدونها، يطلب من محتاجيها تسديد أثمانها مضاعفة في بعض الأحيان خاصة حين يتحكم فيها الاستغلاليون من السماسرة والتجار والمقاولين.

وحين تكون المجانية مفيدة ونافعة، يجب أن تكون شاملة أو تحوى على الاقل الضروريات الملحة للانسان وعندها يجب التنازل عن المقابل، ليتمكن المجتمع من تعميم المجانية.

وبهذا نصل إلى الأطروحة التي أكدناها مرارا وهي ضرورة التخلص من الأجرة، ولابد إذن- ترتيبا على ذلك- من التخلص من المرتب لكي نصبح أحرارا، فحين ننتج مجانا، لا نكون بحاجة إلى رواتب ما دامت حاجاتنا متوفرة مجانا.

أما إذا كنا نتقاضى رواتبنا، فليس امامنا إلا أن نسدد ثمن الدواء والتعليم وتذكرة الحافلة وقائمة الهاتف ومستحقات الكهرباء والمياه وكل مستلزماتنا.

إذ أن المال لا يأتي من مصدر سحري، وليست ميزانية المجتمع إلا إنتاج افراده فقط، إن النجاح في هذا الأمر يعنى أن انسانا جديدا قد بنى نفسه وفق أسس المجتمع الجماهيري الجديد.

عالم جديد :

ان عصر الرقيق لا يمكن أن يكون قد انتهى ما دمنا نرى حتى يومنا هذا عشرات الملايين من الأجراء الذين يسحقهم ارباب العمل، النائبين عن الاقطاع، إن العبيد الذين يعانون ظلم أسيادهم ، ويخضعون في ضروريات حياتهم لغيرهم، ليسوا إلا طبقة واحدة مستمرة البقاء لم يتغير فيها إلا اسمها ليصبح في عصرنا (العمال الأجراء)، حتى إذا قضي ذات يوم على الأجرة وتحرر العمال من جورها. أمكن يومئذ القول بأن هذه الطبقة قد انتهت.

بعد كل ما قدمناه، يحق لنا أن نتساءل بجدية إلى أين تقودنا الأطروحات العلمية في الكتاب الأخضر؟

اذا بني هيكل المجتمع الانساني وفق النظرية الجماهيرية وتكيفت النشاطات الاقتصادية بمقتضى ذلك، بحيث أصبحت كل النشاطات الاقتصادية من أجل إشباع الحاجات، وقام افراد المجتمع الجماهيري بنشاطات اقتصادية أشبعت حاجاتهم.. فأى لون تكون علاقات الأفراد ببعضهم في ظل هذا المجتمع؟

كيف تشكل المثل والقيم الاجتماعية وكيف تتم مراعاتها؟! كيف يكون .نظام الأسرة ونظام التعليم وقضية الدين؟

إن ذلك كله سيكون جديدا بلا شك وتكون صعوبته في انه جديد، ويختلف جذريا وكليا عما يسود الان حياة البشر المعاصرين.

ان المجتمع الجديد.. سيكون صورة جديدة لا عهد للانسان بها، ولقد حدثنا التاريخ عن الماضى وعن المجتمع البدائي بالتحديد، حيث كانت الأسرة تحرث الأرض وتزرعها، وتربي فيها الحيوانات لتستخدم أصوافها وشعرها وجلودها، وتحقق من خلال ذلك اكتفاءها الذاتي. إن كل أسرة آنئذ كانت تنتج طعامها وملابسها وبيوتها ذاتيا، بل تجد في يدها ما تتفضل به من الفائض على الضعفاء وعابري السبيل وغير ذلك مما تجب مراعاته وفق مفاهيم ذلك المجتمع البدائي.

وإذا تجاوز البشر ذلك المجتمع البدائي، وتكون مجتمعنا المعاصر على أنقاضه، فان حياتنا ستكون لها صورة مختلفة فيما لو نجح مجتمع عصري في القيام بنشاطات اقتصادية يتماثل غرضها مع المجتمع البدائي فى أغراضه الاقتصادية. فكيف يكون شكل مجتمع عصري تكتفي فيه الأسرة ذاتيا؟

هل يحتاج بلدية ودولة؟ وأن تكون لهذه الدولة حدود مفتوحة أو مغلقة؟

وكيف يكون شكل هذا المجتمع إذا كانت بقية العالم مازالت في وضعها التقليدى من حكومات وجيوش وصراع على مصادر الطاقة؟ بل لنقل أي مصير للعالم، إذا لم يتجه نحو تحقيق النظام الجماهيرى، أي مصير ينتظر الانسان؟!

إن مفكري الإنسانية ملزمون بإيجاد اجابات لكل معضلة من هذه المعضلات ، وتحويل إسهاماتهم إلى منهج علمي يتلقاه مثقفونا بدل تلك الترهات التى أودت بحياة الانسان إلى الجحيم.. ان هذا هو الأمل الوحيد.

علم اقتصاد جديد

بين الاستغلال . . والأجرة :

إن كل الأنماط الاقتصادية التي يجري تنفيذها وتطبيقها في العالم هي أنماط رأسمالية، بداية من البيع والشراء وحتى الإنتاج والاستهلاك ، فالشركات والمؤسسات الاقتصادية والمرافق تتعامل كلها بطريقة رأسمالية، على أساس من الربح والنقود، وهي نفسها التي تشكل المناهج الاقتصادية في الكليات والمعاهد. وبالتالي فان الاقتصاديين والمحاسبين يطبقون الطرق التي تعلموها في دراستهم الرأسمالية، مما يجعلنا بحاجة إلى إيجاد علم اقتصاد جديد كليا يمكن عن طريقه حل المعضلات الجديدة التي تواجه المجتمع الجماهيرى . كما يمكن عن طريقه تجاوز الدراسات الاقتصادية التقليدية وفتح افاق جديدة هي آفاق عصر الجماهير وعالم الشركاء الأحرار. ليقام النظام الجماهيرى وتبنى الاشتراكية القائمة على رد الانتاج لأصحابه وإلغاء الأجرة والايجار والاتجار.

إن علم اقتصاد جديدا هو أمر ضروري ليتمكن العالم معه من مواجهة المعضلات الاقتصادية الخطيرة التى يعانيها ، وليتمكن من إيجاد حلول لها. وأولى هذه المعضلات الاقتصادية الخطيرة هي معضلة الاستغلال، وثانيتها هي معضلة الأجرة. وخطورة هاتين المعضلتين تكمن في أنه حين يم القضاء على إحداهما يتم الوقوع فى براثن الاخرى. ففي مجتمع رأسمالية الطبقة، حيث اطلقت يد رب العمل كليا لاستغلال المنتجين، صار الاستغلال فى ظل ذلك مطلقا ، ذلك أن(المذهب الحر)- بحسب التعبير التقليدي- يوفر حرية للباحثين عن عمل، ليختاروا العمل الذي يريدون، في الوقت الذى لا تكون فيه الدولة ملزمة بإيجاد عمل لمن يتعطلون عنه، ويوفر في ذات الوقت حرية لأرباب العمل ليستخدموا من يشاءون. إن للعاملين مطلق الحرية فى قبول العمل الذى يعنى استغلالهم أو رفضه فيصبحون عاطلين عن العمل. ولأرباب العمل أيضا مطلق الحرية فى أن يعرضوا فرص عمل أو أن لا يعرضوها، وأن يقبلوا لها من يريدون. فهم يتعاملون مع العمال(كبضاعة في سوق العمل) لا أكثر ولا أقل. إن عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في سنة 1982م منهم 12 مليونا فى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها هم حصيلة هذا الصراع المميت بين سلعة في السوق يعرض منها أضعاف ما يرغب أرباب العمل في استخدامه في ظل انعدام أي دور لأية جهة- كالدولة مثلا- في إيجاد عمل لمن لا يتوفر لهم في السوق، وبين مستغل يختار السلعة التي تناسبه، وبالطريقة التي يراها مربحة له دون أن تلزمه جهة ما- كالدولة مثلا- بفرض قيود على اختياره، أو حتى بالتدخل لتعديل مفاهيمه عن العمل والعمال. إننا في غنى عن القول بأن حصيلة البطالة هي مزيد من الاستغلال ومن البطالة أيضا، وهكذا فان الاستغلال في( ظل المذهب الحر) يتصاعد دون حد. أما في مجتمع رأسمالية الحكومة، فان رغبة القضاء على الاستغلال وإنقاذ العمال من كارثة البطالة، أدت إلى رفض( المذهب الحر) واعتماد نموذج بديل عنه، يتحدد في قيام الدولة بعبء تشغيل جميع القادرين على العمل، مع التدخل في طبيعة العمل ونظام الأجرة وبشكل كامل. وقد استطاعت بعض المجتمعات التي انتهجت هذا النظام الاقتصادي الرأسمالي القضاء على البطالة، وربط جميع الناس بأعمال محددة. وعند هذه النقطة بدأت المناظرة بين المجتمعين المذكورين، حيث يعيب النظام الأول على النظام الثاني تقييده الشغيلة بالأجرة فلا يكون الأجراء أحرارا في اختيار عملهم، ولا في اختيار مجال نشاطهم، ولا في مقدار الأجرة التي يحصلون عليها، حيث تشغل الدولة جميع الناس كأجراء لديها، ويحظر النشاط الحر كليا. فلا يوجد تاجر حر، ولا مقاول حر، ولا عامل حر ليختار عمله أو مهنته. كذلك يعاب على النظام الأول اعتماده الربح كغاية للنشاط الاقتصادي، فهو يدعي بعدم إمكان إيجاد نظام اقتصادي بديل ينسجم مع الحضارة المعاصرة دون أن يعتمد الربح كاساس للعملية الانتاجية برمتها. ويستدل على ذلك بعدم قدرة النظام الثاني على إيجاد هذا البديل ونعامله وفق أطروحة الربح ذاتها، مما يرتب في نهاية المطاف الاقتناع منطقيا بتركز رأس المال في يد طبقة واحدة تسعى لمضاعفة أرباحها بزيادة سعر السلعة أو حجم المادة المستهلكة عن طريق إيجاد أسواق جديدة لتصريف إنتاجها، وتوفير المواد الخام بكل الطرق بما في ذلك عمليات الغزو المسلح بما يبرر حركة الاستعمار تلك التي انطلقت بكل قوتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من أوروبا فى اتجاه العالم الثالث. واعتبرها الناس بعد ذلك سببا أساسيا في انحراف الحضارة المعاصرة، وفي المآسي التي تعانيها الانسانية باعتبارها حركة معادية للانسانية والحرية والتقدم بتوجهها للاغتصاب والاستغلال؟ حيث انحصرت نتيجتها في تفوق أوروبا وسيطرتها على بقية الشعوب ونجاحها في سرقة مقدراتها المادية وتشويه مقوماتها المعنوية القومية والدينية. غير أن فشل نظام رأسمالية الحكومة في إيجاد علم اقتصاد بديل عن الاقتصاد الرأسمالي الاستغلالي المعتمد على الربح، ليس حجة علمية يمكن الركون اليها لتبرير استمرار نظام الاستغلال. كما أن السعي الحثيث لتدمير نظام الاستغلال ليس مبررا للوقوع في براثن هيمنة الحكومة لتحل محل أرباب العمل الرأسماليين، فيستمر بهيمنتها نظام الاستغلال المتمثل في الأجرة والايجار والاتجار. وحتى يمكن الخروج من الاستغلال والأجرة معا، بات منطقيا ضرورة إيجاد علم اقتصاد بديل ينجح في حل المشكلات الاقتصادية جذريا، لينعتق الانسان من كل القيود، فيصبح حرا ويصير بالتالى سعيدا.

إنه بنجاح النظرية العالمية الثالثة في القضاء على الاستغلال وعلى الأجرة معا يهل على البشرية عصر جديد، ويخلق فيها عالم سعيد لانسان حر سعيد، قضى على الاستغلال والأجرة ووصل إلى الفردوس المفقود الذى هو المجتمع الجماهيري.

موقف الدولة :

فى ظل (المذهب الحر) تمكن أرباب العمل من تسخير الدولة لحماية مصالحهم، واناطوا بها مهمة سن القوانين ومهمة رعايتها، وحتى وضع الخطط الخاصة بتدكيس الثروات لديهم. إن عمليات الغزو والاستعمار الجديد بشركاته متعددة الجنسيات ليس إلا تعبيرا عن الدور الذي لعبته الدولة تحت سيطرة الرأسماليين. فلا يكون ثمة مجال أمام هذا المذهب فى الانتقاد الذى وجهه له (المذهب الاشتراكي التقليدي) أو مذهب هيمنة الدولة الذى عبر عنه في( شروح الكتاب الاخضر) (مذهب رأسمالية الحكومة) فحين استغلت الدولة( المذهب الحر) كأداة حماية للاستغلال، وكشرطي يحرس مصالح الرأسماليين لا يهمها المنتجون فى شيء كثير أو قليل سواء حصلوا على عمل حقير أو طحنتهم البطالة، فان المسافة التي تفصل المذهبين تكون قد قاربت على التلاشي بسبب التشابه الكبير الذي حققه المذهبان في مختلف اطارات الفكر في الحلول العلمية، وكذلك التطبيقات في شأن تدخل الدولة في الحالتين، مرة لتحمي استغلال أرباب العمل للعمال وفي المرة الأخرى لتنظيم فرص العمل. وفى هذه الأخيرة يتم تحويل الجميع إلى أجراء لدى الدولة، والجمعيات التعاونية التي هي المرحلة الثالثة في تطور مجتمع رأسمالية الحكومة، ستتحول إلى مزارع حكومية ملكا للحكومة ويتحول الفلاحون فيها إلى أجراء لدى الدولة، وبالتالي يسجل هذا المجتمع عودة فعلية إلى زمن الاقطاع الجماعي. فحين تنشئ الحكومة مزرعة جماعية لكل ألف شخص فانها في واقع الأمر تنشئ إقطاعية منفصلة بألف شخص. وهكذا فان آلاف الاقطاعيات تنشأ بهذا الشكل وتحوى ملايين الأجراء الواقعين تحت هيمنة الاقطاعي الجديد الشديد الوطأة الذي هو الدولة.

وفي هذا الوضع نجد أن أصحاب المزارع التعاونية يبيعون إنتاجهم بالطريقة الرأسمالية للمستهلكين ليحصلوا على قدر عال من الأرباح. ويعترض المستهلكون على ذلك، فتحاول الحكومة التدخل للتوسط بين الجمعيات التعاونية والمستهلكين، الأمر الذي جعل الدولة تقع في منزلق لا يليق بها كدولة اشتراكية، حيث تجد نفسها دولة رأسمالية تقليدية، وهذا يعنى أن المشكلة لم تحل بعد. فالصراع مستمر بين الحكومة الرأسمالية هذه، وبين الجمعيات التعاونية، بسبب تدخل الحكومة لدى الجمعيات لتخفيض أسعار المواد الزراعية للمستهلكين، والجمعيات ليست راضية عن هذا. كما أن المستهلكين يضغطون على الحكومة أيضا كي تتدخل للحد من غلاء منتجات الجمعيات التعاونية. وتتوسع رقعة الصراع بين المستهلك والمنتج وأصحاب الجمعيات التعاونية كل على حدة. ثم إن الدولة تحاسب الجمعيات التعاونية وتنال منها الضرائب وتتأكد ما إذا كانت هذه الجمعيات ناجحة أم لا، وهي تحاسبها بمقاييس رأسمالية عن طريق السؤال عن الدخل والأرباح التي تم جمعها، وهو الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفة سعر السلعة دون زيادة في عدد وحداتها.

المحاسبة :

السلعة هي وحدة إشباع الحاجة، وبتسويقها يتمكن المذهبان المذكوران من الحصول على أرباح عن طريق مضاعفة سعرها، فأصبح الطباشير مثلا إذا كلف صاحب المصنع عشرة دراهم فانه يبيعه بعشرين درهما، فيعد والحالة هذه رابحا بمنطق المحاسبة الرأسمالية التى تحصي سعر التكلفة منفصلا عن الدخل الذي يجب أن يزيد في هذه الحالة قدر ما يسمونه ربحا. إن دخله فقط هو الذي زاد أما السلعة فأنها باقية بقدرها نفسه، دون أي زيادة. هذا هو المقياس الرأسمالي في حساب الأرباح، وليس هناك أدنى اهتمام بزيادة السلعة، وحين يريد صاحب مصنع الطباشير أن يبالغ في أرباحه فليس أمامه إلا أن يبيع اصبع طباشيره ذاك بثلاثين درهما ليتضاعف ربحه مرة أخرى. وتقدم التقارير في هذه الحالة باعتبار أن المصنع ناجح وأن اقتصاد الدولة رابح ومزدهر وفقا للمحاسبة الرأسمالية.. ولكن، هل هذا المقياس المحاسبي صحيح؟ حين نضاعف سعر اصبع الطباشير، من أين تاتي الفروق التي نعتبرها ربحا للمصنع؟ انها تاتي من المستهلكين الذين اشتروا الطباشير، وكذلك الفروق في جميع السلع التى نعتبرها مربحة يدفعها المستهلكون، فهم يتحملون وزر رفع الأسعار وهم الذين يتضررون من وجود أرباح على أي سلعة في المجتمع، وحين يتضرر جميع المستهلكين وتصبح حياتهم صعبة لا تطاق بفعل غلاء السلع وارتفاع أسعارها، فهل نعتبر اقتصاد هذه الدولة مزدهرا. في الواقع، إن اقتصاد هذه الدولة يعاني أزمة فعلية، حيث إنه بازدياد الأسعار تتكدس أموال المستهلكين فى جيوب الرأسماليين افرادا كانوا أم حكومات، وبالتالى تقل مقدرتهم في الحصول على حاجاتهم. فلو أراد مستهلك الحصول على اصبع الطباشير كان عليه في السابق أن يدفع مقابله عشرة دراهم لكنه لن يحصل عليه فى ظل ارتفاع الأسعار- بقصد جمع أكبر قدر من الأرباح- الا إذا دفع ثلاثين درهما فماذا يعني ذلك؟ إنه التضخم. فعندما تقل القوة الشرائية للعملة، يحتاج المستهلكون إلى مقادير مضاعفة من وحدات العملة للحصول على حاجاتهم، فتضطر المصارف المركزية إلى طبع نقود كثيرة لاستعمالها في أيدى المستهلكين ، وهكذا يكون المتداول من العملة كثيرا، ويكون مردوده من السلع قليلا. فإذا كان راتب شخص ما مائة دينار في وضعه العادي، فهو مضطر لأن يصبح راتبه ثلاثمائة دينار ليفي بحاجته في ظل التضخم.

وبالتالي، فان الزيادة في الرواتب هي علاج تلفيقي لمشكل مستعص اخر هو فقدان العملة لقيمتها من ناحية، وزيادة أرباح الرأسمالية من ناحية أخرى، بما يصبح معه المستهلكون مجرد حمالين لحزم الأوراق النقدية التى يقبضونها كمرتبات، ويحملونها إلى خزائن الرأسماليين في أسواق السلع الاستهلاكية. ولو أن المستهلكين كانوا يدركون السر في زيادة رواتبهم لما قبلوا بهذه الزيادة، ولسعوا إلى حل جذري غير هذا الحل التلفيقي.

إن الاقتصاد المزدهر هو أن ينجح المصنع في زيادة عدد وحدات السلعة، فبدلا من اصبع طباشير واحد، ينتج ثلاث أصابع، فيتوفر للمستهلكين حاجتهم من السلعة، ويزداد دخل المصنع بمقدار الزيادة في الانتاج.

إن علم الاقتصاد الجديد يجب أن يقام على هذا الأساس، ليلغي بعد ذلك علم الاقتصاد الرأسمالي المتخلف المعتمد على زيادة الربح الذي يطبقه المجتمع الصناعي، ويفرضه على العالم في شكل معاملات يومية ومناهج دراسية، دون أن يمنح الشعوب وجماهير الكادحين فرصة تمحيصه وايجاد بديل منه.

اقتصاد جديد :

إن الضرر الذي يلحقه علم الاقتصاد التقليدي والنظام الاقتصادي المطبق في العالم الصناعي بالحضارة يتضح أثره الكبير في تفتت الجماعات البشرية، وانهيارها، وتدمير كياناتها القومية والدينية. وإذا كانت إرادتنا تتمحور حول إيجاد مجتمع حر وسعيد، فان تخلصنا من الاستغلال ومن الأجرة، هو أول الطريق لبناء علم اقتصاد جديد.

ففي ليبيا، لكي يقوم المثل الجماهيري للمجتمع الحر السعيد كانت هناك ضرورة ملحة- لا يمكن الاستهانة بها- هي كيف نحول دون سرقة أموال المستهلكين من قبل المستغلين الذين يسعون علنا الى السرقة وتكديس (الأرباح) إن الفا وأربعمائة مليون دينار كل سنة على سبيل المثال، كان السماسرة و السراق يعتبرونها أرباحا، وهي فى الواقع مرتبات الذين يؤدون خدمة عامة فى المجتمع، وكان عليهم أن يدفعوها مقابل حصولهم على حاجتهم المعاشية الأساس. تلك الحاجات التي احتكرها بعض النصابين من التجار والسماسرة وحالوا بينهم وبينها، فارضين إتاوة مالية عليها بحجة البحث عن الربح.. الأمر الذي يعد حصول المحتاجين على حاجاتهم في ظله مستحيلا دون حدوث عملية الاستغلال والسرقة لهم. وليس من سبيل للحيلولة دون وقوع عمليات الاستغلال والسرقة تلك الا بالغاء علم الاقتصاد التقليدي ونظام المحاسبة التابع له.

ومعنى ذلك هو إلغاء كافة النشاطات الاقتصادية الخاصة غير الانتاجية باعتبارها مصدر ذلك الاستغلال. فالسمسرة الحرة والمقاولات والتجارة الخاصة وما يماثلها من نشاطات اقتصادية غير إنتاجية تعد مرفوضة بشكل قاطع لضررها البالغ بالمستهلكين وأثرها السلبي على السلعة، وبالتالي تأثيرها فى انهيار الإنتاج وحدوث التضخم.

إن التجارة الخاصة هي نشاط استهلاكي غير إنتاجي. والتاجر ينصب اهتمامه على جلب البضائع ليعرضها باسعار مضاعفة، ولا يوجد أي مبرر لذلك. فالشعب أقدر على توفير البضائع ليستخدمها بسعر التكلفة دون أية زيادة في أسعارها.

واذ يبيح النظام الرأسمالي التجارة الحرة التي لا يمكن تقييدها بسبب سعي أصحابها إلى زيادة أرباحهم.. يكون قد أباح نشاطا استغلاليا. وخلق ضغوطا قاهرة على إنسان آخر ماديا ومعنويا هو المستهلك الذي تم إفقاره، والغاء حريته.

إن ذلك لا يتلاءم قطعا مع المنطق الديمقراطي، بل هو لا يتلاءم حتى مع الديمقراطية التقليدية الزائفة، لأنه يمنح الحرية لفرد واحد ليقهر الأغلبية ويسلبها حريتها. لكنهم يقولون بأنه حر وليس باجير.. وهذا يكفي لاستمراره كمستغل.

والحلاقة التى هي مهنة تافهة جدا، يعيش مزاولها على ما يتقاضاه مقابل حلاقته لشعر الآخرين. هو حر في الواقع لأنه ليس أجيرا، ويستطيع أن يعمل أو يرفض العمل، غير أنه فرد غير منتج.. فحالقو الشعر يشكلون. مهنة استهلاكية غير منتجة تعيش بشكل طفيلي على حساب الآخرين. ان فئة من الكسالى والتنابلة تضاف إلى رصيد التخلف بالقبول بمثل هذه المهنة. وليس أمام المجتمع الاشتراكي ليتمكن من تحقيق التقدم إلا القضاء على جميع الفئات الاستهلاكية غير المنتجة. لأن بقاءها سيدفع باعداد كبيرة من الناس إلى مزاولتها لبساطتها وسرعة مردودها وكثرة أرباحها، فينحط المجتمع وينهار اقتصاده بتكالب كثير من الناس على مزاولة نشاطات اقتصادية سلبية كهذه تضر بمصلحة المجتمع.

استغلال .. أو أجرة :

إن رفض النشاطات الخاص غير الإنتاجية والغاءها، لا يعنى على الاطلاق أن يتحرر المنتجون إذا ما استبدل نظام الاستغلال المعروف (بالمذهب الحر) بنظام الأجرة وملكية الحكومة المعروف (بمذهب ملكية الدولة). فحيث تصبح المصانع والمزارع الجماعية وجميع الحرف والمهن ملكا للدولة وباشرافها.. ويكون جميع المنتجين في هذه المواقع الإنتاجية مجرد أجراء لديها تتسلم منهم الإنتاج وتسلمهم مقابله أجرة، فان المجتمع في هذه الحالة يكون قد وقع في المحظور الذي هو (الأجرة) بعد أن حاول التخلص من الاستغلال. والأجراء ليسوا سعداء، لانهم ليسوا أحرارا. فهم غير مطمئنين على مستقبلهم المربوط بأجرة يتحكم فيها غيرهم. ويكون من يتحكم فى أجرتهم سيدا لهم، ويكنون عبيدا له. ولا شك أن كفاح الأجراء سيستمر دون توقف حتى تتحقق حريتهم، أو يستشهدوا من أجلها. فلابد أن يتحرر الانسان فوق الأرض لكي يكون سعيدا، والا فليس هناك داع لأن يعيش. وتظل المسافة التي تفصل الأجراء عن الحرية أو الاستشهاد هي كلها زمن العبودية. وهو زمن مرفوض تنظم الجماهير صفوفها من اجل تدميره بالثورة الشعبية. فاما أن تنتصر الحرية وإما أن ينتصر الاستشهاد.. فليست الثورة بمفاهيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية سوى الخلاص، من وضع العبودية. وحين يثور المطحونون بالعبودية، فانهم يحققون خلاصهم النهائي بالنصر أو الاستشهاد. ان الانتقال من رأسمالية الطبقة الى رأسمالية الحكومة. هو انتقال من عبودية الاستغلال إلى عبودية الأجرة. انهما وجهان لعملة واحدة تنقلب عن أحد وجهيها إلى الوجه الآخر دون أن تتبدل حقيقتها ودون أن يتغير جوهرها. ويعاني المستغلون والأجراء في ظل الوضعين معا ظروفا قاسية ومأسوية، ليس إلى تحقيق سعادتهم في ظلها من سبيل لانهم يفقدون حريتهم، وتسلط أدوات قهرية ودكتاتورية عليهم، صاروا عبيدا حقيقيي ، رهنوا حياتهم مقابل أجرة لأرباب عملهم أفرادا كانوا أو مؤسسات، الأمر الذي يجعل انعتاقهم مستحيلا دون الخروج على الوضعين معا وتجاوزهما عمليا وتطبيقيا. والعلاقة الجدلية القائمة بين المذهبين وتناقضهما مع مصلحة المنتجين أدت جدليا- أيضا- إلى إيجاد حل لهذه المعضلة يتمثل في النظرية العالمية الثالثة التي خلصت المنتجين من النطاق المضروب حولهم بتأرجحهم بين الاستغلال والأجرة فاجتازوا هذه العقبة نهائيا، بالغاء الاستغلال وإلغاء الأجرة كليهما بحتمية تحقيقهم لمجتمع الشركاء .

شركاء لا أجراء:

إن تدمير الاستغلال كان محفوفا دوما بالخوف من الوقوع في المحظور الخطير الاخر وهو الأجرة. فحين قامت ثورة المنتجين في ليبيا. سيطر المنتجون على المنشآت الإنتاجية من الناحية الادارية عن طريق مؤتمراتهم الشعبية الإنتاجية ولجانهم الشعبية الادارية التي كانت قبل ذلك تحت سيطرة ملاكها من الرأسماليين أو تحت سيطرة الدولة.غير أن المنتجين الذين سيطروا على هذه المنشآت، استمروا يتقاضون أجرة على إنتاجهم، كما كانوا يفعلون من قبل دون أن يطرأ أي تغيير على وضعهم كاجراء. وقد تحجج المنتجون الذين لا يملكون وعيا علميا، بأن أجرهم أكبر من المقدار الذي سيعود عليهم من إنتاجهم فيما لو طبقوا نظام المشاركة في الإنتاج. في حين تعلل البيروقراطيون، ليحولوا دون تطبيق نظام المشاركة هذا بأن عائد الإنتاج في ظل المشاركة سيكون صفرا، بسبب انعدام الربح بشكل نهائي. وبهذا يكون الاقتصاد فاشلا وخاسرا بمنظور علم الاقتصاد الرأسمالي الرجعي. غير أن علم الاقتصاد الاشتراكي، الذي يعتمد إشباع الحاجات كغاية لجميع أنواع النشاط الاقتصادي. يعتبر حرية العمال هي الأساس الذي تقاس به مصلحتهم، ولا يعير اهتماما لمقدار الكسب المادي الذي يحققونه في ظله، كنظام ظالم وقاهر يطحن العمال بقيوده الثقيلة، ويظل. تحريرهم من قبضته هدفا مقدسا دونه الموت. على أن جهد المنتجين هو الذي يحدد وحده مقدار الاشباع الممكن لحاجاتهم. بمعنى أنه حين يكون على المنتجين إشباع حاجاتهم بشكل كامل ومثالي، فانهم يزيدون إنتاجهم ويضاعفونه ليتمكنوا من ذلك بحيث لا يمكن إشباع الحاجات في ظل التقاعس أو في ظل عدم الإنتاج.كما أن علم الاقتصاد الاشتراكي يعتبر وجود الربح في حد ذاته عملا شائنا وسرقة واضحة، ويرى النتيجة الصفر التي ينتقدها البيروقراطيون بناء على رؤيتهم الاقتصادية الرجعية المستخلصة من النظريات الاقتصادية التقليدية هي النتيجة الصحيحة الوحيدة لتطبيق اقتصاد اشتراكيى علمي يعود فيه الإنتاج لأيدى أصحابه، ليشبعوا عن طريقه حاجاتهم الماسة دون حاجة إلى أي نوع من الزيادة الخاطئة فوق سعر التكلفة، لتعتبر بعد ذلك ربحا. وعلى هذا الأساس فان (النتيجة الصفرية) هذه التي تنتهي اليها العملية المحاسبية في ظل النظام الاقتصادي الاشتراكى العلمي الجديد، لا تسمح إطلاقا بوجود تراكم أو تركز في رؤوس الأموال، كما أنها تستهجن وترفض السعي الحثيث الذي تواصله الشركات الاحتكارية والمتجاوزة للجنسيات، والذي تمارسه الدول الرأسمالية لزيادة أرباحها برفع أسعار المواد المصنعة، وباحتكار المواد الخام واحتكار التقنية، وباحتلال مصادر الطاقة، وبالهيمنة على الشعوب الصغيرة والفقيرة والمتخلفة، وبنشر القواعد العسكرية لغرض الهيمنة السياسية والاقتصادية ووضع الأمم في دوامة الصراع البربري الذي لا يهدأ، والوصول بالعالم إلى الانهيار الكامل، وتدمير الحضارة الإنسانية وإفناء الحياة على الأرض. كل ذلك من أجل السيطرة على السلعة وعلى أسواقها ليتمكن الامبرياليون من زيادة الأسعار. وحرمان أصحاب الثروات الأصليين. من إشباع حاجاتهم المادية، وفرض التخلف، جهلا وفقرا ومرضا على جميع الشعوب. ان الاقتصاد الرجعي الذي يبيح الربح هو الذي أوصل العالم المعاصر إلى مرحلة الامبريالية ومرحلة الاحتكار الشامل، التي ينهار بسببها العالم المعاصر كله، ويخضع من جرائها إلى مخاض عسير. قد يؤدي به إلى الهلاك الشامل إذا لم يتداركه المنتجون في العالم بتفجير ثورتهم، وفرض نظام المشاركة في جميع المؤسسات الإنتاجية، وأن يجعلوا من (إشباع الحاجات) غاية وحيدة لجميع أنواع النشاط الاقتصادي، لينتهي إلى الأبد كل نشاط اقتصادي يهدف إلى الاستغلال.

إن ثورة المنتجين ليست مجرد شعار ، إن هدفها هو تخليص المنتجين من الاستغلال ومن الأجرة . وهذا ما سيفجر الثورة الشعبية في العالم كله ليتخلص الناس من الاستغلال والأجرة، فيصبحوا أحرارا وسعداء.. بعد أن يكونوا شركاء في الإنتاج. إن الثورة الشعبية هي ثورة الجماهير الكادحة، من أجل حريتها وتمتعها بإنتاجها. وستدافع هذه الجماهير عن ثورتها دون أن تكون في حاجة إلى أجهزة تقليدية للدفاع عنها.. كالشرطة والمباحث والجيش وغيرها. فالجماهير بدفاعها عن ثورتها، انما تدافع عن نفسها، فليس ثمة نظام قاهر، ولا طبقة مستغلة ولا فرد يتعالى على الجماهير.. بل إن الجماهير قد أصبحت حرة، ملزمة بالدفاع عن الحرية والحفاظ عليها بشرط أن تكون حرية حقيقية تعيها جماهير الشغيلة وعيا عقائديا. ويظل تأجيج وعي الشغيلة إلى القدر الذي يكونون فيه قادرين على إدراك الأوضاع النقيضة للحرية من نماذج استغلال مختلفة ونماذج أجرة، وليكون في إمكانهم الدفاع عن ثورتهم وتجذيرها علميا وتطبيقيا، هو أساس انتصار الشغيلة في ثورتها ، وأساس تحررها أيضا.

الفلاحون :

في علم الاقتصاد الاشتراكي الجديد، يمكن للفلاح في المزرعة أن يملك إنتاج مزرعته، وأن يتصرف فيه بالطريقة التي تتناسب مع مصلحته، شرط ألا يكون قد استأجر غيره للعمل في المزرعة. وبشرط ألا يغفل حقوق الآخرين الذين لهم علاقة اقتصادية به من المحتاجين لانتاجه في إشباع حاجاتهم. وتظل ملكية الفلاح لمزرعته ملكية انتفاع قادر على التصرف بها بالشكل المناسب له، دون أن يملك أحد الأرض ملكية رقبة.

إن الأرض ملك أفراد المجتمع، ويملكها المنتفع للانتفاع بها، فإذا تخلى عن ذلك سقطت حقوقه فيها.

ويصبح باستطاعة آخر أن يحوزها للانتفاع بها. فالفلاح الذي يحوز مزرعة دون أن يستأجره أحد أو يستأجر هو أحدا آخر، يظل حرا في الانتفاع بها، حتى يتخلى عنها بسبب تغيير نوع نشاطه مثلا، أو بسبب عدم قدرته، أو بسبب عدم حاجته، فيسقط تلقائيا حقه فيها، وتؤول لغيره لينتفع بها.

إن الفلاحة مهنة حرة، فإذا ما تناقضت مع مصلحة المجتمع الاشتراكي فان من حق هذا المجتمع أن يعالجها بالشكل الذي يراه مناسبا له. لقد وجدنا أن التجارة حرة وكذلك الحلاقة، غير أنها مهن استغلالية وغير إنتاجية، كذلك فان السمسرة والمقاولات مهن حرة هي الاخرى، غير أن المجتمع الاشتراكي يرفضها باعتبارها مهنا استغلالية وغير إنتاجية، وعلى هذه القاعدة فإن أية مهنة سواء الفلاحة أو غيرها، يتضح أنها استغلالية وغير إنتاجية، فان المجتمع الاشتراكي ينتزعها من أيدي أصحابها، ويحولها إلى نشاط اشتراكي إنتاجي للمجتمع دون أن يحول أصحاب هذه المهنة إلى اجراء لدى الدولة، لان ذلك يعي أننا وقعنا في مشكلة جديدة، هي الأجرة، وبرغم أن الفلاح منتج ويختلف عن التاجر وعن المقاول و السمسار والحلاق، الذين لا ينتجون شيئا إلا أنه حين يزرع كيسا من الشعير وينتج عشرة أكياس فهو يستهلك خمسة منها، ويبيع بعد ذلك الخمسة الأكياس الأخرى. وعملية البيع هذه تعيد التجارة إلينا كرة أخرى ونقع في الاستغلال مجددا بسعي الفلاح الى استغلال المستهلكين بزيادة أسعار السلع الزراعية من أجل الحصول على أكبر قدر من الربح، وفي هذه الحالة لم يخرج الوضع عن المحظور الأول الذي هو الاستغلال.

بين المجانية والمقابل :

إن المجانية قضية هامة وخطيرة كما أنها ليست مفهومة في ذات الوقت، بسبب توجه النظم الإصلاحية ذات الحلول التلفيقية إلى نهج المجانية هذه، في كثير من مجالات الخدمات، كالتعليم و العلاج و المواصلات والكهرباء والمياه وغيرها.

وهي قد انتهجت هذه السياسة الاصلاحية التلفيقية بسبب عدم تمكنها من إيجاد حل جذري للمشكلات الاجتماعية، ويوضح اتجاهها هذا مدى التخبط والارتباك والتذبذب وضبابية الرؤية التي تعانيها هذه الأنظمة القاصرة فكريا وعمليا، فتعالج قصورها وانحطاطها بدغدغة نوازع الاستهلاك لدى الأفراد في محاولة للحفاظ على البقاء في السلطة . إذ ليس هناك ما يبرر المجانية إطلاقا، ما دام كل فرد يأخذ عائد عمله دون أن يبقى منه شيئا في الخزينة العامة للمجتمع. ولو كانت الضروريات هي التي يجب أن تكون مجانية، فان الأكل واللباس مثلا أكثر ضرورة من كل تلك الأشياء التي يطالب بعض الناس بمجانيتها. وبرغم ذلك فاننا لا نجد من يتجرأ ليطالب بمجانية الأكل واللباس.. وغير ذلك من الضروريات الأولية.

غير أن سياسة المجانية هذه، ليست سوى عملية ترميم رأسمالية يقوم بها نظام إصلاحي تلفيقي بقصد الاستغلال، ولسبب العجز في مواجهة المشكلات الحيوية للمجتمع، وعدم ايجاد حلول جذرية صحيحة لها، وعدم القدرة على إقناع الناس بالسياسة المتخلفة التي تنتهجها هذه الأنظمة على مختلف الأصعدة.

وعند هذه النقطة جاءت المجانية كممارسة الخداع والغش، لتمرير السياسات الفاسدة، وإلا فهل يستطيع أحد أن يجيبنا، لماذا المجانية؟

لماذا المجانية والجميع يعملون ويتقاضون رواتبهم؟ من أجل ماذا يتقاضون هذه الرواتب؟ أليس من أجل إشباع حاجاتهم!

عندما يعمل هؤلاء الناس ويأخذون مقابل عملهم، ماذا يبقى في يد المجتمع أو في يد أي أحد آخر ليقدم الخدمات لجميع الأفراد مجانا؟!

من هو الذي سيتصدق على جميع الناس، ومن أين له، وقد نال الناس أموالهم، دون أن يتركوا منها شيئا؟!

من هو الذي سيقدم الخدمات مجانا وقد نال كل فرد إنتاجه دون أن يبقى منه شيئا. إنه حين يطلب أحد الناس خدمة مجانية فانها ليست كذلك بالنسبة للمجتمع بل هي بثمنها. وحيث لم يبق في يد المجتمع أي قدر من المال فكيف يمكنه أن يقدم خدمة دون مقابل؟! إن المجانية تتحقق في حالة واحدة، وهي عندما يعمل الجميع ويتنازلون عن إنتاجهم لصالح المجتمع، عندئذ تكون خزانة المجتمع قادرة على تقديم جميع الخدمات دون مقابل.

إن المجتمع الاشتراكي لا يمكنه أن يؤاخي بين المجانية والمقابل، فإما أن يتنازل المنتجون عن المقابل الذي يتقاضونه وإما أن يتحملوا ثمن الخدمات التي يتلقونها من هذا المقابل الذي يأخذونه على شكل راتب.

فالمجتمع الاشتراكي الجديد مبني على قواعد علمية وقوانين ثابتة لا يمكن تجاوزها، وإلا انهار البناء كاملا بل اننا لن نكون قادرين على فهم بنية هذا المجتمع، وتحليل فكرته ما لم نلم بهذه القوانين، الماما تاما، فكأى مسألة جبرية أو هندسية يلزم لها استخدام قانون محدد للتمكن من معرفة نتيجتها، كذلك يلزم الالمام بقانون المجتمع الجماهيرى، وقواعده العلمية التي نتج عنها. وتلك التي ترتبت على وجوده، من أجل مواجهة المعضلات العلمية التي تحتاج إلى تقديم حل لها، وتقتضي معالجة خاصة في ضوء ذلك بحيث يستقيم وضعها مع البنية الهيكلية للمجتمع الجماهيرى.

ان المؤتمرات الشعبية الاساسية واللجان الشعبية التنفيذية، واللجان الثورية ذات المهمة التحريضية والترشيدية ليست منفصلة عن تدمير المجتمع التقليدي السابق على الدولة الجماهيرية، كما انها لا يمكن ان تنبثق عن نظام ليس جماهيريا، ومثلها في ذلك مسألة المجانية والمقابل لا يمكنهما ان يلتقيا معا في ظل الاشتراكية، ولعل بعض الذين لم يستوعبوا قوانين المجتمع الجماهيري سيفاجئون اذا الغي المجتمع الجماهيري مجانية التعليم مثلا، وسيعتبرون ذلك- في وسط استغفال شديد- نكسة حقيقية وردة كبيرة في اطار التعليم ورعاية الدولة له، ربما لانهم سيرون في ذلك توجها رأسماليا مناقضا للاشتراكية بمفهومها التقليدي الاصلاحي فيتخذ مثل هؤلاء مواقف عاطفية خاطئة مناقضة للعلم الاشتراكي وفقا للمجتمع الجماهيري ومناقضة لنظام الشركاء الاحرار المسؤولين بانفسهم عن اشباع حاجتهم.

ان استيعاب القوانين التي قام عليها المجتمع الجماهيري سيجعل أي ثوري يتساءل بالحاح من اين جاءت المجانية؟ فحين يكون المجتمع اشتراكيا جماهيريا فلا وجود للمجانية، لان المجانية من طبيعة النظام الرأسمالي، وهي برنامج مخدر من برامج الانظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.

ان الدليل على التلفيق الواضح فيها انها تقدم بالمجان اشياء تافهة واخرى هامة نسبيا، غير انها لا تقدم مجانا ما هو اهم من كل الاشياء اذ ان الضروريات الاساس للانسان ليست مجانية.

فالطعام والسكن واللباس والمركوب، تلك التى لا يستطيع الانسان ان يعيش بدونها، يطلب من محتاجيها تسديد أثمانها مضاعفة في بعض الأحيان خاصة حين يتحكم فيها الاستغلاليون من السماسرة والتجار والمقاولين.

وحين تكون المجانية مفيدة ونافعة، يجب أن تكون شاملة أو تحوى على الاقل الضروريات الملحة للانسان وعندها يجب التنازل عن المقابل، ليتمكن المجتمع من تعميم المجانية.

وبهذا نصل إلى الأطروحة التي أكدناها مرارا وهي ضرورة التخلص من الأجرة، ولابد إذن- ترتيبا على ذلك- من التخلص من المرتب لكي نصبح أحرارا، فحين ننتج مجانا، لا نكون بحاجة إلى رواتب ما دامت حاجاتنا متوفرة مجانا.

أما إذا كنا نتقاضى رواتبنا، فليس امامنا إلا أن نسدد ثمن الدواء والتعليم وتذكرة الحافلة وقائمة الهاتف ومستحقات الكهرباء والمياه وكل مستلزماتنا.

إذ أن المال لا يأتي من مصدر سحري، وليست ميزانية المجتمع إلا إنتاج افراده فقط، إن النجاح في هذا الأمر يعنى أن انسانا جديدا قد بنى نفسه وفق أسس المجتمع الجماهيري الجديد.

عالم جديد :

ان عصر الرقيق لا يمكن أن يكون قد انتهى ما دمنا نرى حتى يومنا هذا عشرات الملايين من الأجراء الذين يسحقهم ارباب العمل، النائبين عن الاقطاع، إن العبيد الذين يعانون ظلم أسيادهم ، ويخضعون في ضروريات حياتهم لغيرهم، ليسوا إلا طبقة واحدة مستمرة البقاء لم يتغير فيها إلا اسمها ليصبح في عصرنا (العمال الأجراء)، حتى إذا قضي ذات يوم على الأجرة وتحرر العمال من جورها. أمكن يومئذ القول بأن هذه الطبقة قد انتهت.

بعد كل ما قدمناه، يحق لنا أن نتساءل بجدية إلى أين تقودنا الأطروحات العلمية في الكتاب الأخضر؟

اذا بني هيكل المجتمع الانساني وفق النظرية الجماهيرية وتكيفت النشاطات الاقتصادية بمقتضى ذلك، بحيث أصبحت كل النشاطات الاقتصادية من أجل إشباع الحاجات، وقام افراد المجتمع الجماهيري بنشاطات اقتصادية أشبعت حاجاتهم.. فأى لون تكون علاقات الأفراد ببعضهم في ظل هذا المجتمع؟

كيف تشكل المثل والقيم الاجتماعية وكيف تتم مراعاتها؟! كيف يكون .نظام الأسرة ونظام التعليم وقضية الدين؟

إن ذلك كله سيكون جديدا بلا شك وتكون صعوبته في انه جديد، ويختلف جذريا وكليا عما يسود الان حياة البشر المعاصرين.

ان المجتمع الجديد.. سيكون صورة جديدة لا عهد للانسان بها، ولقد حدثنا التاريخ عن الماضى وعن المجتمع البدائي بالتحديد، حيث كانت الأسرة تحرث الأرض وتزرعها، وتربي فيها الحيوانات لتستخدم أصوافها وشعرها وجلودها، وتحقق من خلال ذلك اكتفاءها الذاتي. إن كل أسرة آنئذ كانت تنتج طعامها وملابسها وبيوتها ذاتيا، بل تجد في يدها ما تتفضل به من الفائض على الضعفاء وعابري السبيل وغير ذلك مما تجب مراعاته وفق مفاهيم ذلك المجتمع البدائي.

وإذا تجاوز البشر ذلك المجتمع البدائي، وتكون مجتمعنا المعاصر على أنقاضه، فان حياتنا ستكون لها صورة مختلفة فيما لو نجح مجتمع عصري في القيام بنشاطات اقتصادية يتماثل غرضها مع المجتمع البدائي فى أغراضه الاقتصادية. فكيف يكون شكل مجتمع عصري تكتفي فيه الأسرة ذاتيا؟

هل يحتاج بلدية ودولة؟ وأن تكون لهذه الدولة حدود مفتوحة أو مغلقة؟

وكيف يكون شكل هذا المجتمع إذا كانت بقية العالم مازالت في وضعها التقليدى من حكومات وجيوش وصراع على مصادر الطاقة؟ بل لنقل أي مصير للعالم، إذا لم يتجه نحو تحقيق النظام الجماهيرى، أي مصير ينتظر الانسان؟!

إن مفكري الإنسانية ملزمون بإيجاد اجابات لكل معضلة من هذه المعضلات ، وتحويل إسهاماتهم إلى منهج علمي يتلقاه مثقفونا بدل تلك الترهات التى أودت بحياة الانسان إلى الجحيم.. ان هذا هو الأمل الوحيد.

علم اقتصاد جديد

بين الاستغلال . . والأجرة :

إن كل الأنماط الاقتصادية التي يجري تنفيذها وتطبيقها في العالم هي أنماط رأسمالية، بداية من البيع والشراء وحتى الإنتاج والاستهلاك ، فالشركات والمؤسسات الاقتصادية والمرافق تتعامل كلها بطريقة رأسمالية، على أساس من الربح والنقود، وهي نفسها التي تشكل المناهج الاقتصادية في الكليات والمعاهد. وبالتالي فان الاقتصاديين والمحاسبين يطبقون الطرق التي تعلموها في دراستهم الرأسمالية، مما يجعلنا بحاجة إلى إيجاد علم اقتصاد جديد كليا يمكن عن طريقه حل المعضلات الجديدة التي تواجه المجتمع الجماهيرى . كما يمكن عن طريقه تجاوز الدراسات الاقتصادية التقليدية وفتح افاق جديدة هي آفاق عصر الجماهير وعالم الشركاء الأحرار. ليقام النظام الجماهيرى وتبنى الاشتراكية القائمة على رد الانتاج لأصحابه وإلغاء الأجرة والايجار والاتجار.

إن علم اقتصاد جديدا هو أمر ضروري ليتمكن العالم معه من مواجهة المعضلات الاقتصادية الخطيرة التى يعانيها ، وليتمكن من إيجاد حلول لها. وأولى هذه المعضلات الاقتصادية الخطيرة هي معضلة الاستغلال، وثانيتها هي معضلة الأجرة. وخطورة هاتين المعضلتين تكمن في أنه حين يم القضاء على إحداهما يتم الوقوع فى براثن الاخرى. ففي مجتمع رأسمالية الطبقة، حيث اطلقت يد رب العمل كليا لاستغلال المنتجين، صار الاستغلال فى ظل ذلك مطلقا ، ذلك أن(المذهب الحر)- بحسب التعبير التقليدي- يوفر حرية للباحثين عن عمل، ليختاروا العمل الذي يريدون، في الوقت الذى لا تكون فيه الدولة ملزمة بإيجاد عمل لمن يتعطلون عنه، ويوفر في ذات الوقت حرية لأرباب العمل ليستخدموا من يشاءون. إن للعاملين مطلق الحرية فى قبول العمل الذى يعنى استغلالهم أو رفضه فيصبحون عاطلين عن العمل. ولأرباب العمل أيضا مطلق الحرية فى أن يعرضوا فرص عمل أو أن لا يعرضوها، وأن يقبلوا لها من يريدون. فهم يتعاملون مع العمال(كبضاعة في سوق العمل) لا أكثر ولا أقل. إن عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في سنة 1982م منهم 12 مليونا فى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها هم حصيلة هذا الصراع المميت بين سلعة في السوق يعرض منها أضعاف ما يرغب أرباب العمل في استخدامه في ظل انعدام أي دور لأية جهة- كالدولة مثلا- في إيجاد عمل لمن لا يتوفر لهم في السوق، وبين مستغل يختار السلعة التي تناسبه، وبالطريقة التي يراها مربحة له دون أن تلزمه جهة ما- كالدولة مثلا- بفرض قيود على اختياره، أو حتى بالتدخل لتعديل مفاهيمه عن العمل والعمال. إننا في غنى عن القول بأن حصيلة البطالة هي مزيد من الاستغلال ومن البطالة أيضا، وهكذا فان الاستغلال في( ظل المذهب الحر) يتصاعد دون حد. أما في مجتمع رأسمالية الحكومة، فان رغبة القضاء على الاستغلال وإنقاذ العمال من كارثة البطالة، أدت إلى رفض( المذهب الحر) واعتماد نموذج بديل عنه، يتحدد في قيام الدولة بعبء تشغيل جميع القادرين على العمل، مع التدخل في طبيعة العمل ونظام الأجرة وبشكل كامل. وقد استطاعت بعض المجتمعات التي انتهجت هذا النظام الاقتصادي الرأسمالي القضاء على البطالة، وربط جميع الناس بأعمال محددة. وعند هذه النقطة بدأت المناظرة بين المجتمعين المذكورين، حيث يعيب النظام الأول على النظام الثاني تقييده الشغيلة بالأجرة فلا يكون الأجراء أحرارا في اختيار عملهم، ولا في اختيار مجال نشاطهم، ولا في مقدار الأجرة التي يحصلون عليها، حيث تشغل الدولة جميع الناس كأجراء لديها، ويحظر النشاط الحر كليا. فلا يوجد تاجر حر، ولا مقاول حر، ولا عامل حر ليختار عمله أو مهنته. كذلك يعاب على النظام الأول اعتماده الربح كغاية للنشاط الاقتصادي، فهو يدعي بعدم إمكان إيجاد نظام اقتصادي بديل ينسجم مع الحضارة المعاصرة دون أن يعتمد الربح كاساس للعملية الانتاجية برمتها. ويستدل على ذلك بعدم قدرة النظام الثاني على إيجاد هذا البديل ونعامله وفق أطروحة الربح ذاتها، مما يرتب في نهاية المطاف الاقتناع منطقيا بتركز رأس المال في يد طبقة واحدة تسعى لمضاعفة أرباحها بزيادة سعر السلعة أو حجم المادة المستهلكة عن طريق إيجاد أسواق جديدة لتصريف إنتاجها، وتوفير المواد الخام بكل الطرق بما في ذلك عمليات الغزو المسلح بما يبرر حركة الاستعمار تلك التي انطلقت بكل قوتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من أوروبا فى اتجاه العالم الثالث. واعتبرها الناس بعد ذلك سببا أساسيا في انحراف الحضارة المعاصرة، وفي المآسي التي تعانيها الانسانية باعتبارها حركة معادية للانسانية والحرية والتقدم بتوجهها للاغتصاب والاستغلال؟ حيث انحصرت نتيجتها في تفوق أوروبا وسيطرتها على بقية الشعوب ونجاحها في سرقة مقدراتها المادية وتشويه مقوماتها المعنوية القومية والدينية. غير أن فشل نظام رأسمالية الحكومة في إيجاد علم اقتصاد بديل عن الاقتصاد الرأسمالي الاستغلالي المعتمد على الربح، ليس حجة علمية يمكن الركون اليها لتبرير استمرار نظام الاستغلال. كما أن السعي الحثيث لتدمير نظام الاستغلال ليس مبررا للوقوع في براثن هيمنة الحكومة لتحل محل أرباب العمل الرأسماليين، فيستمر بهيمنتها نظام الاستغلال المتمثل في الأجرة والايجار والاتجار. وحتى يمكن الخروج من الاستغلال والأجرة معا، بات منطقيا ضرورة إيجاد علم اقتصاد بديل ينجح في حل المشكلات الاقتصادية جذريا، لينعتق الانسان من كل القيود، فيصبح حرا ويصير بالتالى سعيدا.

إنه بنجاح النظرية العالمية الثالثة في القضاء على الاستغلال وعلى الأجرة معا يهل على البشرية عصر جديد، ويخلق فيها عالم سعيد لانسان حر سعيد، قضى على الاستغلال والأجرة ووصل إلى الفردوس المفقود الذى هو المجتمع الجماهيري.

موقف الدولة :

فى ظل (المذهب الحر) تمكن أرباب العمل من تسخير الدولة لحماية مصالحهم، واناطوا بها مهمة سن القوانين ومهمة رعايتها، وحتى وضع الخطط الخاصة بتدكيس الثروات لديهم. إن عمليات الغزو والاستعمار الجديد بشركاته متعددة الجنسيات ليس إلا تعبيرا عن الدور الذي لعبته الدولة تحت سيطرة الرأسماليين. فلا يكون ثمة مجال أمام هذا المذهب فى الانتقاد الذى وجهه له (المذهب الاشتراكي التقليدي) أو مذهب هيمنة الدولة الذى عبر عنه في( شروح الكتاب الاخضر) (مذهب رأسمالية الحكومة) فحين استغلت الدولة( المذهب الحر) كأداة حماية للاستغلال، وكشرطي يحرس مصالح الرأسماليين لا يهمها المنتجون فى شيء كثير أو قليل سواء حصلوا على عمل حقير أو طحنتهم البطالة، فان المسافة التي تفصل المذهبين تكون قد قاربت على التلاشي بسبب التشابه الكبير الذي حققه المذهبان في مختلف اطارات الفكر في الحلول العلمية، وكذلك التطبيقات في شأن تدخل الدولة في الحالتين، مرة لتحمي استغلال أرباب العمل للعمال وفي المرة الأخرى لتنظيم فرص العمل. وفى هذه الأخيرة يتم تحويل الجميع إلى أجراء لدى الدولة، والجمعيات التعاونية التي هي المرحلة الثالثة في تطور مجتمع رأسمالية الحكومة، ستتحول إلى مزارع حكومية ملكا للحكومة ويتحول الفلاحون فيها إلى أجراء لدى الدولة، وبالتالي يسجل هذا المجتمع عودة فعلية إلى زمن الاقطاع الجماعي. فحين تنشئ الحكومة مزرعة جماعية لكل ألف شخص فانها في واقع الأمر تنشئ إقطاعية منفصلة بألف شخص. وهكذا فان آلاف الاقطاعيات تنشأ بهذا الشكل وتحوى ملايين الأجراء الواقعين تحت هيمنة الاقطاعي الجديد الشديد الوطأة الذي هو الدولة.

وفي هذا الوضع نجد أن أصحاب المزارع التعاونية يبيعون إنتاجهم بالطريقة الرأسمالية للمستهلكين ليحصلوا على قدر عال من الأرباح. ويعترض المستهلكون على ذلك، فتحاول الحكومة التدخل للتوسط بين الجمعيات التعاونية والمستهلكين، الأمر الذي جعل الدولة تقع في منزلق لا يليق بها كدولة اشتراكية، حيث تجد نفسها دولة رأسمالية تقليدية، وهذا يعنى أن المشكلة لم تحل بعد. فالصراع مستمر بين الحكومة الرأسمالية هذه، وبين الجمعيات التعاونية، بسبب تدخل الحكومة لدى الجمعيات لتخفيض أسعار المواد الزراعية للمستهلكين، والجمعيات ليست راضية عن هذا. كما أن المستهلكين يضغطون على الحكومة أيضا كي تتدخل للحد من غلاء منتجات الجمعيات التعاونية. وتتوسع رقعة الصراع بين المستهلك والمنتج وأصحاب الجمعيات التعاونية كل على حدة. ثم إن الدولة تحاسب الجمعيات التعاونية وتنال منها الضرائب وتتأكد ما إذا كانت هذه الجمعيات ناجحة أم لا، وهي تحاسبها بمقاييس رأسمالية عن طريق السؤال عن الدخل والأرباح التي تم جمعها، وهو الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفة سعر السلعة دون زيادة في عدد وحداتها.

المحاسبة :

السلعة هي وحدة إشباع الحاجة، وبتسويقها يتمكن المذهبان المذكوران من الحصول على أرباح عن طريق مضاعفة سعرها، فأصبح الطباشير مثلا إذا كلف صاحب المصنع عشرة دراهم فانه يبيعه بعشرين درهما، فيعد والحالة هذه رابحا بمنطق المحاسبة الرأسمالية التى تحصي سعر التكلفة منفصلا عن الدخل الذي يجب أن يزيد في هذه الحالة قدر ما يسمونه ربحا. إن دخله فقط هو الذي زاد أما السلعة فأنها باقية بقدرها نفسه، دون أي زيادة. هذا هو المقياس الرأسمالي في حساب الأرباح، وليس هناك أدنى اهتمام بزيادة السلعة، وحين يريد صاحب مصنع الطباشير أن يبالغ في أرباحه فليس أمامه إلا أن يبيع اصبع طباشيره ذاك بثلاثين درهما ليتضاعف ربحه مرة أخرى. وتقدم التقارير في هذه الحالة باعتبار أن المصنع ناجح وأن اقتصاد الدولة رابح ومزدهر وفقا للمحاسبة الرأسمالية.. ولكن، هل هذا المقياس المحاسبي صحيح؟ حين نضاعف سعر اصبع الطباشير، من أين تاتي الفروق التي نعتبرها ربحا للمصنع؟ انها تاتي من المستهلكين الذين اشتروا الطباشير، وكذلك الفروق في جميع السلع التى نعتبرها مربحة يدفعها المستهلكون، فهم يتحملون وزر رفع الأسعار وهم الذين يتضررون من وجود أرباح على أي سلعة في المجتمع، وحين يتضرر جميع المستهلكين وتصبح حياتهم صعبة لا تطاق بفعل غلاء السلع وارتفاع أسعارها، فهل نعتبر اقتصاد هذه الدولة مزدهرا. في الواقع، إن اقتصاد هذه الدولة يعاني أزمة فعلية، حيث إنه بازدياد الأسعار تتكدس أموال المستهلكين فى جيوب الرأسماليين افرادا كانوا أم حكومات، وبالتالى تقل مقدرتهم في الحصول على حاجاتهم. فلو أراد مستهلك الحصول على اصبع الطباشير كان عليه في السابق أن يدفع مقابله عشرة دراهم لكنه لن يحصل عليه فى ظل ارتفاع الأسعار- بقصد جمع أكبر قدر من الأرباح- الا إذا دفع ثلاثين درهما فماذا يعني ذلك؟ إنه التضخم. فعندما تقل القوة الشرائية للعملة، يحتاج المستهلكون إلى مقادير مضاعفة من وحدات العملة للحصول على حاجاتهم، فتضطر المصارف المركزية إلى طبع نقود كثيرة لاستعمالها في أيدى المستهلكين ، وهكذا يكون المتداول من العملة كثيرا، ويكون مردوده من السلع قليلا. فإذا كان راتب شخص ما مائة دينار في وضعه العادي، فهو مضطر لأن يصبح راتبه ثلاثمائة دينار ليفي بحاجته في ظل التضخم.

وبالتالي، فان الزيادة في الرواتب هي علاج تلفيقي لمشكل مستعص اخر هو فقدان العملة لقيمتها من ناحية، وزيادة أرباح الرأسمالية من ناحية أخرى، بما يصبح معه المستهلكون مجرد حمالين لحزم الأوراق النقدية التى يقبضونها كمرتبات، ويحملونها إلى خزائن الرأسماليين في أسواق السلع الاستهلاكية. ولو أن المستهلكين كانوا يدركون السر في زيادة رواتبهم لما قبلوا بهذه الزيادة، ولسعوا إلى حل جذري غير هذا الحل التلفيقي.

إن الاقتصاد المزدهر هو أن ينجح المصنع في زيادة عدد وحدات السلعة، فبدلا من اصبع طباشير واحد، ينتج ثلاث أصابع، فيتوفر للمستهلكين حاجتهم من السلعة، ويزداد دخل المصنع بمقدار الزيادة في الانتاج.

إن علم الاقتصاد الجديد يجب أن يقام على هذا الأساس، ليلغي بعد ذلك علم الاقتصاد الرأسمالي المتخلف المعتمد على زيادة الربح الذي يطبقه المجتمع الصناعي، ويفرضه على العالم في شكل معاملات يومية ومناهج دراسية، دون أن يمنح الشعوب وجماهير الكادحين فرصة تمحيصه وايجاد بديل منه.

اقتصاد جديد :

إن الضرر الذي يلحقه علم الاقتصاد التقليدي والنظام الاقتصادي المطبق في العالم الصناعي بالحضارة يتضح أثره الكبير في تفتت الجماعات البشرية، وانهيارها، وتدمير كياناتها القومية والدينية. وإذا كانت إرادتنا تتمحور حول إيجاد مجتمع حر وسعيد، فان تخلصنا من الاستغلال ومن الأجرة، هو أول الطريق لبناء علم اقتصاد جديد.

ففي ليبيا، لكي يقوم المثل الجماهيري للمجتمع الحر السعيد كانت هناك ضرورة ملحة- لا يمكن الاستهانة بها- هي كيف نحول دون سرقة أموال المستهلكين من قبل المستغلين الذين يسعون علنا الى السرقة وتكديس (الأرباح) إن الفا وأربعمائة مليون دينار كل سنة على سبيل المثال، كان السماسرة و السراق يعتبرونها أرباحا، وهي فى الواقع مرتبات الذين يؤدون خدمة عامة فى المجتمع، وكان عليهم أن يدفعوها مقابل حصولهم على حاجتهم المعاشية الأساس. تلك الحاجات التي احتكرها بعض النصابين من التجار والسماسرة وحالوا بينهم وبينها، فارضين إتاوة مالية عليها بحجة البحث عن الربح.. الأمر الذي يعد حصول المحتاجين على حاجاتهم في ظله مستحيلا دون حدوث عملية الاستغلال والسرقة لهم. وليس من سبيل للحيلولة دون وقوع عمليات الاستغلال والسرقة تلك الا بالغاء علم الاقتصاد التقليدي ونظام المحاسبة التابع له.

ومعنى ذلك هو إلغاء كافة النشاطات الاقتصادية الخاصة غير الانتاجية باعتبارها مصدر ذلك الاستغلال. فالسمسرة الحرة والمقاولات والتجارة الخاصة وما يماثلها من نشاطات اقتصادية غير إنتاجية تعد مرفوضة بشكل قاطع لضررها البالغ بالمستهلكين وأثرها السلبي على السلعة، وبالتالي تأثيرها فى انهيار الإنتاج وحدوث التضخم.

إن التجارة الخاصة هي نشاط استهلاكي غير إنتاجي. والتاجر ينصب اهتمامه على جلب البضائع ليعرضها باسعار مضاعفة، ولا يوجد أي مبرر لذلك. فالشعب أقدر على توفير البضائع ليستخدمها بسعر التكلفة دون أية زيادة في أسعارها.

واذ يبيح النظام الرأسمالي التجارة الحرة التي لا يمكن تقييدها بسبب سعي أصحابها إلى زيادة أرباحهم.. يكون قد أباح نشاطا استغلاليا. وخلق ضغوطا قاهرة على إنسان آخر ماديا ومعنويا هو المستهلك الذي تم إفقاره، والغاء حريته.

إن ذلك لا يتلاءم قطعا مع المنطق الديمقراطي، بل هو لا يتلاءم حتى مع الديمقراطية التقليدية الزائفة، لأنه يمنح الحرية لفرد واحد ليقهر الأغلبية ويسلبها حريتها. لكنهم يقولون بأنه حر وليس باجير.. وهذا يكفي لاستمراره كمستغل.

والحلاقة التى هي مهنة تافهة جدا، يعيش مزاولها على ما يتقاضاه مقابل حلاقته لشعر الآخرين. هو حر في الواقع لأنه ليس أجيرا، ويستطيع أن يعمل أو يرفض العمل، غير أنه فرد غير منتج.. فحالقو الشعر يشكلون. مهنة استهلاكية غير منتجة تعيش بشكل طفيلي على حساب الآخرين. ان فئة من الكسالى والتنابلة تضاف إلى رصيد التخلف بالقبول بمثل هذه المهنة. وليس أمام المجتمع الاشتراكي ليتمكن من تحقيق التقدم إلا القضاء على جميع الفئات الاستهلاكية غير المنتجة. لأن بقاءها سيدفع باعداد كبيرة من الناس إلى مزاولتها لبساطتها وسرعة مردودها وكثرة أرباحها، فينحط المجتمع وينهار اقتصاده بتكالب كثير من الناس على مزاولة نشاطات اقتصادية سلبية كهذه تضر بمصلحة المجتمع.

استغلال .. أو أجرة :

إن رفض النشاطات الخاص غير الإنتاجية والغاءها، لا يعنى على الاطلاق أن يتحرر المنتجون إذا ما استبدل نظام الاستغلال المعروف (بالمذهب الحر) بنظام الأجرة وملكية الحكومة المعروف (بمذهب ملكية الدولة). فحيث تصبح المصانع والمزارع الجماعية وجميع الحرف والمهن ملكا للدولة وباشرافها.. ويكون جميع المنتجين في هذه المواقع الإنتاجية مجرد أجراء لديها تتسلم منهم الإنتاج وتسلمهم مقابله أجرة، فان المجتمع في هذه الحالة يكون قد وقع في المحظور الذي هو (الأجرة) بعد أن حاول التخلص من الاستغلال. والأجراء ليسوا سعداء، لانهم ليسوا أحرارا. فهم غير مطمئنين على مستقبلهم المربوط بأجرة يتحكم فيها غيرهم. ويكون من يتحكم فى أجرتهم سيدا لهم، ويكنون عبيدا له. ولا شك أن كفاح الأجراء سيستمر دون توقف حتى تتحقق حريتهم، أو يستشهدوا من أجلها. فلابد أن يتحرر الانسان فوق الأرض لكي يكون سعيدا، والا فليس هناك داع لأن يعيش. وتظل المسافة التي تفصل الأجراء عن الحرية أو الاستشهاد هي كلها زمن العبودية. وهو زمن مرفوض تنظم الجماهير صفوفها من اجل تدميره بالثورة الشعبية. فاما أن تنتصر الحرية وإما أن ينتصر الاستشهاد.. فليست الثورة بمفاهيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية سوى الخلاص، من وضع العبودية. وحين يثور المطحونون بالعبودية، فانهم يحققون خلاصهم النهائي بالنصر أو الاستشهاد. ان الانتقال من رأسمالية الطبقة الى رأسمالية الحكومة. هو انتقال من عبودية الاستغلال إلى عبودية الأجرة. انهما وجهان لعملة واحدة تنقلب عن أحد وجهيها إلى الوجه الآخر دون أن تتبدل حقيقتها ودون أن يتغير جوهرها. ويعاني المستغلون والأجراء في ظل الوضعين معا ظروفا قاسية ومأسوية، ليس إلى تحقيق سعادتهم في ظلها من سبيل لانهم يفقدون حريتهم، وتسلط أدوات قهرية ودكتاتورية عليهم، صاروا عبيدا حقيقيي ، رهنوا حياتهم مقابل أجرة لأرباب عملهم أفرادا كانوا أو مؤسسات، الأمر الذي يجعل انعتاقهم مستحيلا دون الخروج على الوضعين معا وتجاوزهما عمليا وتطبيقيا. والعلاقة الجدلية القائمة بين المذهبين وتناقضهما مع مصلحة المنتجين أدت جدليا- أيضا- إلى إيجاد حل لهذه المعضلة يتمثل في النظرية العالمية الثالثة التي خلصت المنتجين من النطاق المضروب حولهم بتأرجحهم بين الاستغلال والأجرة فاجتازوا هذه العقبة نهائيا، بالغاء الاستغلال وإلغاء الأجرة كليهما بحتمية تحقيقهم لمجتمع الشركاء .

شركاء لا أجراء:

إن تدمير الاستغلال كان محفوفا دوما بالخوف من الوقوع في المحظور الخطير الاخر وهو الأجرة. فحين قامت ثورة المنتجين في ليبيا. سيطر المنتجون على المنشآت الإنتاجية من الناحية الادارية عن طريق مؤتمراتهم الشعبية الإنتاجية ولجانهم الشعبية الادارية التي كانت قبل ذلك تحت سيطرة ملاكها من الرأسماليين أو تحت سيطرة الدولة.غير أن المنتجين الذين سيطروا على هذه المنشآت، استمروا يتقاضون أجرة على إنتاجهم، كما كانوا يفعلون من قبل دون أن يطرأ أي تغيير على وضعهم كاجراء. وقد تحجج المنتجون الذين لا يملكون وعيا علميا، بأن أجرهم أكبر من المقدار الذي سيعود عليهم من إنتاجهم فيما لو طبقوا نظام المشاركة في الإنتاج. في حين تعلل البيروقراطيون، ليحولوا دون تطبيق نظام المشاركة هذا بأن عائد الإنتاج في ظل المشاركة سيكون صفرا، بسبب انعدام الربح بشكل نهائي. وبهذا يكون الاقتصاد فاشلا وخاسرا بمنظور علم الاقتصاد الرأسمالي الرجعي. غير أن علم الاقتصاد الاشتراكي، الذي يعتمد إشباع الحاجات كغاية لجميع أنواع النشاط الاقتصادي. يعتبر حرية العمال هي الأساس الذي تقاس به مصلحتهم، ولا يعير اهتماما لمقدار الكسب المادي الذي يحققونه في ظله، كنظام ظالم وقاهر يطحن العمال بقيوده الثقيلة، ويظل. تحريرهم من قبضته هدفا مقدسا دونه الموت. على أن جهد المنتجين هو الذي يحدد وحده مقدار الاشباع الممكن لحاجاتهم. بمعنى أنه حين يكون على المنتجين إشباع حاجاتهم بشكل كامل ومثالي، فانهم يزيدون إنتاجهم ويضاعفونه ليتمكنوا من ذلك بحيث لا يمكن إشباع الحاجات في ظل التقاعس أو في ظل عدم الإنتاج.كما أن علم الاقتصاد الاشتراكي يعتبر وجود الربح في حد ذاته عملا شائنا وسرقة واضحة، ويرى النتيجة الصفر التي ينتقدها البيروقراطيون بناء على رؤيتهم الاقتصادية الرجعية المستخلصة من النظريات الاقتصادية التقليدية هي النتيجة الصحيحة الوحيدة لتطبيق اقتصاد اشتراكيى علمي يعود فيه الإنتاج لأيدى أصحابه، ليشبعوا عن طريقه حاجاتهم الماسة دون حاجة إلى أي نوع من الزيادة الخاطئة فوق سعر التكلفة، لتعتبر بعد ذلك ربحا. وعلى هذا الأساس فان (النتيجة الصفرية) هذه التي تنتهي اليها العملية المحاسبية في ظل النظام الاقتصادي الاشتراكى العلمي الجديد، لا تسمح إطلاقا بوجود تراكم أو تركز في رؤوس الأموال، كما أنها تستهجن وترفض السعي الحثيث الذي تواصله الشركات الاحتكارية والمتجاوزة للجنسيات، والذي تمارسه الدول الرأسمالية لزيادة أرباحها برفع أسعار المواد المصنعة، وباحتكار المواد الخام واحتكار التقنية، وباحتلال مصادر الطاقة، وبالهيمنة على الشعوب الصغيرة والفقيرة والمتخلفة، وبنشر القواعد العسكرية لغرض الهيمنة السياسية والاقتصادية ووضع الأمم في دوامة الصراع البربري الذي لا يهدأ، والوصول بالعالم إلى الانهيار الكامل، وتدمير الحضارة الإنسانية وإفناء الحياة على الأرض. كل ذلك من أجل السيطرة على السلعة وعلى أسواقها ليتمكن الامبرياليون من زيادة الأسعار. وحرمان أصحاب الثروات الأصليين. من إشباع حاجاتهم المادية، وفرض التخلف، جهلا وفقرا ومرضا على جميع الشعوب. ان الاقتصاد الرجعي الذي يبيح الربح هو الذي أوصل العالم المعاصر إلى مرحلة الامبريالية ومرحلة الاحتكار الشامل، التي ينهار بسببها العالم المعاصر كله، ويخضع من جرائها إلى مخاض عسير. قد يؤدي به إلى الهلاك الشامل إذا لم يتداركه المنتجون في العالم بتفجير ثورتهم، وفرض نظام المشاركة في جميع المؤسسات الإنتاجية، وأن يجعلوا من (إشباع الحاجات) غاية وحيدة لجميع أنواع النشاط الاقتصادي، لينتهي إلى الأبد كل نشاط اقتصادي يهدف إلى الاستغلال.

إن ثورة المنتجين ليست مجرد شعار ، إن هدفها هو تخليص المنتجين من الاستغلال ومن الأجرة . وهذا ما سيفجر الثورة الشعبية في العالم كله ليتخلص الناس من الاستغلال والأجرة، فيصبحوا أحرارا وسعداء.. بعد أن يكونوا شركاء في الإنتاج. إن الثورة الشعبية هي ثورة الجماهير الكادحة، من أجل حريتها وتمتعها بإنتاجها. وستدافع هذه الجماهير عن ثورتها دون أن تكون في حاجة إلى أجهزة تقليدية للدفاع عنها.. كالشرطة والمباحث والجيش وغيرها. فالجماهير بدفاعها عن ثورتها، انما تدافع عن نفسها، فليس ثمة نظام قاهر، ولا طبقة مستغلة ولا فرد يتعالى على الجماهير.. بل إن الجماهير قد أصبحت حرة، ملزمة بالدفاع عن الحرية والحفاظ عليها بشرط أن تكون حرية حقيقية تعيها جماهير الشغيلة وعيا عقائديا. ويظل تأجيج وعي الشغيلة إلى القدر الذي يكونون فيه قادرين على إدراك الأوضاع النقيضة للحرية من نماذج استغلال مختلفة ونماذج أجرة، وليكون في إمكانهم الدفاع عن ثورتهم وتجذيرها علميا وتطبيقيا، هو أساس انتصار الشغيلة في ثورتها ، وأساس تحررها أيضا.

الفلاحون :

في علم الاقتصاد الاشتراكي الجديد، يمكن للفلاح في المزرعة أن يملك إنتاج مزرعته، وأن يتصرف فيه بالطريقة التي تتناسب مع مصلحته، شرط ألا يكون قد استأجر غيره للعمل في المزرعة. وبشرط ألا يغفل حقوق الآخرين الذين لهم علاقة اقتصادية به من المحتاجين لانتاجه في إشباع حاجاتهم. وتظل ملكية الفلاح لمزرعته ملكية انتفاع قادر على التصرف بها بالشكل المناسب له، دون أن يملك أحد الأرض ملكية رقبة.

إن الأرض ملك أفراد المجتمع، ويملكها المنتفع للانتفاع بها، فإذا تخلى عن ذلك سقطت حقوقه فيها.

ويصبح باستطاعة آخر أن يحوزها للانتفاع بها. فالفلاح الذي يحوز مزرعة دون أن يستأجره أحد أو يستأجر هو أحدا آخر، يظل حرا في الانتفاع بها، حتى يتخلى عنها بسبب تغيير نوع نشاطه مثلا، أو بسبب عدم قدرته، أو بسبب عدم حاجته، فيسقط تلقائيا حقه فيها، وتؤول لغيره لينتفع بها.

إن الفلاحة مهنة حرة، فإذا ما تناقضت مع مصلحة المجتمع الاشتراكي فان من حق هذا المجتمع أن يعالجها بالشكل الذي يراه مناسبا له. لقد وجدنا أن التجارة حرة وكذلك الحلاقة، غير أنها مهن استغلالية وغير إنتاجية، كذلك فان السمسرة والمقاولات مهن حرة هي الاخرى، غير أن المجتمع الاشتراكي يرفضها باعتبارها مهنا استغلالية وغير إنتاجية، وعلى هذه القاعدة فإن أية مهنة سواء الفلاحة أو غيرها، يتضح أنها استغلالية وغير إنتاجية، فان المجتمع الاشتراكي ينتزعها من أيدي أصحابها، ويحولها إلى نشاط اشتراكي إنتاجي للمجتمع دون أن يحول أصحاب هذه المهنة إلى اجراء لدى الدولة، لان ذلك يعي أننا وقعنا في مشكلة جديدة، هي الأجرة، وبرغم أن الفلاح منتج ويختلف عن التاجر وعن المقاول و السمسار والحلاق، الذين لا ينتجون شيئا إلا أنه حين يزرع كيسا من الشعير وينتج عشرة أكياس فهو يستهلك خمسة منها، ويبيع بعد ذلك الخمسة الأكياس الأخرى. وعملية البيع هذه تعيد التجارة إلينا كرة أخرى ونقع في الاستغلال مجددا بسعي الفلاح الى استغلال المستهلكين بزيادة أسعار السلع الزراعية من أجل الحصول على أكبر قدر من الربح، وفي هذه الحالة لم يخرج الوضع عن المحظور الأول الذي هو الاستغلال.

بين المجانية والمقابل :

إن المجانية قضية هامة وخطيرة كما أنها ليست مفهومة في ذات الوقت، بسبب توجه النظم الإصلاحية ذات الحلول التلفيقية إلى نهج المجانية هذه، في كثير من مجالات الخدمات، كالتعليم و العلاج و المواصلات والكهرباء والمياه وغيرها.

وهي قد انتهجت هذه السياسة الاصلاحية التلفيقية بسبب عدم تمكنها من إيجاد حل جذري للمشكلات الاجتماعية، ويوضح اتجاهها هذا مدى التخبط والارتباك والتذبذب وضبابية الرؤية التي تعانيها هذه الأنظمة القاصرة فكريا وعمليا، فتعالج قصورها وانحطاطها بدغدغة نوازع الاستهلاك لدى الأفراد في محاولة للحفاظ على البقاء في السلطة . إذ ليس هناك ما يبرر المجانية إطلاقا، ما دام كل فرد يأخذ عائد عمله دون أن يبقى منه شيئا في الخزينة العامة للمجتمع. ولو كانت الضروريات هي التي يجب أن تكون مجانية، فان الأكل واللباس مثلا أكثر ضرورة من كل تلك الأشياء التي يطالب بعض الناس بمجانيتها. وبرغم ذلك فاننا لا نجد من يتجرأ ليطالب بمجانية الأكل واللباس.. وغير ذلك من الضروريات الأولية.

غير أن سياسة المجانية هذه، ليست سوى عملية ترميم رأسمالية يقوم بها نظام إصلاحي تلفيقي بقصد الاستغلال، ولسبب العجز في مواجهة المشكلات الحيوية للمجتمع، وعدم ايجاد حلول جذرية صحيحة لها، وعدم القدرة على إقناع الناس بالسياسة المتخلفة التي تنتهجها هذه الأنظمة على مختلف الأصعدة.

وعند هذه النقطة جاءت المجانية كممارسة الخداع والغش، لتمرير السياسات الفاسدة، وإلا فهل يستطيع أحد أن يجيبنا، لماذا المجانية؟

لماذا المجانية والجميع يعملون ويتقاضون رواتبهم؟ من أجل ماذا يتقاضون هذه الرواتب؟ أليس من أجل إشباع حاجاتهم!

عندما يعمل هؤلاء الناس ويأخذون مقابل عملهم، ماذا يبقى في يد المجتمع أو في يد أي أحد آخر ليقدم الخدمات لجميع الأفراد مجانا؟!

من هو الذي سيتصدق على جميع الناس، ومن أين له، وقد نال الناس أموالهم، دون أن يتركوا منها شيئا؟!

من هو الذي سيقدم الخدمات مجانا وقد نال كل فرد إنتاجه دون أن يبقى منه شيئا. إنه حين يطلب أحد الناس خدمة مجانية فانها ليست كذلك بالنسبة للمجتمع بل هي بثمنها. وحيث لم يبق في يد المجتمع أي قدر من المال فكيف يمكنه أن يقدم خدمة دون مقابل؟! إن المجانية تتحقق في حالة واحدة، وهي عندما يعمل الجميع ويتنازلون عن إنتاجهم لصالح المجتمع، عندئذ تكون خزانة المجتمع قادرة على تقديم جميع الخدمات دون مقابل.

إن المجتمع الاشتراكي لا يمكنه أن يؤاخي بين المجانية والمقابل، فإما أن يتنازل المنتجون عن المقابل الذي يتقاضونه وإما أن يتحملوا ثمن الخدمات التي يتلقونها من هذا المقابل الذي يأخذونه على شكل راتب.

فالمجتمع الاشتراكي الجديد مبني على قواعد علمية وقوانين ثابتة لا يمكن تجاوزها، وإلا انهار البناء كاملا بل اننا لن نكون قادرين على فهم بنية هذا المجتمع، وتحليل فكرته ما لم نلم بهذه القوانين، الماما تاما، فكأى مسألة جبرية أو هندسية يلزم لها استخدام قانون محدد للتمكن من معرفة نتيجتها، كذلك يلزم الالمام بقانون المجتمع الجماهيرى، وقواعده العلمية التي نتج عنها. وتلك التي ترتبت على وجوده، من أجل مواجهة المعضلات العلمية التي تحتاج إلى تقديم حل لها، وتقتضي معالجة خاصة في ضوء ذلك بحيث يستقيم وضعها مع البنية الهيكلية للمجتمع الجماهيرى.

ان المؤتمرات الشعبية الاساسية واللجان الشعبية التنفيذية، واللجان الثورية ذات المهمة التحريضية والترشيدية ليست منفصلة عن تدمير المجتمع التقليدي السابق على الدولة الجماهيرية، كما انها لا يمكن ان تنبثق عن نظام ليس جماهيريا، ومثلها في ذلك مسألة المجانية والمقابل لا يمكنهما ان يلتقيا معا في ظل الاشتراكية، ولعل بعض الذين لم يستوعبوا قوانين المجتمع الجماهيري سيفاجئون اذا الغي المجتمع الجماهيري مجانية التعليم مثلا، وسيعتبرون ذلك- في وسط استغفال شديد- نكسة حقيقية وردة كبيرة في اطار التعليم ورعاية الدولة له، ربما لانهم سيرون في ذلك توجها رأسماليا مناقضا للاشتراكية بمفهومها التقليدي الاصلاحي فيتخذ مثل هؤلاء مواقف عاطفية خاطئة مناقضة للعلم الاشتراكي وفقا للمجتمع الجماهيري ومناقضة لنظام الشركاء الاحرار المسؤولين بانفسهم عن اشباع حاجتهم.

ان استيعاب القوانين التي قام عليها المجتمع الجماهيري سيجعل أي ثوري يتساءل بالحاح من اين جاءت المجانية؟ فحين يكون المجتمع اشتراكيا جماهيريا فلا وجود للمجانية، لان المجانية من طبيعة النظام الرأسمالي، وهي برنامج مخدر من برامج الانظمة الاصلاحية ذات الحلول التلفيقية.

ان الدليل على التلفيق الواضح فيها انها تقدم بالمجان اشياء تافهة واخرى هامة نسبيا، غير انها لا تقدم مجانا ما هو اهم من كل الاشياء اذ ان الضروريات الاساس للانسان ليست مجانية.

فالطعام والسكن واللباس والمركوب، تلك التى لا يستطيع الانسان ان يعيش بدونها، يطلب من محتاجيها تسديد أثمانها مضاعفة في بعض الأحيان خاصة حين يتحكم فيها الاستغلاليون من السماسرة والتجار والمقاولين.

وحين تكون المجانية مفيدة ونافعة، يجب أن تكون شاملة أو تحوى على الاقل الضروريات الملحة للانسان وعندها يجب التنازل عن المقابل، ليتمكن المجتمع من تعميم المجانية.

وبهذا نصل إلى الأطروحة التي أكدناها مرارا وهي ضرورة التخلص من الأجرة، ولابد إذن- ترتيبا على ذلك- من التخلص من المرتب لكي نصبح أحرارا، فحين ننتج مجانا، لا نكون بحاجة إلى رواتب ما دامت حاجاتنا متوفرة مجانا.

أما إذا كنا نتقاضى رواتبنا، فليس امامنا إلا أن نسدد ثمن الدواء والتعليم وتذكرة الحافلة وقائمة الهاتف ومستحقات الكهرباء والمياه وكل مستلزماتنا.

إذ أن المال لا يأتي من مصدر سحري، وليست ميزانية المجتمع إلا إنتاج افراده فقط، إن النجاح في هذا الأمر يعنى أن انسانا جديدا قد بنى نفسه وفق أسس المجتمع الجماهيري الجديد.

عالم جديد :

ان عصر الرقيق لا يمكن أن يكون قد انتهى ما دمنا نرى حتى يومنا هذا عشرات الملايين من الأجراء الذين يسحقهم ارباب العمل، النائبين عن الاقطاع، إن العبيد الذين يعانون ظلم أسيادهم ، ويخضعون في ضروريات حياتهم لغيرهم، ليسوا إلا طبقة واحدة مستمرة البقاء لم يتغير فيها إلا اسمها ليصبح في عصرنا (العمال الأجراء)، حتى إذا قضي ذات يوم على الأجرة وتحرر العمال من جورها. أمكن يومئذ القول بأن هذه الطبقة قد انتهت.

بعد كل ما قدمناه، يحق لنا أن نتساءل بجدية إلى أين تقودنا الأطروحات العلمية في الكتاب الأخضر؟

اذا بني هيكل المجتمع الانساني وفق النظرية الجماهيرية وتكيفت النشاطات الاقتصادية بمقتضى ذلك، بحيث أصبحت كل النشاطات الاقتصادية من أجل إشباع الحاجات، وقام افراد المجتمع الجماهيري بنشاطات اقتصادية أشبعت حاجاتهم.. فأى لون تكون علاقات الأفراد ببعضهم في ظل هذا المجتمع؟

كيف تشكل المثل والقيم الاجتماعية وكيف تتم مراعاتها؟! كيف يكون .نظام الأسرة ونظام التعليم وقضية الدين؟

إن ذلك كله سيكون جديدا بلا شك وتكون صعوبته في انه جديد، ويختلف جذريا وكليا عما يسود الان حياة البشر المعاصرين.

ان المجتمع الجديد.. سيكون صورة جديدة لا عهد للانسان بها، ولقد حدثنا التاريخ عن الماضى وعن المجتمع البدائي بالتحديد، حيث كانت الأسرة تحرث الأرض وتزرعها، وتربي فيها الحيوانات لتستخدم أصوافها وشعرها وجلودها، وتحقق من خلال ذلك اكتفاءها الذاتي. إن كل أسرة آنئذ كانت تنتج طعامها وملابسها وبيوتها ذاتيا، بل تجد في يدها ما تتفضل به من الفائض على الضعفاء وعابري السبيل وغير ذلك مما تجب مراعاته وفق مفاهيم ذلك المجتمع البدائي.

وإذا تجاوز البشر ذلك المجتمع البدائي، وتكون مجتمعنا المعاصر على أنقاضه، فان حياتنا ستكون لها صورة مختلفة فيما لو نجح مجتمع عصري في القيام بنشاطات اقتصادية يتماثل غرضها مع المجتمع البدائي فى أغراضه الاقتصادية. فكيف يكون شكل مجتمع عصري تكتفي فيه الأسرة ذاتيا؟

هل يحتاج بلدية ودولة؟ وأن تكون لهذه الدولة حدود مفتوحة أو مغلقة؟

وكيف يكون شكل هذا المجتمع إذا كانت بقية العالم مازالت في وضعها التقليدى من حكومات وجيوش وصراع على مصادر الطاقة؟ بل لنقل أي مصير للعالم، إذا لم يتجه نحو تحقيق النظام الجماهيرى، أي مصير ينتظر الانسان؟!

إن مفكري الإنسانية ملزمون بإيجاد اجابات لكل معضلة من هذه المعضلات ، وتحويل إسهاماتهم إلى منهج علمي يتلقاه مثقفونا بدل تلك الترهات التى أودت بحياة الانسان إلى الجحيم.. ان هذا هو الأمل الوحيد.

الجدل وقوانين الصراع

جدلية الصراع :

لقد كان للتجارب الانسانية فى مضمار الكفاح من أجل الحرية والتقدم الفضل الأول في صياغة مجمل الأفكار الدقيقة والشاملة التى احتواها الكتاب الأخضر. فهو يعتبر حلا أكيدا للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من حيث إنه نتاج جدلي للمعاناة التاريخية التي كابدها الناس عبر العصور في هذه الحياة. لقد أنتج الناس أفكارا عملية وأخرى نظرية فى أثناء معالجتهم لمشكلات الحياة اليومية التي وجدوا أنفسهم فى مواجهتها، ثم ما لبثوا أن طوروا أفكارهم هذه باخرى أفضل منها، أعمق وأشمل. وهكذا ينتج عن تراكم المعلومات وتطور الفكر قدرات جديدة على استيعاب المشكلات، وفعالية ملحوظة في معالجتها، وباعتبار أن الفكر إنجاز مادي لا يصدر عن فراغ كأي مادة، فان لأفكار الكتاب الأخضر مصدرها الواسع والغني في نضال البشر عبر الحقب من أجل تطوير وسائلهم لايجاد حياة أفضل و أرقى وأسعد.

(وهكذا أنتجت التجارب التاريخية تجربة جديدة كتتويج نهائي لكفاح الإنسان من أجل استكمال حريته وتحقيق سعادته بإشباع حاجاته ودفع استغلال غيره له ووضع حد نهائي للطغيان، وإيجاد طريقة لتوزيع ثروة المجتمع توزيعا عادلا). ولا يملك الناس أمام هذه التجربة الجديدة إلا التسليم بعمليتها وصدقها فهي تلح على عقولهم إلحاحا شديدا يتزايد كل يوم، ويعصف بكل رغبة في مقاومتها وإنكار صحتها، لأنها تطور طبيعي لحياة الإنسان يفرض نفسه وفق قاعدة جدلية واضحة مؤداها أن الصراع بين المتناقضات مستمر دون توقف حتى تترسخ العلاقة السليمة التي يضعها الإنسان ويقبلها. وحيث إن العلاقات التى تسود العالم هي علاقات خاطئة غير قابلة للبقاء بسبب اصطدامها مع طموحات الإنسان، وبسب رفضه لها رفضا جذريا يؤدي حتما إلى صراعه معها. وهكذا يوجد الصراع فى اللحظة التى توجد فيها علاقات ظالمة لا يقبلها الناس. وهو الأمر الذي سيؤدي إلى ظهور حل. إن إهدار حق طرف في المجتمع وممارسة الهيمنة عليه. أو محاولة طرف في المجتمع الاستئثار بالامتيازات المتاحة هي قواعد اجتماعية خاطئة تثير الصراع بين أطراف اجتماعية متناقضة المصلحة وبالتالي متناقضة الإرادة. كما أن محاولة مقاومة التطور الاجتماعي وكبت إرادة التغيير وكبح نوازع الابداع تعد قواعد اجتماعية ظالمة وخاطئة تدفع إلى نشوب صراع لا ينتهي إلا بانتهائها، وترسخ بديلها الذي يقبله المجتمع مقتنعا بصحته.

ومن هنا يتضح لنا أن حدوث الثورة. وتحقيق عمليات التغيير التي تليها ليسا إلا حلا لمشكل ينجم عن وجود علاقة جدلية بين ارادات بشرية متناقضة اندفعت إلى الصراع فيما بينها بهدف القضاء على أحدها وإفنائه ليفسح المجال للآخر على حسابه. إن تفجر الصراع ضد القواعد الظالمة في المجتمع البشري ليس شبيها باشعال عود الثقاب يتقد لحظة ثم ينطفئ إلى الأبد، بل إنه يتقد أبدا حتى في تلك اللحظات التي يتخيل فيها المراقب أن الصراع معدوم استنادا إلى ملاحظة مظاهر الهدوء التي تسود مجتمعا يرزح تحت وطأة القواعد الظالمة. فالناس لا يقبلون الظلم ولا يخضعون له ولكنهم لا ينفجرون في وجهه كل لحظة وإنما لذلك قانونه وقواعده العلمية التي تجب دراستها بتمعن ودقة.

إن معطيات عالميه وتاريخية أدت إلى صياغة النظرية الجماهيرية في الكتاب الأخضر فتحقق الحل النظري الذي سعى الانسان عصورا طويلة من اجل الوصول إليه، والذي بظهوره اعتبر المجتمع الجماهيرى نفسه على هذه القاعدة نتيجة جدلية لوجود علاقات ظالمة تسود الحياة الانسانية أدت إلى صراع فكري وعملي انتج في نهاية مطافه الحل الطبيعي المطلوب. ولقد انصب العمل العلمي في الكتاب الأخضر على استخلاص النتائج واستنتاج القوانين العلمية من مخاض انساني تاريخى امتد منذ بدء الخليقة حتى اليوم الذي صدر فيه الكتاب الأخضر فظهرت مقولاته وتحليلاته كحصاد تاريخى لموسم من المعاناة والتجارب والمجهودات التي بذلها الانسان في مجالات حياته المختلفة، وفي ميادين نشاطه المتعددة، تراكمت فوق بعضها حتى أوجدت وضعا قابلا للتغيير بحسب عدد من المعطيات التي تشكل أسبابا كافية لإفراز نتيجة منطقية صحيحة هي ما نسميه (الحل الجدلي) للمعضلة موضوع الصراع.

إن الرجعية والتقدمية يتناقضان جذريا شكلا ومضمونا، فكلاهما يعتنق أسلوبا علميا في التحليل يختلف عن الآخر، وكلاهما ينتهج اتجاها عمليا منافيا للاخر.

ففي حين تدافع الرجعية عن الاستغلال وتحاول الحفاظ على الركود العلمي بالقضاء على الحيوية الفكرية وبتدمير الحرية، فتتجه بذلك اتجاها يدعم التخلف والجهل والعسف، وينحو بالمجتمع منحى تراجعيا يقاوم التغيير والتطور، فان التقدمية تقاتل من أجل العدل والمساواة وتحاول حث المجهودات الانسانية من أجل تحقيق ما يجب أن يكون عليه الوضع الأمثل الجدير بالانسان، بالقضاء على الاستغلال، ومقاومة التخلف والجهل والعسف، وتنحو بالمجتمع الانساني منحى تطوريا تصاعديا يدعم التغيير إلى الأحسن ويحقق الطموحات الانسانية في الحرية والسعادة.

ومن هنا يصطدمان نظريا وعمليا على شكل مؤثر تخوضه إرادتان متناحرتان جدليا يؤدي في النهاية الى زوال الوضع القائم وظهور الحل. وعلى هذه الوتيرة يمكن قياس جميع الظواهر التاريخية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومعرفة نشوئها وتلاشيها، ومعرفة أسباب رسوخها أو فنائها. ففي العالم المعاصر حيث تسود علاقات الظلم والتخلف والرجعية يبرز تناقض عميق بين عدد من الارادات يدفع إلى ارادة صراع يحتدم كلما اشتد الوعي بالواقع لدى الناس.

وفي مرحلة عليا من الوعي يظهر الحل. ويصبح تحقيقه مجرد قضية إمكان. فإما أن يتحقق برغبة الجميع وتسليمهم لإرادة التغيير وتقبل الوضع الجديد، وإما أن يفرض الوضع الجديد نفسه بالثورة التى تحدث في ظل هذا الوضع بتخطيط وقصد المنفذين الواعين بالأسباب والنتائج.

وحتى لو فشل عدد من المحاولات التي تهدف إلى تطبيق الحل، فان السعي لتحقيقه لا يتوقف ما دام الوعي بضرورته قائما، ويستمر الوعي بضرورته قائما ما استمرت المعطيات الموجبة لذلك فى حياة الناس اليومية. إن الحتمية فى التغيير جدليا هي القابلية المنطقية لتحقيق الحل الصحيح الذي تتطلبه معطيات الواقع الاجتماعي، أما تحققه فعلا فيخضع لقرار انساني بالتنفيذ غير أن وجود قرار انساني بالتغيير لا يحدث دون توفر الأوضاع القابلة لإحداثه. وليس أمام أي باحث فى العلوم الانسانية إلا تبيان الضرورة التي تلزم عن الحاجة إلى إحداث بديل للوضع القائم. ويبقى تحقق البديل -مكانا وزمانا- متوقفا على قرار يتخذه الناس مدفوعين بعدد من الضغوطات الفكرية والنفسية والواقعية. ويتبين أن قرار التغيير خاضع لمستوى الوعي والثقافة، وعلى علاقة وثيقة بالظروف الحياتية التي يحياها المجتمع الانساني سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

إن التاريخ الانساني يوضح بجلاء تام، أن مراحل تاريخية معينة تطلبت إحداث تغيير في بنية المجتمع، وحين لم يحدث التغيير -بسبب عدم قيام الناس به- لم تنته الحاجة لوجوده، فكان أن تحقق عبر مراحل أخرى أطول، حين توفر له الجانب الانساني من شروط إحداثه.

كما أن مراحل تاريخية أخرى كانت غامضة، لم يكن وضعها جليا بالنسبة لدارسيها، لم يفاجأ أحد بحدوث تغييرات عميقة فيها، حين أدرك دارسوها توفر الشروط اللازمة لإحداث تلك التغييرات الجذرية فيها، وفي مقدمة هذه الشروط توفر الجانب الانساني القابل للتغيير والقادر عليه.

المرحلة البدائية :

ولو طبقنا هذه الجدلية وقوانين الصراع على تاريخ العالم لرسمنا لوحة أشد وضوحا لما نعيشه اليوم من علاقات معقدة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نتمكن من خلالها من معرفة نشأة المشكلات التى يعانيها العالم المعاصر وصيرورتها، وما سوف تنتهي إليه مستقبلا من أوضاع سيكون على البشر معايشتها رافضين وراغبين. وأولى هذه المراحل التاريخية ما نسميه بالمرحلة البدائية، فالبداية التقليدية -لدارسي التاريخ- تنطلق دائما من افتراض مرحلة بدائية سماها بعضهم -بكل قطعية لا مبرر لها- (الشيوعية البدائية ) اعتبرت نقطة البدء في التاريخ البشري، غير أن معلوماتنا عن هذه المرحلة تبين أن الجماعات البشرية فيها لم تكن منظمة إطلاقا.لم تنشأ بينها بعد علاقات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية معقدة. أو على الأقل لم توجد علاقات اقتصادية واضحة المعالم . فهي مرحلة بدائية لم يتحدد فيها بوضوح أي نوع من علاقات الإنتاج أو نماذج الاستغلال التي يمكن وصفها بأنها نظام. حتى أن إطلاق اسم (نظام الشيوعية البدائية) أو (الشيوعية الأولى) يعد خطأ في التصور وتجاوزا بعيدا في التحليل لاشك فيه. لا يدعمه إلا الخيال المجرد . حيث إن ظهور تصورات محددة عن الشيوعية أو الاشتراكية أو الرأسمالية أو الفوضوية أو غيرها قد تأخر حتى تنظمت المجتمعات البشرية، وتحددت قوالبها الاجتماعية بوضوح أكثر. نتجت عنه علاقات إنتاج تتحكم في الأفراد والجماعات تفجر الصراع بسببها بين الطبقات فلا ينطبق التصور الذي يقدمه المحللون الشيوعيون عن المجتمع الشيوعي على هذه المرحلة البدائية التي لا يجوز نفي وجودها من الأساس دون دليل علمي، حيث يرسمون صورة واضحة لمجتمع شديد التنظيم، يتمتع بقواعد ثابتة في سلوكياته جملة، ويضع لكل قاعدة منها شروطا، الأمر الذي لا يتوفر في مرحلة بدائية خالية من العمق والتعقيد. مع إمكان التسليم بوجود أساسات ساذجة وأولية للشيوعية أو الاشتراكية أو الرأسمالية أو الفوضوية أو غيرها، يمكن أن نجدها في الحياة البدائية التي عاشها الانسان البدائي تلقائيا دون تخطيط. فقد تكون إحدى الجماعات البدائية عاشت حياة شبيهة بالمشاعية. في حين عاشت جماعات بدائية أخرى حياة تشبه الرأسمالية أو الاشتراكية أو الفوضوية أو غيرها، مع تأكيد أنها أشباه بدائية خالية من القصد والتعقيد. غير أن التاريخ لم يتوقف عند تلك المرحلة البعيدة، بل استمر حتى يومنا هذا في حالات صراع بين متناقضات تزداد تعقيدا كل يوم. وفق جدل يتصاعد هو الآخر بحسب ازدياد تعقد أطرافه . واتضاح تمايزها بعضها من بعض.

وهو أمر يفترض ازدياد الوعي الفكري للجماعات البشرية ممايسهم بشكل مباشر في تأجيج الصراع بين إرادتهم ليفضي به حتما الى حل جديد.

الجدل والتاريخ السياسي :

مر المجتمع الانساني بمستويات وعي مختلفة. كان لكل منها شكله السياسي المميز والمختلف عن غيره. فقد قدر لنا أن نعرف من خلال دراستنا للتاريخ السياسي أن البشرية قد عرفت عصورا طويلة من الاستبداد الشخصي الذي يقوم به أفراد، يعتبر الواحد منهم إلها أو نصف إله يتحكم في البشر تحكما مطلقا دون أن يصدر ضده اعتراض ما من أي كان. لقد كان من حق الفرد المستبد إصدار أحكامه وقراراته دون الرجوع إلى أية قاعدة أو قرينة أو دليل باعتباره ظلا لله على الأرض، باعتباره إلها، أو باعتباره أذكى الناس وأحكمهم وأقدرهم وأشجعهم إلى آخر تلك الصفات التي تبرر له اتخاذ قراراته عشوائيا، دون السماح بصدور اعتراضات ضدها، غير أن ذلك صار أمرا سخيفا الان ولم يعد يقنع أحدا، برغم أنه لم ينته، فما زالت مظاهر عصر الاستبداد الفردي ماثلة في كل مكان إلا أنها انتقلت إلى طور جديد أكثر اقناعا. فقد ارتفع وعي الناس قدرا يمكنهم من اكتشاف فساد القاعدة التي تمكن على أساسها فرد واحد من السيطرة على المجتمع، فنشأت المعارضة ضد سلطته غير المحدودة، ولم يكن أمامه من سبيل إلا التنازل عن بعض امتيازاته واختصاصاته، ليتمكن من الحيلولة دون الانفجار الذي قد يفقده كل شىء. وهكذا عرف العالم هذا التطور الجديد الذي يتم فيه اختيار عدد من الأفراد، هم طليعة طبقة قوية لتشارك الفرد الدكتاتور بعض سلطاته. وقد كانت هذه الطليعة عبارة عن مجلس برلماني أو حكومة من حزب طليعي ينجح في الانتخابات، أو جماعة مستشارين يستعين بهم الحاكم المطلق لاسكات الأصوات التي قد تسمه بالظلم والفردية والقمع والدكتاتورية.

إن المرحلة الثانية هذه عبرت عن عصر كان مستهجنا فيه قيام فرد واحد بحكم الجماعة والهيمنة عليها ، فتحايل هذا الفرد على الجماعة بمشاركة نخبة له في بعض امتيازاته ليتمكن من الاستمرار في تسلطه على المجتمع وحكمه للجماهير الشعبية المقهورة بالاستغلال والعسف والتضليل.

غير أن عقل الناس لم يتوقف، وازداد وعيهم بما مكنهم من إدراك حقيقة عصر النخب والصفوة الطبقية، فنشأت المعارضة القوية للحكومة البرلمانية والحزبية، حتى بعد تطورها، لتصبح حكومة جبهوية عريضة يشارك فيها أغلب النخب والصفوة من الطبقات البعيدة في مجتمع العسف و الاستغلال التقليدي المعروف.

فمثلما انتقل وعي الناس من مرحلة الفرد الإله، الى مرحلة النخب والصفوة، تحقق تجاوز هذا العصر الأخير أيضا. ومن مظاهر تجاوزه أن جبهة الحكم تزداد اتساعا وكذلك جبهة المعارضة للحكم. واشتد الصراع بينهما حتى أنهما تزاحمتا على اجتذاب الأفراد العاديين البسطاء في الشارع باستخدام مختلف أساليب الدعاية والاغراء والتضليل، مما زاد آليا في وعي الجماهير الشعبية التى لم تعد تكتفي بمجلس النواب، أو بجبهة حكم عريضة من عدد كبير من الأحزاب. ولم تعد تكتفي باستشارتها في مهرجانات الاستفتاء التقليدية التى تقام وتنفض بغرض تمرير البرامج المعادية لها فى ظل ضجيج مطبق من الدعاية والدجل والتزييف.

إن الجماهير الشعبية في جميع أنحاء العالم تخرج الان من بيوتها لتحتج وترفض هيمنة جبهة أو جبهات على السلطة. وسيستمر رفضها ويزداد يوميا حتى تصل بنفسها إلى السلطة. لقد كان النظام السياسى في المرحلة الأولى ملكيا أو امبراطوريا ليتناسب مع التقديس الكبير لشخصية الملك أو الامبراطور التي يكتسب الناس مبرر وجودهم في خدمتها والتفاني فى الاخلاص لها.

أما في المرحلة الثانية فقد كان النظام السياسى جمهوريا ليتناسب مع سيطرة جمهور من الطبقات القوية على السلطة.

يتكون من نخبة أو طليعة أو حتى عدد من النخب والطلائع الطبقية التي تحكم الشعوب حكما ديكتاتوريا يمارس العسف والاستغلال.

أما في المرحلة الثالثة فإن وصول الجماهير الشعبية إلى السلطة وسقوط كافة الأدوات التسلطية عن كاهلها يؤدي إلى قيام الجماهيرية كنظام سياسي يناسب تحرر الجماهير وسيادتها على كافة مقدراتها المادية والمعنوية.

ان التاريخ السياسي يعلمنا بان كثيرا من رواسب المراحل السياسية السابقة ما زال حيا فى حياة الناس. فحتى يومنا هذا ما زلنا نرى أفرادا مقدسين يحكمون بنظرية التفويض الإلهي على الرغم من انقضاء العصر الذي كان الناس يصدقون فيه وجود ميزات خاصة تتوفر في أشخاص الحاكمين دون سواهم. كما أن عمر النخب والصفوات قد ولى هو الاخر، غير أن مظاهره مازالت باقية كرواسب سياسية واجتماعية يصعب على الناس التخلص منها بسبب استخدام القمع من أجل حمايتها والحفاظ عليها من قبل النخب الجمهورية المعادية لجماهير الشعبية.

بل إن كثيرا من مظاهر العصرين -الفردى والنخبوي- قد تم دمجها بحيث أنتجت نظما خليطا من سيطرة الفرد ومظاهر العصر البرلماني والانتخابى. فالملكية البرلمانية والجمهورية الديمقراطية أو النيابية، وحتى تلك الأنظمة الفاشية التى توجهها عصابات أو أفراد مجانين.. تتركب جميعها -كانظمة سياسية- من هيكل سياسي موحد فيها جميعا ومن قواعد ومبررات سياسية واحدة. غير أن ذلك لن يحول دون سقوطها تحت أقدام الجماهير الشعبية.

الوضع الراهن :

فلو طبقنا هذا الجدل المتصاعد على الأوضاع السياسية العالمية الراهنة لوجدنا أن الظروف التى خلقت النظام الرأسمالي هي التي أدت الى شطر نصفه ليصبح نظاما ماركسيا، غير أن غالبية البشر يقعون خارج النظامين معا، فدول العالم الثالث -وهي دول نامية يتركز فيها ثلاثة أرباع البشرية- ليست رأسمالية ولا ماركسية في غالبيتها على الرغم من انضواء بعضها تحت طائلة أحد النظامين. ولقد كافحت شعوب هذه البلدان كفاحا طويلا ضد الاستعمار الرأسمالي -الذي كان يحتلها ويمارس استغلالها واستعبادها- من أجل مطلب سياسي هو الاستقلال عن المحتل الاجنبي، وحين حازت استقلالها السياسي اكتشفت التناقض بين إرادتها وإرادة الاستعمار الرأسمالي فتحكمت في علاقتها به قوانين الصراع التي تعمل في ظل وجود المتناقضات على مسرح واحد.

ويمكن وصف ذلك جدليا بان هذه البلدان من خلال صراعها مع الاستعمار الرأسمالي صارت الرأسمالية مرفوضة لديها بسبب معاناتها الشديدة من جرائها. ولكنها في نفس الوقت لم تقبل الماركسية كحل لمشكلاتها. وهي حين أرادت التحرر من الاستعمار الرأسمالي دأبت على تطوير أوضاعها برفع مستوى المعيشة لسكانها بسلسة من الإجراءات الإصلاحية التي تقرب الفوارق ببن الطبقات . وقد أدى ذلك الى قيامها بتأميم المؤسسات الأجنبية التي تعمل في بلادها. كالشركات والمصارف وغيرها وهو الأمر الذي يعد تكملة للاستقلال السياسي. ويفهم خطأ بأنه توجه اشتراكي، في حين أن التأميم ليس سوى تحرير الممتلكات الوطنية من السيطرة الاستعمارية الأجنبية.

وهو وضع لا علاقة له بالاشتراكية، حيث إن الشركة المؤممة قد تقع في يد الرأسمالية المحلية فردا كانت أو دولة لتعمل على استغلال الكادحين مثلما كانت قبل تأميمها.

إن إجراءات إصلاحية مثل هذه ليست حركة تغيير جريئة تؤدي إلى ازالة النظام الطبقي القاهر الجاثم على صدور الكادحين، ولكنها مجرد تلفيق يحاول التقليل من حدة التفاوت الصارخ بين الطبقات.

وتنتهج هذه السياسة الإصلاحية التلفيقية دول تسمى نفسها اشتراكية، إذ تعلن عن هويتها إعلانا، في حين تنتهج أساليب تلفيقية متجنبة الحلول الجذرية الصحيحة لمشكلاتها، وعازفة عن الانضواء إلى أحد القطبين العالميين الكبيرين اللذين يشكلان طرفي المعادلة الجدلية، حيث يقف الرأسماليون في أقصى اليمين مرتكزين على قواعد ثابتة تستند إلى مبدئهم العتيد (دعه يعمل.. دعه يمر) الذي يعني حرية الاستغلال والكسب بلا حدود. وحيث يقف الماركسيون في أقصى اليسار التقليدي مرتكزين على مذهب عملاق من الناحية البنيوية يمنحه وجود الرأسمالية قوة، فهو يكتسب مبرراته من وجود نقيضه، فيتمكن من تقوية نفسه و تحدي خصمه. وإذ يشكل النقيض خطرا على نقيضه فانه في نفس الوقت يشكل مبررا لوجوده. ويكتسب النظامان جاذبية وبريقا من استنادهما الى قوة اقتصادية وعسكرية عملاقة في العالم، حيث يتقاسمان الكرة الأرضية بحلفيهما العسكريين السياسيين اللذين بنيا بغرض إدارة صرع يحتدم على مستوى العالم كله. وإن الخوف والقلق يخيمان على البشر من جراء احتمالات تفجر الصراع بشكل اشد. وتخشى الأنظمة الإصلاحية التلفيقية خصوصا مغبة تفوق أحد الخصمين. حيث العالم كله في ظل العملاقين مما يدفعه إلى الاقتراب من أحدهما للاحتماء به ودرء خطر الاخر.. وهو الأمر الذي لجأت إليه دول عديدة من دول العالم الثالث. وجدير بالملاحظة أن أنظمة إصلاحية عديدة من العالم الثالث تذوب بفعل هيمنة النظامين وجاذبيتهما وبفعل افلاسها العقائدي، فيصبح بعضها رأسماليا وبعضها الآخر ماركسيا، حيث تلجأ إلى الأخذ بمقولات جاهزة في محاولة منها للحفاظ على بقائها واستمراريتها التي لا تستطيع ضمانها بحل تلفيقي مؤقت سرعان ما يفقد بريقه ومبرراته لتجتاحه الثورة قاذفة به إلى عالم العدم والنسيان.

إنه المصير المحتوم لأنظمة العالم الثالث تلك التي تحاول أن تصمد للضغوط الموضوعية فلا تتكيف، بل تتمحور في أحد طرفي المعادلة الجدلية. وتستمر تلفق اقتباساتها منهما معا دون أن تكون طرفا بديلا منهما، أو دون أن تشكل نقيضا جدليا مكافئا في الصراع لهما. وهكذا يتحدد الصراع جدليا بين نقيضين لينتج من خلاله الحل الثالث الكامن جدليا فيهما. ويتولد هذا الحل، إضافة للجدل القائم بين النقيضين كنتيجة لعدد من المقدمات التي تكون أطراف المعادلة الجدلية. وانطلاقا مما تقدم، يصبح بامكاننا رسم لوحة واضحة للعالم المعاصر، وتوضيح الأوضاع الراهنة المعاشة بصورة علمية جدا.

ولان الرأسمالية تناقض الماركسية تبقى مشكلات الانسانية المزمنة تبعا لذلك دون حل. فلو استعضنا عن ذلك التناقض بالمعادلة الآتية:

(2×2=؟) نرى أن فيها طرفين متناقضين دون تبيان النتيجة التي لا يمكن أن نكون اعتبارية هنا. فنتائج المعطيات المتوفرة في هذه المعادلة أصلا لابد أن يكون (4) بدلا من إشارة الاستفهام المعبرة عن الغموض والتي قد تعنى أي شيء، فالنتيجة لا يمكن أن تكون الا (4) إذ لا مجال للخيال أو الوهم أو الافتراض.

ولا مجال أيضا لأن نتساءل موضوعيا عن مسالة الاختيار العلمي والعقائدي بين الرأسمالية أو الماركسية أو الحل الثالث، لأن ذلك يعد جهلا بالمنطق الصحيح الذي ترتب على القانون الجدلي، حيث إن حتمية تحليل الأفكار الرأسمالية والماركسية لابد أن تنتج لنا (الكتاب الأخضر)، إذ من غير المفيد اقتصار التحليل على مساوئ النظامين ومزاياهما بشكل أكاديمي بحث دون محاولة الوصول إلى نتيجة هذا التحليل التي ستكون حتما المجتمع الجماهيري.

إن الرأسمالية نظام يقوم على (الحرية) بمبدئه البراق (المنافسة الحرة) التي تستخدمها حجة في وجه النقد الموجه ضدها.. فالرأسمالية ترى أنها قد منحت الحرية للضدين معا. فهي لم تجبر العبيد على العبودية، ولكن القواعد الطبيعية أدت إلى انتصار السادة عليهم. فالغنى والفقر مسالة طبيعية، والأغنياء هم أولئك الحذاق والأذكياء الذين تمكنوا من استغلال غيرهم وانتهاز الفرص التي أتيحت لهم. والفقراء ليسوا مجبورين جبرا على الخضوع لهم ويمكنهم المقاومة، لعل القواعد الطبيعية ترحمهم فتحمل بعضهم إلى مصاف أسيادهم الذين قد يهبط بعضهم إلى مصاف العبيد.

إن النظام الرأسمالي يتبجح كثيرا بحرية مزعومة منحت للضدين معا. فهو لا يتدخل في أسعار السلع التي بجب أن تحددها القواعد الطبيعية. فقاعدة العرض والطلب والندرة والوفرة هي المسؤولة عن مثل هذه المسألة وإن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي يلحق أضرارا بالغة بالنظام الاجتماعي ويشل عمل القواعد الطبيعية.

غير ان أي محلل يستطيع أن يصل بسهولة الى ان مبدأ (المنافسة الحرة) يقود إلى نتيجة حتمية واحدة، هي سقوط غير القادرين على المنافسة وبقاء القادرين عليها، أي ظهور نظام طبقي يسوده الرأسماليون الذين تحكموا في المال. وأخضعوا لمشيئتهم أولئك الذين خسروا المنافسة كعبيد لمصلحتهم، فانهم يسيطرون بلا نهاية على المجتمع كله في جميع مجالات الحياة.

يسيطرون على السلطة من خلال أموالهم التي توجه الانتخابات وتحدد مصير الأحزاب المتصارعة على السلطة اذ من المتعارف عليه في المجتمع الرأسمالي ان الانتخابات السياسية تحسم بين كبار الرأسماليين. فمن يتحالف مع كمية نقود أكثر يتفوق على خصومه السياسيين ويسقطهم. وهكذا فالرئيس الأمريكي مثلا هو نتاج الأموال التي دخلت الانتخابات. وبالتالي هو نتاج قرار رأسمالي يقضي باختياره رئيسا على الشعب يمثل مصالح الرأسمالية وأطماعها في العالم.

وحتى إذا كانت قاعدة (المنافسة الحرة) تعطي الحق لجميع الأمريكيين بترشيح أنفسهم للرئاسة فإن الذي يدخل فعلا إلى (معركة الانتخابات) هم الرأسماليون أو المتحالفون معهم.

وحين تتنافس شركات كبيرة وأخرى صغيرة فإن المنافسة -لاشك- تنتهي بالتهام الشركة الكبيرة للصغيرة. فالمعركة دائما غير متكافئة حسب الشروط الرأسمالية التي تدعي الانسجام مع القواعد الطبيعية. والنتيجة -سياسيا او اقتصاديا أو اجتماعيا- تكون دائما بوجود طبقتين، سادة وعبيد، مستغلين ومستغلين، حكام ومحكومين، رأسماليين وعمال.. وانطلاقا من هذه النتيجة رفض الماركسيون الرأسمالية فاختفى بذلك بريق المنافسة غير المتكافئة التي تنتج في نهاية المطاف حياة ظالمة يتعذب فيها أغلب الناس لتعيش قلة منهم حياة مترفة باذخة.

وقد حلل ماركس المجتمع الرأسمالي فرفض الأوضاع الاجتماعية التي يؤدي إليها ، ودعا الى ثورة البروليتاريا. حيث يحطم العبيد صرح سادتهم الذين يستغلونهم، ليصبح المجتمع الجديد طبقة واحدة ولينتهي -كما ادعى- الصراع فيها نهائيا.

فقد لاحظ أن العلاقة بين العمال وأصحاب رأس المال هى علاقة صراع، وإن هذا الصراع سينتج وضعا جديدا يعتبر حلا للمعضلة التاريخية التى حاول علاجها. فاعتقد بان الحل الجديد سيكون سيادة طبقة البروليتاريا، غير أنه لم يكن فى نتائجه هذه مخلصا للجدل المادي الذى اعتمده منهجا للتحليل. فاذا أردنا الحكم علميا نكتشف أن حله هذا مخالف لجدله الذي يقول بان القضية ونقيضها يلدان كنتيجة لتفاعلهما تركيبا جديدا يختلف عنهما.

فاذا كان الفرض (القضية) أبيض، وكان نقيضه أحمر فان النتيجة جدليا لاتكون أيا منهما، ولكنها تجمع اللونين معا وتتقدم عليهما وتفضلهما.

ولكن ماركس انتهج منطقا جدليا يغلب طبقة البروليتاريا ويمكنها من تحطيم الطبقة الرأسمالية، ليثبت أن الصراع الطبقي سيؤدي بالبشرية إلى الشيوعية. فوفقا لمنطقه الجدلي، ينتهي الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية بقيام الشيوعية، غير أنه يوقف منطقه الجدلي عند هذا الحد، دون أن يخلق للشيوعية نقيضا يسمح للتاريخ بالحركة حسب القواعد الجدلية المعلومة. وقد اعتبر هذا الموقف خطأ منطقيا أضيف إلى خطئه السابق بشأن نتيجة الصراع بين العمال والرأسماليين.

فلقد فرض -غصبا عن الجدلية- المجتمع العمالي الذي أراد له أن يحل محل الرأسمالية، مبينا أن انتصار البروليتاريا سيسمح بظهور مجتمع اشتراكي ذي طبقة واحدة مما يؤدي إلى زوال الصراع. فالطبقة لن تصارع نفسها.

يجب أن نتفق مع الماركسية في أن المنافسة الرأسمالية أدت إلى الاستغلال وانقسم المجتمع على ضوء ذلك إلى طبقتين (رأسماليين وعمال)، إلى سادة وعبيد ، وأغنياء وفقراء، إلى حكام ومحكومين، فتفجرت فى داخله البطالة والاضرابات والقمع وقتل الديمقراطية. وأصبحت السلطة السياسية نتاجا لرأس المال، وفسد المجتمع الرأسمالى وتعفن فعلا، حتى عمت الحروب والدمار والاستغلال العالم كله فصار النظام الرأسمالي مرفوضا جملة وتفصيلا وبرز على حسابه نقيضه -الماركسية- فلماذا لا نأخذ بهذا النقيض الذي يقدم نفسه كبديل لنقيضه؟

نقض أساس الماركسية جدليا :

للماركسية ثلاث قواعد تستند اليها:

الأولى : هي التحليل الذي اعتمده ماركس ولم يكن كله من بنات أفكاره، بل إن أغلبه موجود أصلا في البناء الفكري للرأسمالية وقد قدمه على هيئة نقد للرأسمالية. يتفق حوله أغلب ناقديها وليس ثمة اعتراض هام على تحليلاته الخاصة. فكل ما قاله عن الرأسمالية يصح فيها بالفعل، وله مبرره العلمي الكافي في ذلك، لأنه حلل الواقع.

والثانية: هي هدف ماركس وحلمه الذي سعى إليه، حيث أعلن عن أمله في أن يتمكن من تقديم ما يؤدي إلى خلاص البشرية من الاستغلال.

والثالثة: هي الحل الذي وضعه اعتمادا على تحليلاته وتمثلا لهدفه المشار إليه.

إن التحليل الذي قدمه ماركس صحيح الى حد بعيد وليس هناك اعتراضات قوية ضده. وكذلك هدفه الذي سعى إليه، لا يخالفه فيه أحد من الناس، والعالم كله سوف يبتهج إذا تخلص من الاستغلال، لكن الحل الذي قدمه كان خاطئا لأنه لا يؤدي إلى الهدف الذي سعى إليه.

إن الاستغلال موجود، وإن مجمل العلاقات الرأسمالية هي علاقات استغلالية وظالمة.. ويمكن أن يتفق العالم كله على هذه النتيجة. غير أن الأوضاع لا تسير حسب الاتجاه الذي تحدده الماركسية لها. فالاتجاه الذي تسير فيه العلاقات بين البشر يخالف ما تحدد فيها، مما يدفعنا إلى القول بأن الاتجاه الذي سارت فيه لا يؤدي إلى هدفها رغم انطلاقها من تحليل واقعي للرأسمالية فالمجتمع البشرى ينقسم إلى قسمين.. رأسمالي وماركسي، لا يصل أي منهما إلى الحل. ولكن العلاقة الجدلية بينهما تؤدي إلى ظهور أطروحة جديدة تكون هي الحل. ويتضح لنا الخلل الذي حال دون وصول الماركسية إلى الحل، بمجرد معرفتنا أن ماركس لم يلتزم موضوعيا بما يفرضه عليه جدله، حيث أناط بطبقة العمال القضاء على الطبقة الرأسمالية، في الوقت الذي يجب فيه جدليا ظهور وضع ثالث ليس الرأسمالية ولا العمال. أما افتراضه انتصار العمال وقيام مجتمع الطبقة الواحدة الخالي من الصراع، فهو قفز فوق الجدل الذي اعتمده، فاضافة إلى أنه غير منطقي، من حيث إن القاعدة الجدلية الباهرة التي تحكم الصراع الاجتماعي تبين أن طبقة مثل هذه ترث المجتمع -حتى لو نجحت في تصفية خصمها الطبقي- ستكتسب جملة صفاته، فتصبح بذاتها مجتمعا جديدا مكونا من عدد من الطبقات المتصارعة فيما بينها.

ومع ذلك، يجب أن نتساءل عن حقيقة انتصار العمال وسيادتهم في المجتمع، ويجب أن نعلم موضوعيا صدق هذا الطرح في الواقع.

فطبقة العمال قد تمت الاستعاضة عنها بالحزب الحاكم الذي يشرف على تصفية المجتمع لجعله طبقة واحدة، ثم ايصاله إلى الشيوعية شريطة إحكام سيطرته الكاملة على مقدرات المجتمع جملة وتفصيلا -بما في ذلك العمال أنفسهم- ليفرض ديكتاتورية سياسية وليصبح رب عمل بديلا من الرأسمالية. فنتيجة لما يعرف (بالثورة البوليتارية) اصبح المجتمع -نظريا- طبقة واحدة. ولكن هذه الطبقة لم تسد في المجتمع، بل ساد بدلا عنها حزب طليعي يعتقد بأنه طليعتها وأنه وحده يعرف الطريق إلى اضمحلال الدولة وتلاشيها، ومن ثم سيادة الشعب، وبالتالي قيام الفردوس الأرضي بتدشين الحياة الشيوعية.. الحلم الذي راود بشرا عديدين عبر التاريخ، حلموا بزوال الاستغلال وتحطيم القيود من أجل سعادة الجماهير الشعبية.

غير أن حكومة الحزب هذه ترسخ مزيدا من العبودية وتنفخ الحياة من جديد في أداة ديكتاتورية مرفوضة ديمقراطيا، تهيمن على الشعب، الذي ربما صار طبقة عمال، وترفض أن يمارس اي قدر من الحرية حتى لا يفسد الطريق إلى الشيوعية! أو خوفا من الوقوع مجددا بين براثن الرأسمالية، وهى أسباب لا تعدو أن تكون مبررا لاقامة ديكتاتورية أبدية من هذا الطراز.

حقيقة الحزب الطليعي :

هو منظمة تدعي أنها تمثل طبقة ما، وأنها مقدمتها التى تصنع انتصارها وتحتكر ذلك لنفسها ولاتسمح به لأية جهة أخرى حتى ولو كانت الطبقة المعنية نفسها. فالحزب الطليعي لا يسمح بوجود حزب آخر معه، ولا يستطيع السماح بحرية الشعب. لانه إن سمح بشيء من هذا ضعفت قبضته الحديدية على المجتمع وفشل مسعاه الذي يطلبه. وربما أدى ذلك الى ظهور الرأسمالية لتعود البرجوازية التي تحكمها بالمجتمع من جديد، مما يعني فشل الثورة التي دفعت البروليتاريا وطليعتها المتمثلة بالحزب ثمنا باهظا من أجل إنجاحها، وحتى لا يحدث ذلك فإن ديكتاتورية مرحلية قاسية -حسب ظنهم- ستفرض نفسها على الواقع. غير أن مبررات كهذه لاقامة ديكتاتورية لا يمكن أن تجعل الدكتاتورية مرحلية، بل ستمتد بلا حدود في التاريخ لتصبح ديكتاتورية أبدية تبطش بيد من حديد بكل من تسول له نفسه الخروج عن طاعتها، أو الميل قيد أنملة عن خطها المعلم بالنار والدماء. فليس صدفة أن يتخذ هذا الحزب الطليعي اللون الأحمر لونا رسميا له. فتصبح حمرة الدم علما عليه، ويعرف الناس أن شعاراته وعلاماته، ومقولاته حمراء، بل إن ذلك لسبب وجيه يتعلق بموقفه من الخصوم السياسيين والمخالفين والايديولوجيين والمطالبين بالمطالب المخالفة لبرنامج الحزب و اطروحاته الفكرية حتى ولو كانوا أعضاء بالحزب نفسه، إذ أن خلافهم هذا يعتبر ردة منكرة تواجه بالعنف الثوري، الذي يصل إلى التصفية الجسدية.

إن جميع مراحل العنف -فى نظرهم- لها ما يبررها في مواجهة المخالفين والمنشقين والمنحرفين، فهي دفاع مشروع عن هدف إنساني سام يسعى البشر عبر التاريخ إلى تحقيقه وهو قيام الشيوعية.

ويؤدي هذا إلى قيام ديكتاتورية غير محدودة الأجل، وهو أمر مرفوض سياسيا، فالحزب الطليعي الذى يستمر مسيطرا على المجتمع إلى أن يتحقق هدفه الذي لا يمكن أن يتحقق بالطريقة التي ينتهجها، يعني أنه سيستمر مسيطرا إلى الأبد، لأنه لن يعرف طريقا إلى تحقيق هدفه.

فهل يستطيع أحد الاجابة عن سؤال نصه: متى تتحقق الشيوعية؟

يقول ماركس في إجابته عن هذا السؤال: إنه لا يعلم الوقت الذى تتحقق فيه الشيوعية، ولكنها تتحقق كنتيجة لاطراد التقدم، فاذا واصل المجتمع طريقه بالشكل الذي يرسمه الحزب، فانه يصل فى نهاية المطاف إلى الشيوعية وهكذا فان استمرار حكم الحزب لانهاية له.

إن الاجابة المقبولة منطقيا والتي تقول بها الماركسية إجابة عن هذا السؤال تتلخص فى أن الشيوعية تتحقق عندما يتحقق الرخاء والوفرة، أى عندما يتكدس الانتاج. ويتكدس الانتاج عندما يبذل كل فرد في المجتمع الاشتراكي جهدا مضاعفا لصالح المجتمع. ولا ينال إلا حاجته الماسة، فيتحقق المبدأ الشيوعي المشهور (من كل حسب جهده، ولكل حسب حاجته). فبعد رحلة طويلة من العناء والجهد تتكدس الحاجات بوفرة ورخاء كملكية عامة للمجتمع. حيث يعمل كل فرد ويضيف إنتاجه الى الكدس، ولا ينال منه الا ما يشبع حاجته فعلا. وعند هذا الحد يتخلص المجتمع من القيود وتتحرر حياة الناس فلا نظام ولا دولة ولا اية علاقة تربط الأفراد ببعضهم أو تجبرهم على الخضوع لها.

غير أن ثمة أسئلة يمكن إثارتها في هذا الصدد، مثلا:

مظاهر الأزمة :

– هل يمكن أن تصل المجتمعات البشرية إلى هذه المرحلة التى يلتزم فيها الانسان بوضع إنتاجه تحت تصرف المجتمع ولا ينال من إنتاج المجتمع إلا ما يكفي لاشباع حاجته فقط؟

– إذا تكدس الانتاج وتحققت الوفرة -بمعجزة ما- هل من المعقول او الواقعي أن يكتفي جميع الأفراد في المجتمع بحاجاتهم فقط دون أية زيادة، خاصة وهم يفعلون هذا دون رقابة من أحد؟

– وهل تساعد قيادة الحزب الطليعي المجتمع على تكديس الانتاج، وتحقيق الشيوعية، واضمحلال الدولة وتلاشيها في النهاية؟ أي هل يساعد الحزب الطليعي في إنهاء نفسه وتلاشي سيطرته على المجتمع؟

– كيف تنتهي الدولة التي يمثلها حزب حاكم مسيطر بيد حديدية على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟

لقد تبين وجود تناقض عميق بين فكرة تلاشي الدولة هذه والممارسة التي يمارسها حزب طليعي لترسيخ حكمه بتقوية نفسه وتشديد قبضته على الشعب.

فقد عبر ستالين عن ذلك حين قرر أن الدولة الاشتراكية قبل أن تختفي يجب أن تصبح أقوى دولة في العالم. ولعله من الواضح أن تناقضا ينشأ هنا بين الرغبة في إنهاء الدولة وبين تقويتها لتصبح أقوى دولة في العالم.

إن القول بأن الماركسية تقوم على زوال الدولة القومية ليصبح العالم دولة واحدة -بعد انتهاء القوميات والأديان- يتولى العمال حكمها في جميع أنحاء العالم يوحدهم شعارهم المعلن (يا عمال العالم! اتحدوا!)، لا يفسر التناقض الذي يزيده غموضا إصرار ستالين على أن (الدولة الروسية) قبل اختفائها يجب أن تكون أقوى دولة في العالم.

من المؤكد أن الدولة التي يكونها حزب طليعي يسيطر فيها على المجتمع من خلال سيطرته على السلطة، ويكتسب مبرر استمرار حكمه من هدف غير محدود في الزمان هي دولة لا تختفي ولا تضمحل ولا تتلاشى أينما نشأت في أي مكان من قارات العالم وفي أي زمان. – ويصبح هذا أكثر وضوحا حين نعرف أن الدولة تزداد قوتها كل يوم على حساب الشعب الذي يفقد حريته نهائيا، ويرضخ لجبروتها المتنامي مقهورا ويعدم أية وسيلة لمقاومتها.

أما ما يخص مسألة تكديس الانتاج وتحقيق الرخاء، فان الواقع أثبت لنا أن الانتاج لم يتكدس في أية دولة، بسبب استنزافه بشكل مكثف ومستمر في مجالات عديدة معروفة. وفي سباق القوة الذي تخوضه الدول بحماس كبير فيما بينها. ثم إن افاقا جديدة تفتح باستمرار تلتهم مزيدا من الانتاج مما يجعل تحقيق وفرة الانتاج وتكديسه معضلة صعبة وتستهدف حاليا البرامج الاقتصادية للدول تحقيق حد أدنى من الانتاج لمواجهة العجز الكبير في برامجها الاقتصادية، ولتخفيف اثار المشكلات الاقتصادية الحادة التي ج تواجهها الشعوب من بطالة ونقص في الغذاء ومصادر الطاقة وغيرها.

إن كافة الدراسات الاقتصادية والاحصاءات التي تنشر من فترة إلى اخرى، ومنذ بعيد قد أثبتت هذه الحقيقة.

معضلة الحاجات :

من المستحيل اكتفاء الدولة التي يقيمها الحزب الطليعي، ولكن لنفترض جدلا أن ذلك قد تحقق وتكدس الانتاج أيضا، فهل ينال كل فرد في ذلك المجتمع حسب حاجته، لتتحق المعجزة الشيوعية المنوه عنها؟.

فمثلا يتكون المجتمع من عدد غير قليل من الأفراد (أ، ب، ج، د…)

1. (أ) مواطن أنتج وحدة إشباع واحدة بحسب جهده ويحتاج لاشباع حاجاته خمس وحدات إشباع بحسب حاجته.

2. (ب) مواطن أنتج ست وحدات اشباع حسب جهده واستهلك وحدة إشباع واحدة حسب حاجته.

والمطلوب هو أن ينال (أ) حاجته، وأن يتنازل (ب) عن انتاجه بلا مقابل بعد أن أنتجه بلا مقابل، وبلا أي حافز منذ البداية.

وبناء على القاعدة التي تقول (من كل حسب جهده ولكل حسب حاجته)، يجب أن يتحقق المطلوب.

إلا أن هذا الطرح لا يمكنه الصمود فى وجه التحليل العلمي، حيث يتضح من السرد الذي أوردناه ان الشيوعية -بهذا المنهج- اطروحة باطلة من أساسها لأن قيامها يشرط الوصول إلى عدد من الفرضيات التي تعتبر مستحيلة.

فلكي يتحقق الحلم الشيوعي لابد من :

أ- أن يتكدس الانتاج ليتحقق الرخاء والوفرة.

ب- أن تختفي الدولة وتعم الحرية بلا رقيب ولا حسيب.

ج- وأن يعمل كل حسب جهده، وينال حسب حاجته فقط.

ومهما كانت الطريق التي تحمل البشر إلى الشيوعية صعبة ودموية وعنيفة، إلا أن هذه الفرضيات تبدو جميلة وحسنة في بعض جوانبها، لولا أن ذلك درب عقيم لا فائدة فيه ولا طائل تحته.

فحين تعيش في مجتمع يتكدس فيه كل شيء، وتاخذ ما تحتاجه فقط دون زيادة، ثم تذهب لتنتج ما تستطيع انتاجه حسب جهدك لمصلحة المجتمع. يعني ذلك أنك إنسان لا مثيل له في العالم الذي نلمسه، وربما نقول لا مثيل له فى المخلوقات جميعا فأنت إما ملاك وإما أبعد من ذلك عقلا وروحا.

ويبدو ذلك جميلا في شكله الذي أوضحناه به ، غير أن في أساسه قضية خاسرة أو دعوى باطلة لا تستند إلى حقيقة، أو هو -كالعنقاء-، مستحيل تأرجح في خيال الناس عصورا. دون أن يجد له مصداقا ينطبق عليه في الواقع.

ومثلما العنقاء مفهوم لا ينطبق على شيء في الطبيعة، فكذلك الشيوعية التي تصفها الماركسية فهي قضية باطلة بلا جذور وليست من صلب الحل الذي تقدمه على الرغم من قولها بتكدس الانتاج وزوال الدولة وتحرر الانسان من سطوتها.

وبهذا نصل جدليا إلى حل ثالث هو النتيجة الحتمية للعلاقات الظالمة السائدة في المجتمعات البشرية، وهو النتاج الطبيعي لمعاناة الانسان المستمرة وفشل الحلول المطروحة في الاستجابة لها.

إن أخطر علاقة ظالمة وأهمها في العالم المعاصر تتمثل فى نظام الأجرة، حيث إن جميع المنتجين وفى مقدمتهم العمال هم أجراء في النظام الرأسمالي، يتحكم أرباب العمل الرأسماليون في إنتاجهم مقابل اجرة. وعندما أرادت الماركسية تحريرهم حولتهم إلى أجراء لدى الدولة الماركسية، وحين تغير صاحب العمل لم يتغير وضعهم. وقد بدأت الاضرابات والمظاهرات العمالية تحدث في دول ماركسية مما يعني وجود استغلال للعمال نتج عنه تذمرهم وتمردهم. فالدولة رب عمل جديد يستغل الشغيلة التي لا تملك إلا الرفض. وهذا دليل على أن المشكلة لم تحل بعد.

إن الربح في الدولة الرأسمالية -كما يقول الماركسيون- يعود إلى خزينة رب العمل الرأسمالي بشكل شخصي لينفقه على نفسه وعلى أسرته. ولكنه في الدولة الماركسية يؤخذ من العمال لتنفقه الدولة على نفسها ومشروعاتها، وحجتها فى ذلك أن الربح لا يعود ليد شخص بعينه وإنما يعود لكل المجتمع بمن فيه العمال. وهذا صحيح صوريا، ولكنه خطأ عمليا، إذ يبدو من الناحية الصورية أن الأرباح فى القطاع العام لا تعود إلى جيب وزير أو نائب أو مسؤول بل من المفروض أنها تعود للمجتمع. غير أن هذا لا يتحقق عمليا، فالعامل مثلا يستأجر منزلا لأسرته أو حتى حجرة ويقبض راتبا يمثل الحد الأدنى ويطلب منه العمل بكل جهده لكي يتكدس الانتاج من أجل الشيوعية.

لقد جد شيء واحد هو القضاء على البطالة التى تفتك بالنظام الرأسمالي، والبطالة معضلة تستحق أن نعرف أسبابها وأثرها في الحياة الاجتماعية وأن نحدد الطريق التى تم بها علاجها في النظام الماركسي.

إن فرص العمل في النظام الرأسمالي لا تتساوى أمام جميع طالبي العمل، فوفقا لمبدأ (المنافسة الحرة) يجد بعض العمال فرصا أكثر باعتدائهم على فرص غيرهم الذين لا يجدون أية فرصة عمل على الاطلاق.

ولكن فرص العمل في النظام الماركسي تتساوى أمام جميع طالبي العمل فيلتقون جميعا عند الحد الأدنى الممكن وهذا يفسر وجود أغنياء وفقراء مترفين ومحرومين في ظل النظام الرأسمالي بينما في النظام الماركسي لا نجد إلا عمالا فقراء يعيشون على الكفاف حيث تتوفر أمام العامل فرصة عمل واحدة، وليس هناك عامل لا يجدها. في حين أن ملايين العمال يتعطلون عن العمل ولا يجدون أية فرصة في النظام الرأسمالي.

فالعمال في الماركسية لا يعانون بطالة. ولكنهم فقراء يعيشون على الكفاف ويعملون بالحد الأدنى من الأجور وهو سبب توفر فرص العمل للجميع. فالعامل في المجتمع الماركسي ينتج مثلا ما يساوي عشر وحدات إشباع، ولكنه يأخذ منها واحدة فقط، وما تبقى يؤخذ منه للدولة دونما خيار بحجة ان ذلك أمر ايديولوجي أو لأنه مقرر في برنامج الحزب لتتمكن معه الدولة من مواجهة الظروف، أو ليتكدس الانتاج من أجل إقامة الشيوعية. ولكن هل تبقى وحدات الاشباع التي تنتزع من العمال مكدسة لأجل إقامة الشيوعية؟ إن الواقع يخالف هذا القول، لأن الأموال توظف في سباق التسلح وفي برامج الفضاء وإنتاج الأقمار الصناعية الخ.. فوق ذلك كله تأكل برامج الدولة العادية والتزاماتها الخاصة الوحدات المكدسة.

وعلى الرغم من أن فرص العمل غير متساوية في الرأسمالية، فإن العمال الحاصلين على فرص عمل يتم استغلاهم بكل قسوة، فالعامل الذى ينتج عشر وحدات إشباع يأخذ وحدة واحدة، لأن الوحدات الباقية تنزع منه لمصلحة رب العمل الرأسمالي.

وهكذا يتشابه الوضع، بل يتطابق تماما في أغلب تفصيلاته بين النظامين. فوضع العمال لم يتغير مع أرباب العمال الرأسماليين الذين يجبرونهم على العمل عددا معينا من الساعات، ويدفعون لهم أجرة تقل عن عملهم ليكون الفرق ربحا لأرباب العمل. فالربح على كل حال من تشغيل العمال بأجرة أقل من ثمن إنتاجهم، حتى في الدولة الماركسية يجبرون على العمل بنفس القاعدة التي هي نظام الأجرة ولكن بحجة مختلفة هي ضرورة تكديس الانتاج سعيا لتحقيق الشيوعية.

إن الفرق الوحيد بين النظاميين كما اوضحنا هو عدم وجود بطالة بين العمال في النظام الماركسي مع عيشهم على الكفاف ورضاهم بالحد الأدنى من الأجور.

وعلى كل حال، هو وضع أفضل من الوضع الرأسمالي حيث ينعم برغد العيش عدد قليلا من الناس، بينما الغالبية محرومة منه. وهو حسب رأي الماركسيين أفضل من الرأسمالية، فهم يقولون: (لأن تعيش مجموعة أسر في بيت واحد، أفضل من أن تعيش أسرة واحدة في البيت نفسه وتبقى بقية الأسر بلا مأوى).

مثال على توزيع فرص العمل في النظامين :

إذا وجد مائة عامل يحتاجون للعمل في دولة ماركسية وكان لديها ما يساوي مائة دينار مخصصة للأجور، فان أجرة كل عامل هي دينار واحد شريطة أن يعملوا جميعا فلا يبقى أحد دون عمل، أما في الدولة الرأسمالية فيمكن مثلا تشغيل اثنين منهم بأجرة مقدارها خمسون دينارا، أو أربعة بأجرة مقدارها خمسة وعشرون دينارا فيبقى بقية العمال دون عمل، وحتى حين تختفي البطالة من المجتمع الماركسي فان استغلال العمال لم يختف، فالعامل ليس حرا في تحديد ما يؤخذ من إنتاجه ولا يمكن تقرير ما يستخدم فيه، فهو لا يحكم لأن تلك صلاحية الحزب الحاكم.. وهذا وضع مماثل لوضع العمال في الرأسمالية، حيث يكون أرباب العمل أحرارا في المقدار الذي يغتصبونه من انتاج العمال في صورة أرباح لهم. ولا يستطيع العمل التدخل في تصرف الرأسماليين بالأرباح فهم ليسوا شركاءهم بل أجراؤهم وعبيدهم. فالمال حق الرأسمالي يتصرف فيه كيف يريد، ولا يستطيع العامل أن يطلب إقامة مشروع لفائدته الخاصة أو لفائدة المجتمع كبناء مستشفى مثلا وبالرغم من أن المال مال العمال انتزع منهم ظلما وسرقة، وكذلك ليس بمقدورهم الاعتراض على تصرف الرأسماليين فيه كانفاقه في السياحة أو شراء الطائرات الخاصة بهم أو حتى فقده في لعب القمار.

إن وضع العمال في الماركسية مطابق لوضعهم في الرأسمالية، حتى أن المظهر الديمقراطي في الماركسية يقتصر على قيام الجماهير بالاختيار داخل قائمة يقدمها الحزب نفسه، وهذا يعني أن المسئولين والحكام ولجان الادارة معينون تعيينا فوقيا من قبل الحزب الحاكم ليحكموا الجماهير.

وهكذا فان الأجراء لا يشاركون في السلطة، ولا يأخذون إنتاجهم، بل ينالون أجرة أقل مما ينتجون، ويعيشون على الكفاف، الأمر الذي يدعو الى تحريرهم. والكفاح معهم لتفجير ثورتهم الجديدة التي تقدم الحل الجذري لتلك التناقضات التي أوجدت معضلات مؤثرة في حياتهم ولتظهر بعد ذلك الأطروحة البديلة كنتاج جدلي لكل ما ذكرناه، فيصبح المنتجون شركاء لا أجراء.

شركاء لا أجراء :

حين يتحرر المنتجون من أجرة الرأسمالي أو الدولة فمعنى ذلك أنهم حرروا إنتاجهم من سارقيه ومغتصبيه، حيث إن القاعدة السليمة هى: (إن الذي ينتج هو الذي يستهلك)، فيعود الإنتاج لمنتجيه وينتهي الاستغلال والعبودية حين ينتهي العمل مقابل أجرة. لأن العامل بأجر لدى رب عمل هو عبد له. وإذا تنازل عن إنتاجه لجهة ما مقابل أجرة، فإنه يصبح عبدا لها. إن العمل لحساب أية جهة -حتى إذا كان بدون أجر- ولو تطوعا، يجعل الانسان عبدا في جميع الأحوال.

إن تحرير الشغيلة ضروري لتحرير المجتمع البشري، فهو يعني بالتحديد تحرير الانسان من الاستغلال والعبودية ولا يعتد بحرية النقاش أو حرية التعبير مع وجود أسياد يسيطرون وعبيد يخضعون ويطيعون، فتحرير الشغيلة هدف مبدئي سواء كان سادتهم أفرادا أو دولا. ولا تتحقق الحرية إلا بالقضاء على ظاهرة العمال الشغيلة وعلاقات الأجرة والايجار ليصبحوا منتجين شركاء في الانتاج.

إن شعوب العالم جميعا، وخاصة جماهير الشغيلة، تثور على الأوضاع الظالمة السائدة وفق علاقات الانتاج الاستغلالية التي أفرزها نظام الأجرة، فلم يعد هناك أي مبرر ليصبح إنسان ما صاحب عمل ويصير الآخر عاملا عنده أي عبدا له أو عاطلا بلا أي عمل. فالثروة ملك للجميع، ولا يجور احتكارها من قبل المستغلين والحاذقين والسارقين.

والانسان في المجتمع الجماهيري عليه القيام بمفرده بالعمل من أجل نفسه لاشباع حاجاته دون أن يستخدم غيره في ذلك. وهو مسؤول عن حماية نفسه حيث يقوم لمصلحتها بالمهام الاجتماعية والانسانية والحضارية التي تتمثل في الأكل والنوم والزواج والعبادة والدفاع والتشريع وحفظ الامن والتخطيط وممارسة السلطة، دون أن ينوب عنه أحد في ذلك، فلا يجوز أن ينوب أحد عن إنسان حي فيما هو من شأنه الخاص، ولابد لكل فرد من القيام بذلك بنفسه.

فحين تكون السلطة شعبية، فإن مسؤولية كل فرد من أفراد الشعب هي ممارستها وحمايتها بحيث يكون عضوا في المؤتمر الشعبي لممارسة السلطة والدفاع عنها.

إن المرحلة التاريخية التي توجد فيها الحكومات فوق الشعوب، وتوجد فيها المجالس النيابية لتمارس الدجل والتزييف، لهي مرحلة متخلفة إنسانيا وحضاريا. وهي مدعاة للسخرية والضحك حين نعلم بأن الحكومات -التي تحكم فعلا- قد استأجرت جهازا للمخابرات بحجة حماية الشعب، واشترت جهازا اخر أكثر هزلا للقيام نيابة عن الشعب بالدفاع عن بلده، واستأجرت هيئة أخرى تشرع نيابة عن الشعب، كل ما تراه صالحا له.

إن ذلك يدل على مدى التخلف الذي يعانيه الانسان ومدى القهر الذي تتعرض له الشعوب. وحين تعمل للتخلص من هذا التخلف والقهر تمارس ذلك بنفسها دون وصاية أو نيابة من أحد.

خلاصة الملكية في ظل سلطة الشعب :

في المجتمع الجماهيري. لا يصح ان يعمل فرد لدى أخر. أن هذا ليس قرارا فوقيا يتخذ بمعزل عن الواقع. بل تفرضه العلاقة الجدلية التاريخية التى لم تعد تسمح بذلك، حيث إنها أسقطت المبررات التي تتخذ لتشغيل إنسان لدى اخر. لأنه حين يعمل المنتج لدى آخر فان رب العمل سيسرق جزءا من إنتاجه باسم الإرباح، وهذا استغلال مرفوض ومناف للقاعدة السليمة التي ولدها الجدل التاريخي في الصراع بين العمال وأرباب العمل وهي أن (الذي ينتج هو الذي يستهلك)، لذا ينصرف كل فرد إلى خدمة نفسه فيبحث عن إشباع حاجاته بالطريقة التي تلائمه. فان كان فلاحا نال من الارض كفايته بحيث يعمل بنفسه فلا يستخدم فيها غيره ويشبع منها حاجاته دون أن يسمح له باستغلال غيره. وتحل بهذه الطريقة مشكلة ملكية الارض حيث تتحرر من الاقطاع، ويتحرر الفلاح أيضا بتحرر حاجته من الارض. إن جهد الانسان محدود، ولو سمحنا له باقتطاع مقدار من الارض بشرط أن يفلحه وحده، فإن هذا المقدار سيكون بالضرورة محدودا، ولن يتمكن أي كان من الاعتداء على نصيب غيره من الارض إلا إذا سمح باستخدام أجراء، أي باستغلال آخرين لأن ذلك سيؤدي إلى تكون الاقطاع الزراعي واحتكار الارض، التي في ظل سلطة الشعب يجب أن تتحول الى ملكية لجميع الأفراد، خلافا للرأسمالية والماركسية. بحيث ينال كل فرد نصبيه فيها دون استغلال.

غير أن تحقيق ذلك لا يكون الا بقيام الثورة الشعبية حيث تنتصر الجماهير الشعبية على اعدائها التاريخيين وتدمرهم، وتقضي على الحياة المنحرفة التي صنعوها. فإذا ما حاول -بعد ذلك- أحد إحراز ربح من جهد المنتجين فانهم سيقومون بأنفسهم بالتصدي له ومنعه من ذلك بمواجهته بحقائق العلاقات الاقتصادية التي تبين أن أحدا ليس له الحق فيما ينتجه غيره، وسيكون من حقهم العمل لمصلحة أنفسهم، فإذا حاول استغلالهم بالقوة تصدوا له وجردوه من قواه، وعرضوه للتصفية إذا أصر على موقفه المعادي لهم.

إن أي فرد بإمكانه إنشاء مصدر عمل وانتاج له ولأسرته بغرض إشباع حاجته وحاجة أسرته. فالمصنع الخاص والورشة وخلافهما من مصادر العمل الانتاجي مكفولة في المجتمع الاشتراكي الجديد شرط أن تعمل بها وحدك فلا تستخدم أحدا غيرك فيها لأن ذلك استغلال وهو مرفوض علميا وإنسانيا.

وبناء على ذلك فإن الرأسمالية، تنتهي بنهاية الاستغلال الذي يعتبر عمودها الفقري الذي تقوم عليه ولن توجد من جديد أو تنمو من خلاله.

أما أولئك الذين لا يتوفر لهم فرص عمل خاص يديرونه بأنفسهم، فان بإمكانهم العمل مع جماعة المنتجين في مؤسسة إنتاجية كبيرة يكونون فيها شركاء وليسوا اجراء يتقاسمون الانتاج فيها بحسب جهدهم وساعات عملهم، حيث يشكلون مؤتمرا إنتاجيا يخطط ويقرر لشركتهم أو منشأتهم الانتاجية ويختارون من بينهم لجنة شعبية من أفراد أكفياء لتنفيذ قراراتهم. وتكون.مسؤولة أمامهم في المؤتمر الشعبى الانتاجي الذي يتمتع بعضويته جميع المنتجين بلا استثناء.

إن المؤسسات من هذا النوع هي مؤسسات اشتراكية. يقسم إنتاجها على العوامل التي شاركت فيه وفق القاعدة الطبيعية التي تقول (بأن لكل عامل من عوامل الانتاج حصة في هذا الانتاج). وهذه العوامل هي المصنع أو الآلة التى استخدمت، والمادة الخام التي جرى استخدامها. والمنتجون الذين استخدموا هذه الامكانات. والذين من حقهم توزيع إنتاجهم فيما بينهم. وتحديد قيمة معينة لتجديد أدواتهم أو شراء موادهم التي يعملون بها. كما أن لهم الحرية في تحديد مقدار ما يحولونه للدفاع أو بناء الطرق أو لوضعه في الخزينة العامة.

هؤلاء المنتجون الأحرار.. أعضاء المؤتمرات الشعبية الأساسية التي بيدها السلطة والسلاح، هم سادة أنفسهم، لم يعودوا عمالا وليس فوقهم رب عمل لا فرد ولا دولة.

أما أولئك الذين ليسوا في إحدى المجموعتين المشار إليهما فعليهم تقديم خدمة عامة للمجتمع يقبلها منهم ويحددها لهم ويقدم لهم مقابلها إشباعا لحاجاتهم بقدر خدماتهم. فالطبيب والمعلم مثلا يتكفل المجتمع باشباع حاجاتهم مقابل تقديمهم لخدمات مطلوبة من قبل المجتمع، وليسوا متفرغين لانتاج حاجاتهم بانفسهم مما يجعلهم في حاجة إلى أن يقدم لهم المجتمع ما يكفي لاشباعها.

إن أفراد المجتمع في سعيهم من أجل إشباع حاجاتهم يتوزعون تلقائيا بين الفئات الثلاث هذه ولا يبقى خارجها سوى الأفراد الذين لا يطلب إليهم تقديم إنتاج كالأطفال الصغار والعجزة الذين لا يستطيعون تأدية أية خدمة. ولا يقدرون على القيام بأي نوع من الانتاج، فهم بالتالى عاجزون عن إشباع حاجاتهم فيتكفل المجتمع الجماهيري، وهو مجتمع إنساني متقدم وراق خلقيا -يقدر الانسان لقيمته في ذاته- فيفي بحاجاته لان ثروة المجتمع هي حق لكل أفراده دون استثناء، ويتولى الضمان الاجتماعي مسؤولية حمايتهم والاشراف على تخطيط حياتهم وتوفير حاجتهم.

بهذا تتضح الآن صورة المجتمع الجماهيرى.. مجتمع الاشتراكية الجديدة، والحياة الانسانية الرفيعة، وتتكامل بهذه الصورة جملة أفكار فذة وجديدة أفرزتها المتناقضات الفكرية السائدة فى العالم عبر صراعها المرير وعبر مراحل طويلة تصاعد فيها جدل علمي وموضوعي أدى إلى تكامل النظرية الجماهيرية التي ستنتصر حتما، لأنها الطريق الأمثل علميا وعمليا.

ان قيام الثورة فى بلد يحكمه ملك يؤدي الى قيام الجمهورية. ولكن الثورة ضد الجمهورية ستؤدى إلى قيام الجماهيرية. انه تغيير جذري وجوهري وفعال فى حياة البشر. سيؤدي الى نتائج باهرة فى مستقبل الحضارة والانسان.

انها نظرية الغد السعيد للانسانية إذا ما قدر لها أن يمتد وجودها أمدا طويلا، ، ولقد تضمن هذه النظرية الكتاب الاخضر كحصيلة لجدل تاريخي طويل كان لابد لها أن يجمعها كتاب فقدمه معمر القذافي للبشرية كعمل علمي مجرد، يدعمه حرص فياض على تحقيق انتصار الانسان فى كل مكان وزمان.

Archive Link

Advertisements