سلطة الشعب.. بين الفكرة والتطبيق

لم تعاني البشرية من مشكلة أزلية كما عانت من مشكلة أداة الحكم، فقد اقترنت بالكائن الإنساني مذ بدأ يجتمع في مجموعات يستوجب عيشها الجماعي العمل ضمن مساق واحد، وهو بالضرورة يستوجب وجود قائد واحد للمجموعة، سواء كانت هذه المجموعة أسرة واحدة أو مجموعة أسر أو غيرها من المجموعات.

https://i2.wp.com/www.libya24.tv/wp-content/uploads/power-to-the-people-02-march-1977-1-300x259.jpeg

وطالما كانت أداة الحكم، وآليات وطريقة الحكم معضلة اختلف عليها الفلاسفة، والمفكرين، وعرفت البشرية انماطا مختلفة من الملكية المطلقة والملكية الدستورية والجمهورية، وغيرها، إلا أنها جميعا لم تخرج من فكرة واحدة وهي علاقة الحاكم بالمحكوم، ولم يتعدى تطورها وتقدمها منح المحكوم حقوق أكثر، ويقنن طرق ووسائل الحاكم في تادية مهامه، أو القدرة على مراقبة العملية بقوانين ودساتير، في الغالب للحاكم سطوة عليها، وقدرة على تغييرها، وتطويعها.

ويبقى ما شهدته ليبيا في مثل هذا اليوم من عام 1977، حدثا فارقا في موضوعة أداة الحكم، حيث أعلن الزعيم الراحل معمر القذافي، عن أول جماهيرية في التاريخ، وذلك بإعلان قيام سلطة الشعب، والذي تتمحور فكرته المركزية بتجاوز كل ما سبقته من تجارب في حل مشكلة أداة الحكم، بإلغاء أحد طرفي اللعبة، حيث أصبح الجميع حاكم وألغي بذلك الطرف الضعيف، والمتمثل في المحكوم والذي اتفقت كل النظريات السابقة أن يكون هو الشعب.

ومنذ ذلك اليوم قدم الشعب الليبي تجربة جديدة، ومختلفة عندما قسم نفسه على مؤتمرات شعبية، في الحارات والمحلات الصغيرة، يجلس فيها الجميع ليقرر مصيره، ويختار بنظام التصعيد لا الانتخاب، لجان تنفيذية تنفذ ما يتخذ من قرارات ملزمة.

ومرت هذه التجربة الفريدة بنجاحات وإخفاقات تطبيقية، فهي بقدر ما أتت بحل جذري لمشكلة أداة الحكم، وقدمت البديل الحقيقي نظرياً، فأنها تعرضت لمنعرجات التطبيق الخاطئ، الذي نجم في بعض الأحيان عن صعوبات موضوعية، كدرجة الوعي بعمق التجربة، أو عدم الثقة في جدية الأخذ بها في بعض الأحيان، إلى جانب صعوبات خارجية تمثلت في رفض الفكرة من قبل الدوائر الدولية التي تأكدت أن في الفكرة ما يكفي لتقويض المنظومة المختلة عالميا، وما ستثيره الفكرة من حراك شعبي عالمي، إذا ما نجحت.

ولعل الشعب الليبي اليوم بمختلف شرائحه، من مؤيدي ورافضي فكرة سلطة الشعب، يتفقون على أنها هي الأنسب والفضل للخروج بالبلاد مما تعانيه اليوم من صراع محتتدم على السلطة.

Advertisements