المملكة – الجمهورية – الجماهيرية

خالد محمد المغربي

أولا:- المملكة الليبية

بعد حركة جهاد طويلة قادها المجاهد أحمد الشريف تحت ضغوط كبيرة انتهى به المطاف إلى الرحيل في غواصة ألمانية إلى تركيا بعد حرب طويلة ضد الاستعمار الإيطالي الفاشستي وجهاد مرير خاضه الشعب الليبي بقيادة شيخ الشهداء عمر المختار الذي استلم راية الجهاد عن السيد أحمد الشريف عندما انتقل بحركة الجهاد إلى الجبل الأخضر ، وكان السيد أحمد الشريف يسعى في مناطق إسلامية متعددة لخلق قوة عربية وإسلامية لمحاربة الانجليز والفرنسيس وتحرير الأمة الإسلامية من غزوهم لها ، لكن الأمور انتهت بإعدام شيخ الشهداء عمر المختار وقدوم الملك الراحل إدريس السنوسي من مصر بجيش مع جيوش دول التحالف فرنسا وبريطانيا إلى ليبيا وتم تأسيس المملكة الليبية المتحدة التي تم تأسيسها وفق معايير المجتمع الدولي الحديثة التي فرضتها الدول المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية ، هذه الدول كانت قد رسمت للعرب الخرائط التي وضعت حدودا لدولهم العربية هي نفسها من وضعت القيادات لتحافظ لهذه الدول المنتصرة على دول المحور سبل وضع العالم في المسارات العسكرية والاقتصادية والسياسية والدينية التي تحفظ لها سيطرتها على العالم تحت سقف مجلس الأمن .

لقد أدى رضا الغرب على النظام الملكي إلى فتح سبل الازدهار الذي كان على حساب عادات وتقاليد الشعب الليبي فقد كانت الحركة الدينية السنوسية قد عززت فيه التمسك بالدين الإسلامي ليجد نفسه وفق سياسات المملكة في تناقضات رهيبة بين السنوسية بمفهومها السياسي الذي جاء به الملك الراحل إدريس السنوسي وبين مفهومها الديني الذي انطلق ببدايته والده المجاهد محمد المهدي السنوسي الذي يحرم الخمور ويرفض الاستعمار وينشر الإسلام ، فبقدر ما كان النظام الملكي مواكبا للحضارة العالمية بقدر ما كان الشعب الليبي المتمسك بأصالته وقيمه وأخلاقه يرفض ما يحدث فيه من أمور تتعارض مع عادات المجتمع ومع ما جاء به الدين الإسلام الحنيف كمصانع الخمور التي كانت في درنه والبيضاء وغيرها من المدن والتي تحولت بعد ثورة الفاتح إلى مصانع للمشروبات الغازية .

وما يلفت النظر من هذا الجانب أنه وأمام مقام الصحابي الجليل رويفع الأنصار كان يباع العنب الخاص بصناعة الخمور بل وتُعرض نماذج معتقة منه للتذوق يأتيها الأجانب وغيرهم من العرب..

ثانيا :- الجمهورية العربية الليبية

كل ذلك كان تحت سياسات لم تكن ترتقي بجدية إلى مستوى واقع الأحداث التي تمر بها الأمة العربية خصوصا القواعد الأجنبية الموجودة فوق التراب الليبي لفرنسا وبريطانيا وأمريكا ـ هذا بشكل مختصر كان فيه المواطن الليبي يتابع يوميا التأثير المتأجج للمد القومي الإعلامي للمذياع من مصر خصوصا لخطابات الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فكانت ثورة الفاتح عام 69 من هذا المنطلق وجدت عدة عوامل مشجعة تهدف إلى جعل ليبيا تعود إلى أصالتها الدينية وروابطها العروبية بتحدٍ كامل للمشروع العالمي المهيمن على مقدرات شعوب العالم بسيطرته على مجلس الأمن وفروع المنظمة العالمية للأمم المتحدة ، وكانت هناك عدة عوامل مشجعة على هذا التحدي منها المد الناصري والدعم المصري وما خلفته المملكة من نشاط اقتصادي خصوصا فيما يخص البترول وموارده التي بدأت ليبيا بعهده الجديد تنظمها خصوصا بعد تأميم شركات البترول لصلح الشعب الليبي .

ثانيا :- الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى

انتهجت ليبيا عبر تأسيسها جمعية الدعوة الإسلامية نهجا تنشر من خلال الدين الإسلامي معززة ما كانت قامت به الحركة السنوسية بقيادة المجاهد أحمد الشريف في إفريقيا بل وامتد العمل شيئا فشيء إلى أن انتقلت ليبيا من النظام الجمهوري إلى النظام الجماهيري ، فكثرة الضغوط التي كانت على الزعيم الراحل الشهيد معمر القذافي كرئيس مجلس قيادة الثورة في محاولة لإبعاده باسم الديقراطية كقائد يحمل مشروعا تحرريا فأمتنا العربية والإسلامية ليست لايوجد لها مشروعها الموحد كدول الغرب الكبرى التي اتفقت على سياسات للعالم تخدم مصالحها الدينية والعسكرية والاقتصادية عبر رؤى ديمقراطية تتخطى الدين وحتى الوطن برؤساء يتغيرون لكن لصالح المشروع الواحد للدول الكبرى للسيطرة على العالم من خلال مجلس الأمن ، فنحن كأمة عربية واسلامية ليس لنا مشروعا موحدا كما للدول الغربية ليأتي رئيس ويذهب آخر ليكمله لكن الرؤساء يأتون بمشروع الدول الكبرى للعالم وهذا ماترفضه القوى التحررية العالمية ومنها الشعب الليبي الذي يرفض الضغوط الغربية التي كانت عليه لانتقال الرئاسة لشخص غير القذافي بشكل قد يتم من خلاله العودة للسيطرة والهيمنة الغربية على ليبيا وهذا أدى إلى ضرورة التخلص من هذه الأنظمة التي من خلالها تسيطر القوى الكبرى على دولنا بدعم طرف ضد أطراف أخرى وتمكنه من القوة الاقتصادية والعسكرية لتنفيذ أجندتها على حساب ثوابت الأمة وحقوقها وأولها القضية الفلسطينية وتمكين العدو الصهيويني من البقاء بحرية فوق المقدسات الإسلامية بفلسطين المحتلة عام 1948 .

شيئا فشيء واجهت ليبيا بإعلان قيام سلطة الشعب سياسات السيطرة السياسية للمشروع العالمي على الأنظمة العربية لتدخل في مواجهة على كافة الأصعدة سياسيا وعسكريا واقتصاديا خصوصا بعد تبنيها الاشتراكية كنظام اقتصادي للتخلص من سيطرة رأس المال الذي تسيطر من خلاله الدول الكبرى اقتصاديا على مجتمعاتنا عبر صندوق النقد الدولي والشركات المتعددة الجنسية ، فكانت المواجهة العسكرية بين ليبيا وتلك الدول من خلال تشاد بتدخل فرنسي لتعطيل مشرع النهر الصناعي العظيم وللسيطرة على الجنوب الليبي بخلق قوى معارضة تشادية تهدد أمن واستقرار الأراضي الليبية ؛ في نفس الوقت كانت الأساطيل الأمريكية على السواحل الليبية الجماهيرية هذا الشعب البسيط القليل في عدده والكبير بعزته وقيمته الإنسانية يتحدى جبروت أقوى الدول بالقوانين التي ادعت هذه الدول أنها وضعتها لضمان حقوق الشعوب في العالم لكنها في الحقيقية لتنظيم السيطرة قانونيا على هذه الشعوب وهذا ما رفضته الجماهيرية الليبية مما أدخلها في صراعات بدعم حركات التحرر وغيرها .

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تراجعت ليبيا شيئا فشيء عن المواجهة العسكرية لتبدأ مرحلة معالجة المشاكل التي بدأت الدول الكبرى تورطها فيها قانونا وفق قوانين الأمم المتحدة ومنها قضية لوكربي وملهى برلين وغيرها ، وبعد اتفاق أوسلوا ين الفلسطينيين والصهاينة اتجهت ليبيا نحو الاتحاد الإفريقي لخلق قوة منه قد تكون قادرة على مواجهة تلك التحديات ، فتمت عبر فترات زمنية معالجة القضايا ببعض التعويضات المالية وليبدأ الشروع في التحدي الاقتصادي وصولا للدينار الذهبي الإفريقي الذي قام الشهيد الراحل معمر القذافي بوضع خطة اقتصادية كاملة لجعله دينارا يتحدى به القوة الرأسمالية في العالم فتمكن من خلال رؤية ثاقبة من جعل الاحتياطي اللازم من الذهب والعملة ليكون قادرا على خلق التوازن اللازم للعملة الذهبية .

وكلنا نعلم انطلاق المشاريع الكبرى لمشروع ليبيا الغد التي أهمها مشروع المصالحة مع الجماعات الإسلامية والتي كانت توظفها الدول الكبرى عبر الخونة الذين زرعتهم في النظام لأجل الإطاحة بالنظام ، فقد وجدت القيادة الليبية نفسها بين مجموعة من الخونة الذين كانوا في أعلى المناصب والذين معظمهم حقيقة كانت لهم ردود أفعال سلبية تجاه النظام نتيجة بعض الأخطاء التي تمت عبر مشروع الغد في التعامل مع القيادات التي رأت أن النظام كان يسعى للتخلص منها وتوريطها فيما حدث في الماضي والتنكر لها ، فبقدر ما كان مشروع الغد يتبنى الاعتماد على القدرات الشابة المنفتحة على العالم بقدر ما كان هذا الانفتاح فرصة للتغلغل من خلاله لتفكيك النظام من الداخل ، فكان ما سمي بالربيع العربي والثورات العربية لتبدأ الحرب عام 2011 بعد أن تم تسيير دفة المعركة عبر موجة إعلامية كبيرة قادتها قطر التي زرعت خلاياها في مختلف دوائر النظام والتي تمكنت من اجتذاب الشباب لها وفق برامج معينة لازالت حتى هذا الوقت تحافظ عليها وتستخدمها ضد انتصارات القوات المسلحة العربية الليبية ، فمنذ أكثر من ست سنوات والبلاد تعاني ويلات الحرب التي تم توريط القبائل فيها تعمدا من خلال ادعاء تهميشها بشعارات لا للقبيلة بينما كان الصهيوني برنارد لفي في نفس الوقت يجتمع بمشائخ القبائل الذين وجدوا في دعوته قيمة يفتقدونها بين الجماهير المصطنعة من العرب وغيرهم ، فسرعان ما لبوا حفاظا على مكانتهم الاجتماعية اللقاءات التي كان يمنهجها برنارد ليفي وبعد توريطهم في أحلام لازالوا يسعون من خلالها لتوجيه دفة الصراع إلى تحقيقها كالملكية مثلا ؛ في تجاهل كامل لأكثر من ثلاثة ملايين ليبي يرفضون كل ما حدث عام 2011 ويعتبرونه خيانة للوطن صار كل هؤلاء يخافون الأصوات الرافضة لمؤامرة فبراير خوفا من السيرة التي قد تصحب أشخاصهم عبر التاريخ.

من هنا وبعد الانتصارات التي تحققها القوات المسلحة العربية الليبية وحفاظا على وحدة الشعب الليبي من أطماع بعض القبائل الإقليمية وغير هذه القبائل من قوى سياسية تستغلها للنفوذ والسلطة فإن ليبيا أمام مرحلة خطيرة بعد القضاء على الجماعات الإرهابية ، لأن هناك صراع داخلي وداخل المؤسسة العسكرية والأمنية وداخل المكونات القبيلة فيما بينها والاقتصادية أيضا والسياسية والنخب الثقافية والإعلامية صراع على قدم وساق يتنامى في الخفاء بتحايل الكل على الكل والكل تحركه مؤثرات داعمة له من خارج تراب الوطن لدول تعمل كل منها لتحقيق مصالحها .

لتفادي ما لا تحمد عقباه سأنصح بأن تتخلى القيادة العامة للقوات المسلحة المتمثلة في المشير خليفة حفتر علانية عن فكرة التطلع لحكم لبييا بعد التحرير ؛ لفتح المجال أمام الليبين لاختيار طبيعة نظام الحكم في استفتاء شعبي قبل الدستور إذا تم الاتفاق الشعبي على النظام ملكي جمهوري توضع أسس الدستور وفق هذا النظام وإذا تم جمهوري وهو كذلك أو جماهيري …

وإذا رأت الجموع في شخص المشير خليفة بلقاسم حفتر شخصا يحق له التقدم فليتقدم ولابد له من منافسين لاينبغي العمل سرا أو علانية للقضاء عليهم مادامت لهم قاعدة شعبية أ كشخص يراه البعض كملك أو أي شخصية ترى أنها قادرة من خلال الجموع على أن تكون في السلطة بحسب الفترة الزمنية التي سيقرها الدستور والتي لابد من الالتزام بها لابد من التوافق سر وعلانية لا العكس للمرحلة القادمة.

Advertisements