التربة العفنة والتراب المقدس

د. موسى ابراهيم

لماذا لا تنتج الحركة الإسلامية السياسية، في ليبيا وخارجها، فكراً وطنياً جامعاً، ينتمي لمشروع حضاري حقيقي ينتصر للإنسان ويحترم كرامته ويؤسس لعدالة اجتماعية وسياسية واقتصادية شاملة يلتف حولها الليبيون والليبيات؟ لماذا هذا الارتباط المشين بين الحركة الإسلاموية بقياداتها ورموزها وتاريخها وانتاجها المعرفي) وبين العنف الدموي، والتبعية للأجندات الغربية، والعمالة للقوى العالمية، وتدمير البنى الأساسية للروح الإنسانية، ومعاداة الحضارة والمدنية والحقوق الأساسية المحددة لكرامة الإنسان؟

لقدأصبح الليبيون والليبيات شهود عيان منذ سنة 2011 على فساد المنهج، وقبح الرؤية، وخسران الإرث الذي تنطلق منه، وتقتات عليه، الحركة الإسلاموية بنسختيها السياسية والجهادية دون تمييز..

لقد كان بعض الوطنيين وأبناء ليبيا يتمنون، وينتظرون، وسط ضجيج المعارك وصليل السيوف أن تنتصر رحمة الدين الإسلامي، وروحانيته، وشفافيته الروحية، في قلوب وعقول منظري وقادة الحركة الإسلاموية في طرابلس وبنغازي ومصراتة والبيضاء ودرنة، وأن يقودوا عملية حل سياسي ومجتمعي شامل في البلد. وعوّل البعض على الشحنة الروحانية الملتهبة للنصوص والممارسة الدينية، لكي تفتح طرقاً آمنة للتقدم إلى الأمام وسط حرائق الحقد وبراكين العنف الوطني والدولي في ليبيا.

ولكن الواقع الفبرايري-الناتوي القبيح، والارتباط العضوي-الميكانيكي الكامل لفلسفة اللحركة الاسلاموية بخطط ومشاريع وانجذابات المشروع الامبريالي الغربي في المنطقة، والعجز الفكري، والفقر الروحي للمنظومة الدينية بكاملها، ضيع فرصاً، بدت لبعض الواهمين حقيقية، في تأسيس مشروع إسلامي للسلم الاجتماعي، والعدالة، والحرية، والأمن.

لقد حان الوقت لكي يخرج من التربة العقيمة للتفكير الديني المحتكر للحقيقة، والمهيمن على أرواح الناس، والمسيطر على مصائرها الغيبية، لأن يخلص نفسه من هذا الخسران المعرفي، والوطني، المهين. يجب أن يتقدم مفكرون وشيوخ وشباب إسلامي متحمس ونقي وملتزم بروحانية ملهمة، وانتماء أصيل، وهوية منفتحة متجددة، ومعرفة حوارية تفاعلية، ومدنية حضرية مشعة ببريق العصر وأخلاق الوطنية والاجتماعية الحديثة، فيفككوا المنظومة الميليشاوية والإقصائية والمفلسة فكرياً ووجدانياً للإسلام السياسي اليوم. وأن يستلهموا الروحانية العذبة للإسلام في أشد حالاته شفافية، ورقة، ورحمة، وأن ينفضوا عن ثياب جهادهم السياسي تراكمات الثقافة السياسية-الدينية الممتدة لقرون من الضلال والعفونة المثيرة للشفقة!

وهكذا فإن إطلاق سراح الأسرى، بدل تعذيبهم وقتلهم، والتواصل مع أهل ليبيا جميعاً، بدل القطع معهم واقصائهم، واختيار الوطن، بدل التبعية للأجنبي، وتقديم رؤية سياسية للحل، بدل الاستئثار بالسلطة والثروة والسلاح، ودعم المصالحة المجتمعية، بدل تعميق الجروح وترسيخ الكراهية، والانتماء للإنسان وكرامته، رجلاً كان أو إمرأة، طفلاً أو بالغاً، أبيض أو أسود، غنياً أو فقيراً في مقابل الإنتماء للأيدلوجيا الأصولية التي أزكمت رائحتها الأنوف واقشعرت من رؤية ملامحها الأبدان، هو الطريق البديل للشباب والقيادات الإسلامية الجديدة، وإلا فبئس المهاد والمعاد..

لقد أخفقت حركة الإخوان المسلمين، والنهضة، والسلفية البترولية، والصوفية الزراعية، والصوفية الصحراوية، والجامعات والمعاهد النظامية، والزوايا والتكايا الشعبية، ومجالس العلماء الكبار، ونقاشات الشيوخ المهيبين، والكتب التي كانت صفراء وصارت بفضل تطور الطباعة الرقمية بيضاء ناصعة، في أن تنضم للحضارة البشرية الحديثة القائمة على فلسفة الأنوار، والحلم الاقتصادي-الاجتماعي بحرية الإنسان، وارتباط العمل والكدح البشري بالأرض والحياة الدنيا التي لانملك غيرها لنا ولأهلنا.

إن التربة العفنة لاتنتج إلا نباتاً فاسداً، وهذا هو حال الفكر الديني-السياسي، أما الأشجار الطيبة فغرسها لا يصح إلا في طين الإنسانية الخصبة بالإلهام المدني، فهل تفزع فيوضات الرحمة الإلهية، وإشراقات اللدنية الربانية، وإشعاعات النور المحمدي، في احتضان بذرة اسلامية ليبية طيبة؟

Advertisements