“انتفاضة الخبز” تجتاح الدول العربية

السودان تشتعل لمضاعفة سعره.. غضب شعبى فى الأردن.. وغلاء الأسعار يُنذر بثورة جديدة فى تونس

انتفاضة الخبز تُشعل السودان
محمد حسين الجداوي ووكالات

الظروف الاقتصادية الصعبة يصحبها قرارات أصعب، والمواطن هو من يدفع الثمن.. والشعوب العربية ذاقت ما هو أمر من الحنظل والصبار بحسب المراقبين، بسبب سياسات الدول التى تحاول أن تخرج من عنق الزجاجة إلى الباب الأوسع لدعم المواطن.

بعض الدول العربية تشهد فى الفترة الحالية اضطرابات داخلية وصلت إلى حد الاحتجاجات فى بعض البلدان العربية، وكان تقليص دعم الخبز إحدى القضايا المطروحة في مناقشات الموازنة العامة لهذه الدول، ولكن وصلت الأمور إلى باب ضيق بسبب سقوط ضحايا جراء الاشتباكات مع قوات الأمن فى هذه البلاد.

فيما يرى المحللون أن الغالبية العظمى من الدول العربية الأبرز، لجأت في الآونة الأخيرة إلى رفع الدعم وزيادة أسعار السلع، وربما فرض ضرائب، في محاولات من جانبها لمعالجة الاختلالات والضغوط المالية التي تعاني منها، وأن الإصلاحات التي تتخذها الدول العربية ضرورية وهامة، ولطالما طالب بها صندوق النقد الدولي، لكن لا بد من مراعاة الطبقة الفقيرة ومتوسطة الدخل، التي ستعاني بشكل كبير من تداعيات تلك القرارات على مستوى المعيشة.

نستعرض من خلال التقرير التالى أبرز ما وصلت أجندات وميزانيات الحكومات العربية لمواجهة الأعباء والضغوطات المالية والاقتصادية التى تنهش فى جيوب المواطن البسيط بتخفيف ضغوط الغلاء والحد من عجز الموازنة..

السودان على صفيح ساخن

قد لا تكون سياسات البشير على مقربة من المواطن السوداني، ولا تلائم الظروف المعيشية القاسية التى يعيشها السودانيين أنفسهم فى خضم انقسام لدولة بحجم السودان، لكن بعض سياسات التقشف المفاجئة قد تدلو بدلوها بعيدًا عن مصلحة المواطن السوداني.

حيث وضع السودان في موازنة 2018 عددا من الإجراءات الإصلاحية للحد من العجز المالي، من ضمنها إنهاء دعم القمح والاعتماد على القطاع الخاص في استيراده من الخارج، وتمثل تلك الإصلاحات التي اشتملت أيضا على مراجعة تعريفة الكهرباء ملفا حساسا في السودان بالنظر إلى أن البلد عانى لأكثر من عام من موجة تضخمية قوية بعد تقليص الدعم عن الوقود وعن سلع أساسية، وتأتي سياسات موازنة 2018 استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي الذي نصح بتطبيق إصلاحات اقتصادية تشمل التخارج من دعم القمح والوقود، وقد ينتظر السودان موجة تضخمية جديدة بعد رفع السعر الرسمي للجنيه السوداني مؤخرا من 6.9 جنيه إلى 18 جنيها.

وجاءت خطوة رفع سعر الصرف بعد اتساع الفجوة بقوة بين السعرين الرسمي والموازي لفترة طويلة، وتفاقمت أزمة العملة بعد أن رفعت الولايات المتحدة عقوباتها عن البلاد في أكتوبر الماضي، وهو ما شجع نشاط الاستيراد، ومع بدء العام المالي في السودان هذا الشهر بدأت أزمة خبز تلوح في الأفق، حيث أعلن اتحاد أصحاب المخابز بالخرطوم عن أنهم تسلموا عبوات طحين سعة 50 كيلو جراما بسعر 440 جنيها للعبوة، بعد أن كان السعر بنحو 170 جنيها، وهو ما سيؤدي لمضاعفة أسعار الخبز.

وكان التضخم الشهري في السودان ارتفع خلال نوفمبر بنحو 1.75 في المائة، مما يشير إلى استمرار الضغوط التضخمية رغم تراجع التضخم السنوي في هذا الشهر إلى 24.7 في المائة بعد مرور عام على الإجراءات الإصلاحية التي زادت من الأسعار.

ويعتمد السودان على استيراد نسبة مهمة من احتياجاته من القمح، مما يجعل تكلفة الخبز عرضة للتأثر بتذبذبات العملة المحلية أمام الدولار، وأنتج السودان في 2017 نحو 445 ألف طن من القمح واستورد مليوني طن، وفقا لبيانات نشرتها وكالة “رويترز”.

ويتخوف البعض من تكرار التجربة السلبية لسياسة تحرير الدقيق في عهد وزير المالية الأسبق بدر الدين محمود، حيث إن الجهات التي استوردت الدقيق، والتي كان يتُوقع منها تخفيف حدة الأسعار وتقليل السيطرة الاحتكارية، استوردت السلعة الاستراتيجية بأسعار تفوق سعر القمح المطحون محليا، وكان السودان خصص مليار دولار لزراعة القمح والذرة الشامية، في محاولة للتوسع في زراعة هاتين السلعتين وتحقيق الاكتفاء الذاتي، ويشارك في تنفيذ مشروع زراعة القمح الذي أطلق عليه (المشروع الزراعي القومي البستاني) ومقره ولاية نهر النيل بشمال البلاد، وزارة الزراعة وشركة (زادنا) للاستثمارات العالمية السودانية ويستهدف زراعة 250 ألف فدان من القمح والذرة الشامية، وسيدخل الإنتاج في الموسم الشتوي المقبل.

جدير بالذكر أنه لقي خمسة أشخاص على الأقل حتفهم خلال الاحتجاجات ضد ارتفاع أسعار الخبز في العاصمة السودانية الخرطوم، حسبما قال متحدث باسم المعارضة الثلاثاء الماضي، وبدأت أعمال الشغب منذ الجمعة قبل الماضية، عندما ضاعفت الحكومة سعر الخبز.

رفع الدعم فى الأردن

تشير بيانات تقديرية، إلى أن الأردنيون يستهلكون حوالي 10 ملايين رغيف خبز عربي يوميا، في وقت تشير فيه وزارة التجارة والتموين إلى أن نحو 65 بالمائة من الخبز المنتج يذهب لغير أردنيين.

ويعتزم الأردن رفع الدعم عن الخبز خلال 2018 مع تقديم دعم نقدي للفئات المستحقة بديلا عنه، ومن المتوقع أن تشهد أصناف الخبز المختلفة ارتفاعات ملموسة على أثر هذه الإجراءات، بمعدلات تتراوح بين 60 في المائة إلى مائة في المائة، ويسعى الأردن للسيطرة على نفقاته مع تراجع المنح الخارجية خلال الفترة الأخيرة وتزايد أعبائه بسبب استضافة اللاجئين، ويقدر عجز موازنة البلاد في 2017 بنحو 2.6 من الناتج الإجمالي، لكن هذا العجز يتضاعف تقريبا إذا ما تم تجنيب المنح ليصل إلى 4.1 في المائة، ويطمح الأردن في النزول بنسبة العجز هذا العام إلى 1.8 في المائة.

وكان الأردن لجأ إلى صندوق النقد في 2012 بعد أن تفاقمت أزمته المالية، ونصح الصندوق البلاد بترشيد نفقات الدعم التي تلتهم ربع نفقات الموازنة تقريبا، واتجه الأردن لرفع أسعار الوقود مع تقديم التحويلات النقدية للمواطنين في هذا العام على سبيل التعويض، وقابلت إجراءات رفع الوقود احتجاجات اجتماعية في بداية تطبيقها، وحصل الأردن في 2016 على موافقة صندوق النقد على برنامج تمويلي جديد مدته 3 سنوات، بقيمة 723 مليون دولار، واستهدف البرنامج مساعدة البلاد على تخفيض الدين العام الذي تفاقم في ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي والاضطرابات الإقليمية.

واستهدف الأردن تحت هذا البرنامج أن يهبط الدين العام إلى 77 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2021، لكن صندوق النقد قال في بيان رسمي، قبل أن يفتتح البرلمان أعماله ويناقش ميزانية 2018، إنه لا يوصي برفع الدعم عن الخبز، الذي يكلف الدولة نحو 197 مليون دولار، ولا يوصي كذلك بتطبيق إجراءات اقتصادية تشكل عبئا على كاهل الفقراء في الأردن، وعلق بقوله: “عند تصميم الإجراءات الاقتصادية، يتعين النظر إلى تأثيرها على الاقتصاد الأردني وعلى الفقراء”، إلا أن البرلمان الأردني قرر رفع الدعم عن الخبز وتعويض المواطنين بالدعم النقدي بدلا منه.

وخطط الأردن في موازنة 2018 تقديم دعم نقدي لكل فرد مستحق بقيمة 32 دينارا، مستهدفا بالدعم الأسر التي لا يزيد إجمالي دخلها على 12 ألف دينار سنوياً، و6 آلاف دينار بالنسبة للفرد، ولا تمتلك سيارتين خصوصيتين أو أكثر، أو أراضي وعقارات تزيد قيمتها على (300 ألف دينار أردني).

ووجهت الحكومة الأردنية في موازنة 2018 مخصصات بقيمة 171 مليون دينار للإنفاق على الدعم النقدي، وتقدر وزارة المالية أن عدد المستفيدين من هذا الدعم يتجاوز نصف السكان تقريبا، أكثر من خمسة ملايين نسمة من أصل عشرة ملايين يعيشون في الأردن منهم 2.9 مليون غير أردني، وتدفع الحكومة الأردنية بأنها ستعمل على تقديم الدعم النقدي بطريقة شفافة تضمن وصوله لمستحقيه، بحيث ستتاح للمواطنين آلية للاعتراض في حال عدم وصول الدعم إليهم وكانوا مستحقين له، وسيتم البت في هذه المعارضات من قبل لجان مختصة، ورغم الإجراءات الإصلاحية ذات الأثر التضخمي، لكن موازنة 2018 تتطلع إلى كبح التضخم عند 1.5 في المائة، بعد عام تذبذب فيه التضخم السنوي بين أقل من 1 في المائة و4.6 في المائة.

ويستهلك المواطن الأردني نحو 90 كيلو جراما سنويا، في حين تبلغ كلفة إنتاج الكيلو الواحد من الخبز نحو 32 قرشا، وهي تتغير شهريا حسب أسعار القمح وتكاليف الإنتاج.

رفع أسعار السلع الأساسية فى تونس

تونس البداية.. فهل تجتاح ثورات “رغيف الخبز” العالم العربي؟ تساؤل طرحه محللون ومراقبون دوليون للوقوف على حقيقية ما يجري خلف كواليس الاحتجاجات فى تونس، وهل ما يحدث فى هذا التوقيت له صلة باحتجاجات تونس وإشعال المنطقة من جديد لتخفيف الضغط على نظام الملالي؟

فبعد أن كان لدى الحكومة التونسية مخططات لرفع أسعار كل من الوقود والخبز، حذر اتحاد الشغل من الغضب الشعبي الذي سينتج عن رفع أسعار الأغذية الأساسية، فقررت البلاد الاكتفاء بزيادة أسعار الوقود في 2018، وكان متوقعا أن يرتفع سعر الخبز المدعم من قبل الدولة، خاصة الخبز صغير الحجم (الباقات) من 190 مليما إلى مائتي مليم (الدينار التونسي يعادل ألف مليم)، وتعود آخر زيادة في سعر الخبز إلى عام 2010، أي قبل أشهر من الانتفاضة التي أنهت حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي أعلن بن علي في يناير 2011 خفض سعر الخبز من جديد لكن ذلك لم يكبح الاحتجاجات المتصاعدة ضده.

وأعلنت الحكومة الأسبوع الماضي عن نيتها تثبيت أسعار ثمانية سلع غذائية مدعومة، من بينها الخبز والحليب والسكر وزيوت الطعام، خلال عام 2018، نافية أي مخططات لتطبيق زيادات جديدة بعد الرفع الأخير في بنود الطاقة، وتحاول الحكومة كبح عجز الموازنة الذي بلغ 6 في المائة في 2017 عبر حزمة من الإجراءات الإصلاحية لمراجعة أسعار البنود المدعومة أشارت لها في موازنة 2018.

وخصصت في مشروع الموازنة الجديدة 3.5 مليار دينار لنفقات الدعم، وهو تقريبا المبلغ المقدر نفسه للدعم خلال 2017، لكنها قالت إنها ستضطر لمراجعة أسعار بعض السلع والخدمات المدعمة لكبح الزيادة في نفقات الدعم خلال السنة المقبلة، وترتبط البلاد باتفاق قرض مع صندوق النقد الدولي، أبرمته في 2016 بقيمة 2.8 مليار دولار، لدعم الإصلاحات الاقتصادية في البلاد، وفي أبريل الماضي وافق الصندوق على إرسال شريحة متأخرة من هذا القرض، بقيمة 320 مليون دولار، بشرط زيادة عائدات الدولة من الضرائب وتقليص فاتورة الأجور الحكومية وتخفيض دعم الوقود.

ولا يعني تثبيت أسعار السلع الأساسية في 2018 أن الحكومة ترى نظام الدعم مثاليا، حيث توجه الحكومة انتقادات لهذا النظام الذي تقول إنه يهدر موارد الدولة، وبحسب تصريحات حكومية فإن نحو 80 في المائة من الدعم لا يذهب لمستحقيه، ويقول خبراء إن جزءا من الخبز المدعم يوجه لتغذية الأبقار والأغنام في ظل ارتفاع سعر العلف، وكشفت تحقيقات أعوان المراقبة (وزارة التجارة) عن خروقات كثيرة في توجيه المواد الغذائية المدعمة نحو استعمالات أخرى من بينها المطاعم والفنادق السياحية الضخمة وصناعة المرطبات.

ويعلق تونسيون بسخرية عن أن “الخبزة الواحدة في تونس أقل من سعر سيجارة فاخرة”، ووفقاً للبيانات الرسمية فقد تجاوزت ميزانية الصندوق العام للتعويض (نفقات الدعم) قرابة الضعف في الفترة بين سنة 2011 والسنة الحالية، إذ ارتفعت من 730 مليون دينار تونسي (نحو 294 مليون دولار) إلى نحو 1.6 مليار دينار تونسي (645 مليون دولار).

وينتفع المستهلك التونسي الواحد سنويا بمعدل 33 دينارا تونسيا من الخبز المدعم ونحو 84 دينارا لدعم مختلف المواد الغذائية على غرار السكر والزيوت النباتية، لكن التونسيين يعانون من ضغوط معيشية تجعل للدعم دورا محوريا في حياتهم، خاصة في ظل الاتجاه الصعودي للتضخم، حيث وصل معدل نمو الرقم القياسي لأسعار المستهلكين لأعلى مستوياته خلال 2017 في نوفمبر الماضي، عند مستوى 6.3 في المائة.

وتضع السلطات في حسبانها «انتفاضة الخبز» التي عرفتها تونس في بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي إثر مضاعفة أسعار الخبز.

جدير بالذكر أن وزارة الداخلية التونسية، أعلنت الخميس الماضي، اعتقال 328 شخصا، بعد 4 أيام من الاحتجاجات التي بدأت، الأحد، بسبب رفع الأسعار وفرض ضرائب جديدة، وأسفرت الاحتجاجات عن مقتل شخص واحد على الأقل.

تطوير منظومة الدعم بالكامل فى مصر

منذ سنوات قريبة ومظلة دعم الخبز فى مصر تتمتع بتطوير شامل، ولا مقارنة بين عقود مضت على هذه المنظومة وما هى عليه الآن بحسب خبراء، وقد يكون هناك بعض المشكلات لكنها ليست بالمزعجة لـ”رغيف” أو قوت المصريين.

حيث حافظت مصر على سعر رغيف الخبز المدعم عند مستواه المقدر منذ عقود بخمسة قروش، لكن الحكومة تعتزم تطبيق عدد من الإجراءات لترشيد الإنفاق على هذا الدعم، وقال علي المصيلحي، وزير التموين والتجارة الداخلية في مصر، إن وزارته تعد خطة لإدماج دعم الخبز في منظومة الدعم النقدي بدلا من العيني، وأوضح الوزير أنه يقصد بذلك توجيه قيمة الدعم الذي كانت تدفعه على كل رغيف إلى المواطن بشكل مباشر، ويشتري المواطن رغيف الخبز بسعر السوق.

وكانت مصر تتيح الخبز المدعم من دون أي ضوابط، وهو ما تسبب في تسرب نسبة كبيرة من هذا الخبز إلى تغذية الحيوانات علاوة على تهريب الدقيق المدعم في ظل فارق السعر بينه وبين الدقيق الحر، وعدلت الحكومة منظومة الخبز بشكل كبير في عام 2014 عندما بدأت توزع الخبز من خلال “بطاقات ذكية” تتاح فقط لأعضاء منظومة التموين، حاملي البطاقات التموينية، وحددت لكل فرد نصيبا من الدعم يقدر بخمسة أرغفة في اليوم.

واتسم نظام البطاقات الذكية بقدر من المرونة، حيث يستطيع المستهلك الذي يحتاج إلى أقل من خمسة أرغفة في اليوم أن يحصل على رصيد بقيمة دعم الخبز غير المستهلك ويشتري به سلعا أخرى، فيما يعرف بنظام “نقاط الخبز”، واعتمدت الحكومة بقوة على منظومة دعم الخبز في مواجهة الضغوط التضخمية التي توالت خلال الأشهر الأخيرة في ظل ضعف العملة المحلية أمام الدولار وتطبيق إجراءات اقتصادية ذات أثر تضخمي، وزادت في موازنة 2017 – 2018 دعم الفرد في البطاقة التموينية بنسبة 140 في المائة من 21 جنيها إلى 50 جنيها (نحو 2.8 دولار) شهريا.

لكن الحكومة تسعى في الوقت ذاته للحد من المشتركين في منظومة التموين، فقد كان هذا النظام العريق، الذي تعود جذوره لحقبة الحرب العالمية الثانية، غير محدد بضوابط قوية، ويضم حاليا نحو 68.8 مليون مواطن من خلال نحو 20.8 بطاقة تموين، ووضعت وزارة التموين العام الماضي شروطا خاصة لاستخراج بطاقات التموين الجديدة، منها ألا يزيد دخل المنضم للمنظومة من العاملين في القطاعات العام على 1500 جنيه شهريا (نحو 88 دولارا)، وإذا كان من أصحاب المعاشات فلا يزيد دخله على 1200 جنيه (نحو 70 دولارا)، وفي الوقت نفسه تتيح الضوابط الجديدة استخراج بطاقات التموين لمتلقي صور الدعم النقدي المختلفة، ومعاشات الضمان الاجتماعي، ومعاشات تكافل وكرامة، بجانب فئات أخرى مثل أصحاب الأمراض المزمنة وعمال التراحيل وغيرهم، وبدأت مصر في التوسع في الدعم النقدي منذ العام المالي 2014 – 2015 بطرح معاشي تكافل وكرامة للفئات متدنية الدخل وأصحاب الإعاقة والمسنين.

وتزامن هذا التوجه مع سعي الدولة للتخارج تدريجيا من الدعم السلعي من تحرير أسعار الوقود والكهرباء، ويدعم صندوق النقد الدولي اتجاه مصر للتخارج من الدعم السلعي والاعتماد على الدعم النقدي، حيث تتفق هذه الرؤية مع برنامج للإصلاح الاقتصادي اتفقت عليه البلاد مع الصندوق في نوفمبر 2016.

شواهد تاريخية

ليس السودان هو البلد العربي الوحيد الذي شهد ويشهد احتجاجات بسبب الغلاء ورفع الدعم عن المواد الأساسية، ففي تونس لم تكن الاحتجاجات، التي انطلقت منذ أيام وتتواصل حتى الآن على إجراءات التقشف، بجديدة على بلد “ثورة الياسمين”، ففي عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وعلى خلفية قرار الحكومة بإلغاء الدعم الحكومي عن العجين ومشتقاته، ما يعني آلياً رفع أسعار الخبز، انطلقت من مدن الجنوب التونسي بنهاية ديسمبر عام 1983 “أحداث الخبز” لتعم بعدها أغلب أنحاء البلاد وصولاً إلى العاصمة.

وبلغت الاحتجاجات ذروتها بدءا من اليوم الثاني من يناير عام 1984 مع إعلان وزارة الداخلية عن سقوط قتلى وجرحى في مواجهات بين محتجين والشرطة، وأعلن بورقيبة حالة الطوارئ في البلاد، كما فرضت السلطات حظر تجوال، قبل أن يضطر بورقيبة للتراجع وإلغاء قرار رفع الدعم الحكومي، ويقدر الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمال في تونس، عدد الضحايا، الذين سقطوا برصاص الأمن والجيش في تلك الأحداث بالمئات.

وفي مصر خرجت يومي 18 و19 يناير من عام 1977 مظاهرات حاشدة للاحتجاج على رفع أسعار المواد الأساسية، وأطلق البعض عليها اسم “انتفاضة الخبز”، بينما وصمها الرئيس الأسبق أنور السادات بـ”انتفاضة الحرامية”، متهما أعداءه الداخليين بالوقوف خلفها، وإثر المظاهرات تراجعت الحكومة عن قرار رفع الدعم.

وفي الأردن انطلقت من جنوب البلاد، من مدينة معان، ما أُطلق عليه “هبة نيسان” عام 1989، والسبب ما كانت تعيشه البلاد آنذاك من ظروف اقتصادية صعبة، وامتدت المظاهرات إلى عدة مدن كالسلط وأربد والكرك، وتطورات الاحتجاجات إلى صدامات مع الجيش والأمن وسقط ضحايا، وأدت المظاهرات إلى إقالة الحكومة، ويرجع مراقبون الفضل إلى تلك الاحتجاجات في قيام الملك الراحل حسين بإعادة الحياة البرلمانية وإلغاء الأحكام العرفية.

Advertisements