الشروق تستمر في نشر حلقاتها عن القائد الشهيد وعنوان هذه الحلقة “القذافي بين البادية والجامعة”

أوج – تونس

باشرت صحيفة الشروق التونسية في نشر حلقات بقلم الكاتب التونسي النوري الصل عن القائد الشهيد معمر القذافي تحت عنوان “القذافي:رجل الأضواء… و«الأنواء»!”، حيث ستستمر هذه الحلقات خلال أيام شهر رمضان.

وأكد النوري في الحلقة الاولى من كتاباته والتي نشرت، الخميس، أن القائد الشهيد لازال يمثّل لغزا، ليس فقط لليبيين، بل للعالم أجمع، كما لا يزال مادة دراسة دسمة للمؤرخين والباحثين.

وأضاف “إنّها مسيرة سياسية ببعدها الخارجي، الدولي والإقليمي، تختزن وتختزل الكثير من الأحداث والمنعطفات السياسية على المستوى الخارجي يحتاج سردها وتحليلها إلى مجلّدات بتمامها وكمالها”، مشيراً إلى أنه سيعرج على أهمها في حلقات يوميةفي مسلسل الشروق الدولي على مدى شهر رمضان.

وكانت الحلقة الثانية على صحيفة الشروق التونسية كما يلي:

استثنائية في كل شيء… كان الرجل أكبر من مجرد بطل سينمائي، بدا مشهد مجيئه من غياهب الصحراء إلى سدة الحكم دراميًا…

ربما لم يعلق بأذهان الكثيرين من فصول هذا المشهد الممتد إلا مسلسل تصاعد الأحداث خلال الأحداث الدامية التي عاشتها ليبيا في شهر الربيع 2011 عندما وقف يخطب قائلا “الذين ماتوا في المظاهرات سوف يندمون أشد الندم”، “انزلوا الليلة.. بداية من الغد، إلى الأمام، دار دار، بيت بيت، زنقة زنقة”، التقطت وسائل الإعلام تلك العبارات فصنعت من القذافي مادة للسخرية والكوميديا لكنها كانت في الحقيقة سخرية أقرب الى الكوميديا السوداء، التي تزخر بالعديد من المواقف التي سجلها التاريخ .

وفي هذا التاريخ ثمة ما يجيز النظر الى الرجل الذى حير العالم خلال مدة حكمه بطريقة مختلفة، بطريقة تراقب الرياح التي تهب على رأسه منذ شب عن الطوق، ومنذ انفجار تلك المتغيرات التي عصفت به وبمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، لكن هذه المتغيرات تفصح في الوقت نفسه عن الكثير من المواقف والملابسات والأسرار.

حياة قاسية

بدأت حياة القذافي واسمه الكامل معمر عبد السلام أبو منيار، من قرية “جهنم” التي رأى النور بها عام 1942م، والتي اختار تخليدها في قصته الأدبية المشهورة “الفرار إلى جهنم”.

كانت أسرته تعمل في الزراعة وتربية المواشي، هنا عاش القذافي في ظل ظروف قاسية، كان صبيًا خجولا وشديد الأدب وخدومًا، وكان لأبويه ثلاث بنات وولدان غير معمر ماتا بالحمى قبل أن يولد هو، هذا ما يرويه قذاف الدم الذى لازمه منذ الابتدائية وشارك معه في التحضير لثورة الفاتح من سبتمبر، وظل معه حتى افترقا مع الأيام الأولى لأحداث 2011م وكان الصبى مجتهدًا دراسيًا حتى أنه تم نقله من الصف الثالث الابتدائي إلى الصف الخامس مباشرة، وانتقل مطرودا من ولاية فزان إلى طرابلس بسبب آرائه السياسية ليستكمل دراسته الثانوية في مدينة مصراتة وفق ما جاء في مذكرات قذاف الدم.

في روايته “الفرار الى جهنم” كتب القذافي عن نفسه قائلا :”بدوي فقير تائه لا يحمل حتى شهادة الميلاد… عصاه على كتفه لا يقف أمام الإشارة الحمراء… ويخاصم الشرطي ولا يخشاه… ويأكل بلا غسل يديه… ويطب ما يعيقه في سيره برجله حتى ولو أصاب به واجهة متجر زجاج… أو وقع على وجه عجوز شمطاء… أو حطم نافذة بيت أبيض جميل. لا يعرف طعم الكحول ولا حتى البيبسي كولا او صودا ..يبحث عن ناقة في ميدان الشهداء وفرس في الساحة الخضراء… ويحوش الغنم من ميدان طمسون .هذه الجموع التي لا ترحم حتى منقذيها أحس أنها تلاحقني… تحرقني حتى وهي تصفق احس أنها تطرق أنا بدوي ، أمي ، لا أعرف حتى صنعة الزواق ولا أعرف حتى معنى المجاري … وأشرب ماء المطر وماء البئر بكلتا يدي… وأصفي يرقات الضفادع بطرف عباءتي ، ولا اتقن السباحة لا على بطني ولا على ظهري ، ولا أعرف شكل النقود. ولكن كل من يقابلني يطلب مني شيئا من تلك الأشياء مع أني أعطيته الكثير منها… فأنا لا أملكها في الحقيقة ولكن خطفتها من أيدي اللصوص ومن أفواه الفئران ومخالب الكلاب ووزعتها على أهل المدينة باسم فاعل خير قادم من الصحراء”.

شخصية استثنائية

لم تكن بداية هذا الرجل القادم من الصحراء، من حيث النشأة والأسرة، تنبئ بمولد زعيم سيحكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود، ولكن هذه النشأة نفسها هي التي ساهمت على ما يبدو في نحت شخصية استثنائية في كل شيء… في مواقفه وأقواله وخطاباته…و حتى في مظهره ، وفي ألقابه إنه ملك ملوك افريقيا وعميد الحكام العرب والزعيم الليبي وقائد الثورة معمر القذافي، الذي يبالغ خصومه في ذمه والحط منه، كما يبالغ أنصاره في تبجيله وتنزيهه.

يقول الشاعر نزار قباني في مقال قديم كتبه عن القذافي لالقاء الضوء عليه في بداية توليه الحكم: “ان العالم العربي دخل مرحلة الكهولة ….لذلك فهو لا يفهم طفولة معمر القذافي ، والعالم العربي متعصب للنثر، لذلك فهو لا يفهم شاعرية القائد الليبي”.

يتصوره البعض شيخا من مشايخ الطرق الصوفية ، ويتصوره البعض واحدا من جماعة اخوان الصفاء، ويتصوره البعض تلميذا مشاغبا يمد لسانه لجميع المدرسين، ويتصوره البعض مراهقا سياسيا يرمي الحجارة على شبابيك كل المدن بما في ذلك ايرلندا والفيليبين ، ويتصوره البعض ولدا خارجا على طاعة أبويه وتقاليد القبيلة وآداب الأكل بالشوكة والسكين .

إن القذافي، كما يقول قباني، “ليس زعيما كلاسيكيا ليناقش بطريقة النقد الكلاسيكي ، وليس تمثالا محدد القسمات في متحف الشمع العربي . إنه ظاهرة استثنائية ، كالبرق، والرعد، ورياح الخماسين… وعلى هذا الأساس يجب أن ندرسه”.
فإلى حلقة قادمة

Advertisements