القذافي… بين البادية والجامعة!


في مطلع الخمسينات، كانت ليبيا تحت حكم الملك محمد ادريس السنوسي… كانت تنفض عن نفسها غبار الاستعمار الذي عاناه من أكثر من مستعمر بينما كانت أجواء وتداعيات الحرب العالمية الثانية في ذلك الوقت تخيم بدخانها الكثيف على سماء ليبيا…في هذه الأثناء كانت قوافل الإبل تشقّ الصحراء في طريقها إلى إقليم فزان جنوبا حيث الصحراء القاحلة والشمس الحارقة … وفي هذه الرحلة كان الحديث يدور عن «غزو الطليان» الذي أجبر القبائل الليبية على الهجرة. من هنا سيمرّ فتى لم يتجاوز عمره الـ15، كان يمضي بخطى متوثبة… وبجسد نحيف… لم يكن هذا الطفل سوى معمر القذافي.

كان واضحا أن أسلوب شظف العيش البدوي الصارم أثّر بشكل كبير على معمر القذافي…في حياته وتفكيره وفي علاقاته حتى مع أقرب المقرّبين منه…

يقول معمر القذافي إن نشأته في البادية ساعدته على اكتشاف قوانين الطبيعة والحياة في واقعها الحقيقي، لكنه في الواقع اكتسب صفتين من حياة البادية هما «الحذر الشديد وعدم الثقة في المحيطين به».

إلى جانب دراسته العسكرية درس العقيد معمر القذافي لفترة معينة الجغرافيا والتاريخ في الجامعة الليبية…كان يستهويه التاريخ كثيراً، لكن ذلك لم يمنعه من قراءة بعض أحداثه أحيانا بطريقة ساخرة وهزلية.

يتذكر أحمد قذاف الدم ابن عم القذافي والمتحدث الرسمي السابق للزعيم الليبي الراحل للشؤون الخارجيّة تلك المرحلة قائلا: كان معمر القذافي يمضي، مرة على ظهر ناقة، ومرة في صندوق شاحنة، مع المرتحلين بين البلدات الصحراوية، ويراقب العَوَز في خيام النجوع البائسة، وفي أكشاك الصفيح والخشب في القرى، ومن هنا يقرأ بعضًا من الكتب القليلة المتوفّرة، عن الثورات ونظم الحكم، التي شكّلت فكره، إلى أن تم اغتياله في 2011.
يحكي أحمد قذاف الدم في مذركراته التي نشرتها صحيفة «الشرق الأوسط»، أنّ القذافي جاء وأسرته طفلاً ليعيشوا في سبها، حيث كانت سنوات القحط في سرت مسقط رأس القذافي.

ويتابع «كان معمر القذافي كثير الصمت ويختفي ويظهر دون أن تشعر به، ويحب قراءة ما يصل للبيت من صحف وكتب. كما كانت تجتذب هذا التلميذ الخطب التي تتردد من «صوت العرب» عبر المذياع، وهو جهاز لم يكن يوجد مثله في بيوت الأسر العادية.

ويضيف: «عاش معنا فترة بحكم القرابة، وكان والدي يعامله معاملة خاصة، لأنه كان شابا محترما، ومتدينا.. وبرغم صغر سنه كان لافتا للانتباه.. لأنه لم يكن كغيره من أقرانه.. كان خجولا، وشديد الأدب، وخدوما.. ويعكف على مراجعة دروسه، ولا يهتم بالآخرين ولا يفعل مثلهم»..

في سبها التحق القذافي بالمرحلة الإعدادية، وكان الراديو في ذلك الوقت شيئاً نادراً ، إلا أنّ القذافي كان حريصاً على الاستماع إلى إذاعات بي بي سي وصوت العرب، ومن هنا بدأ شغفه بالاطلاع على الأحداث، ومن ثمة أصبح قارئاً نهماً يحرص دائماً على الوجود في مكتبات سبها لقراءة المزيد من الكتب..

كانت قسوة الحياة التي عاناها القذافي بادية على جسده فقد كان افقر طالب في المدرسة، لكن الصحراء منحته شيئا اكبر من الفقر، وهو القدرة على الخطابة، حتى ان ابناء مدرسته كانوا يحملون معهم الكراسي ويتجمّعون حين كان الطالب معمر يلقي خطابا امام زملائه.
«كان طفلاً يافعاً يحفظ أجزاء كبيرة من القرآن…كان لا يهدأ في المدرسة وخارجها… بدا مختلفاً عن كلّ أقرانه الذين كانوا في نفس عمره وكان يتفوّق عليهم ذكاءً وطموحاً، حتى أنه عند دخوله الابتدائية وقبل نهاية الأسبوع الأول من الدراسة نقلوه إلى الصف الثاني لتفوقه، وقبل نهاية الأسبوع الثاني نقلوه إلى الصف الثالث» مثلما يروي أحمد قذاف الدم.

كانت التربة التي نما فيها هذا الرجل، قرب معسكرات الفرنسيين في سبها، عبارة عن خليط من الثقافة البدوية الليبية، والانفتاح على الراديو وما فيه من أخبار وخطب وموسيقى، إضافة للطابع العسكري الذي طبع القذافي صبيا لاستكمال دراسته النظامية، بدلا من الاقتصار على التعليم الديني في سرت.

خارج أوقات الدراسة والمطالعة لم يكن اللعب يستهوي معمر القذافي «الطالب»… كان هذا الطالب يختلي بنفسه هناك على حافة الوادي وهو يتأمل مشهد تلك النوق بأعناقها الطويلة… ترى في ماذا كان يفكر هذا الطالب حينها؟ وهل توقع، أنّه سيصبح يوما حاكما لليبيا سنة 1969 وهو لم يتجاوز بعد الـ27 عاما… وهل توقّع أن يتم اغتياله في نفس المكان وبتلك الطريقة الدرامية؟

بقلم: النوري الصل

Advertisements