الحلقة الرابعة من سلسلة القائد الشهيد على الشروق … القذافي والعمل السري


أوج – تونس

باشرت صحيفة الشروق التونسية في نشر حلقات بقلم الكاتب التونسي النوري الصل عن القائد الشهيد معمر القذافي تحت عنوان “القذافي:رجل الأضواء… و«الأنواء»!”، حيث ستستمر هذه الحلقات خلال أيام شهر رمضان.

وأكد النوري في الحلقة الاولى من كتاباته والتي نشرت، الخميس، أن القائد الشهيد لازال يمثّل لغزا، ليس فقط لليبيين، بل للعالم أجمع، كما لا يزال مادة دراسة دسمة للمؤرخين والباحثين.

وأضاف “إنّها مسيرة سياسية ببعدها الخارجي، الدولي والإقليمي، تختزن وتختزل الكثير من الأحداث والمنعطفات السياسية على المستوى الخارجي يحتاج سردها وتحليلها إلى مجلّدات بتمامها وكمالها”، مشيراً إلى أنه سيعرج على أهمها في حلقات يومية في مسلسل الشروق الدولي على مدى شهر رمضان.

وكانت الحلقة الرابعة على صحيفة الشروق التونسية كما يلي:

في نهاية الخمسينات بدأت فكرة الاطاحة بالملك ادريس السنوسي تخامر الطالب معمر القذافي كان عمره في ذلك الوقت 17 عاما او اقل قليلا، في ذلك الوقت كان القذافي يحمل رتبة ضابط عسكري كان يستخدم سيارة “الفولكس فاغن” التي كان يملكها في تنقلاته لزيادة عدد “الخلايا المدنية”، بعد أن قام وهو في الكلية الحربية بدخول مرحلة تشكيل “الخلايا العسكرية”، التي ساعدته في الإطاحة بالنظام القديم، لكن زملاءه الضباط الذين قاموا معه بـ”الثورة” كانت لديهم طموحاتهم في الحكم أيضا، فقرر التخلص منهم، من خلال إعادتهم إلى معسكراتهم أو الزج بهم في السجون، أو كما يقول قذاف الدم “كان قاسيا معهم”.

يحكي الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي، في كتابِهِ “قِصَّة الثورة”، أنهُ من المستحيل تحديد يوم بعينِهِ لبدايةِ الثورةِ، كما هو الحال في أيَّة ثورة، لا يمكن تحديد بداية لها؛ عكس الانقلاب، الذي هو “خاطِرة طارئة، تطرأ على خاطر القادة الكبار”.

وقال في رد على سؤال عن مقولة أن الثورة قد تقضى أحيانا على بعض من شاركوا فيها ان ذلك يحدث بكل أسف كما أنه قد تحدث أخطاء ومغالطات وخيانة وسوء فهم.

وأضاف أنه بعد قيام الثورة فى ليبيا حدثت مثل هذه الاشياء كالضباط الكبار الذين رفضوا أن يكون بمجلس الثورة ضباط صغار رغم أنهم انضموا فى أخر وقت الى الثورة وهؤلاء الضباط الصغار لهم الاقدمية الثورية كما أن هناك من انحرف عن الثورة وهناك من تآمر وخان. كما كشف القذافى عن أسرار الخلاف الذى نشب بعد قيام الثورة من جانب بعض الضباط الكبار الذين ضمهم للحركة قبيل اندلاعها وقال ان هذا الخلاف كان يرجع الى أن بعض هؤلاء الضباط الكبار كانوا يرون أن مجلس قيادة الثورة يضم ضباطا أقل منهم رتبة.

عشر سنوات من العمل السري، تطلّبتها المرحلةُ التحضيرية لإنطلاق ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969م، التي يصفها القذافي قائلا بأنها كانت”مشقة ثقيلة وقاتلة 4000 يوم كل يوم منها مرٌ بي ومررت به وفي كل ساعة من ساعاته توقعات مخيفة وفي كل ليلة وكل يوم أشباح مفزعة.

استُهِلَّت الاجتماعات لوضع منهج يُغطي جميع عناصر وأدوات الثورة على حكم الملك ادريس السنوسي في ليبيا، في مدينة سبها؛ حيث تكوَّنت أول لجنة قياديَّة في المدرسة الثانوية.
تم تجهيز أول مظاهرة في سبها، 5 التمور من عام 1961م، قادها القذافي، ومعهُ عدد من العناصر. كانت أجواء المظاهرة عروبيَّة خالِصة، حيث طالبت بالوحدة العربية بعد انفصال سوريا عن الوحدة مع مصر.

لكن هذه المظاهرة العروبية الخالصة، لم تناد فقط بالوحدة والتحرير بل سرعان ما تحولت الى مظاهرة ضد نظام الحكم القائم، وبدا أن ما توقعه البعض بأن تكون مجرَّد عمليَّة عفويَّة ، أو حركة عابِرة ؛ قد فجّر صداما عنيفا مع السُلطات الأمنية القائمة هناك.

ألقت هذه السلطات القبض على القذافي، واقتادته إلى داخل مكتب التحقيقات في المبنى المكتوب على واجهته المملكة الليبية المتحدة – ولاية فزان – قوة بوليس فزان. وقال له المحقق وفق ما ينقله قذاف الدم في مذكراته: “أنت كنت تقود المظاهرة، والمحضر يثبت هذا.. ومصيرك السجن. قل لي ماذا تريد من هذه الأعمال التي تقوم بها. المفيد لك هو أن تراجع دروسك”.

لكن الولاية فوجئت بعد ذلك بـ”تورط” الطالب نفسه في التحريض على مظاهرة أكبر من الأولى، في صورة جنازة رمزية للمناضل الأفريقي باتريس لومومبا (كان أول رئيس وزراء منتخب للكونغو أثناء الاحتلال البلجيكي لبلاده) والذي قتل عام 1961م.

ليتقرر اثر ذلك منعه من الدراسة والإقامة في فزان. حيث تم ترحيله في أول شاحنة ذاهبة إلى الشمال الليبي..

يقول القذافي «كانت هذه المظاهرة السبب في طردي من المدرسة بل ومن اقليم فزان كله. فمظاهرة اكتوبر اظهرت قدرتي على تعبئة الجماهير في أي وقت وكانت مظاهرة منظمة تحتوي على 4 آلاف شخص تطوف بشوارع سبها حتى القسم الداخلي».

انتقل القذافي بعد هذه المظاهرة – التي تعرَّض خلالها للتحقيق من قبل السلطات الأمنية في ولاية فزان – إلى مدينة مصراته للدراسة بها، لكن القذافي لم يكتف هناك فقط بالدراسة بل عمل أيضا على إنشاء المزيد من المجموعات والخلايا الثوريَّة.

في مصراتة وقف القذافي شاهدا على وحشية الاستعمار الايطالي وقسوته، وبدأ يتردد من حين الى آخر أيضا على العاصمة طرابلس، هنا اكتشف القذافي القواعد الأجنبية الموجودة في ليبيا، وشكل «الخلايا المدنية» من الطلاب، فأصبحت لديه كما يتذكر قذاف الدم مجموعات في سبها وأخرى في مصراتة، ثم طرابلس، وغيرها من الضواحي والقرى، بما فيها سرت، مسقط رأسه. لكنه بدأ يفكر في تشكيل «خلايا عسكرية» أو «تنظيم عسكري»، وهو يتأهب للانتهاء من دراسته الثانوية والالتحاق بالكلية الحربية في بنغازي.

هذه هي الظروف والأقدار والتحوّلات ، التي وضعت هذا «البدوي» الطامح ورفاقه في فوهة أحداث عاصفة، دون أنْ يراكم مع رفاقه أيّاً من أنواع الخبرة والنضج السياسي والذاتي، فهم فتية لا يملكون غير الحماس يومذاك؛ لكن هل الحماس وحده كاف للوصول الى السلطة؟

من الواضح أن هناك عوامل أخرى ساعدت على ذلك تكتشفونها في الحلقة القادمة…

Advertisements